هتك الستار عما فى رسالة الكندىّ الحِمَار من عُوَارج4

أيمكن أن يصف آدمى عاقل قد خلا قلبه من الحقد والضلال شريعة محمد بأنها شريعة الشيطان؟ إنها شريعة الله بكل يقين، نعم شريعة الله التى لا تفرق بين مسلم وغير مسلم، وتنهى عن البدء بالعدوان والظلم حتى مع الأعداء، وتحبب الفضل والكرم وتنازُل صاحب الحق عن حقه، وتحرم الخمر والربا مع الجميع، وتدعو الناس إلى تعمير الأرض وتعلى من شأن العلم، وتحرّم عليهم ترك أعمالهم وسطْوهم على حقول الآخرين وحظائرهم، ولا ترضى بلعْنهم شجر الفاكهة لعدم إثماره فى غير موسم الثمر فى مناهضة للعقل وقوانين الطبيعة. إن الإسلام دين يقوم على احترام المنطق والعقل وسنن الكون. ومن هنا رأينا أمم النصرانية لا تتقدم ولا تقوى إلا بطرح الشرائع الإنجيلية من أولها إلى آخرها لأنها شرائع تناقض الحضارة مناقضة حادة. أما شريعة محمد فقد أوصت بالجار والقريب والفقير والمسكين والمَدِين واليتيم وقنّنت ذلك كله فى بنودٍ محدَّدة، ولم تتركه كلاما ساذجا متشنجا لا يمكن تطبيقه، بل طبقته وأقامت دولا انتعش فيها العلم والتراحم الاجتماعىوالنظافة والنشاطات الاقتصادية... إلخ. وما زال الناس حتى من الدول الغربية الكبرى فى عصرنا يدخلون فى دين محمد إعجابا بمبادئه وتشريعاته وقِيَمه رغم هوان أهله وضعفهم أمام تلك القوى نفسها. فإذا ظل الكندى الموهوم على رأيه من أن شريعة محمد شريعة شيطانية، وشريعة عيسى التى تناقضها شريعة إلهية، كان معنى هذا أن شريعة الشيطان أفضل من شريعة الله، أستغفر الله. ثم إن الآية الكريمة، كما استشهد بها الوغد، خاطئة، وصوابها هو: "وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)". وبالمثل نراه يهزل حين يدعى أن الرسول محمدا قد اعترف بأن المسيح سيد العالم (أى اعترف به إلها!)، إذ ليس فى القرآن ولا فى الآية التى استشهد بها الوغد ولا فى أى حديث من أحاديثه صلى اله عليه وسلم ما يمكن أن يُفْهَم منه ذلك بتاتا، وأخزى الله كل مدلس فشّار، فالقرآن واضح فى هذا الأمر وضوحا لا يمكن تطرق اللبس إليه بحال. ومعروف أن موقف القرآن من عيسى عليه السلام وقوله بأنه ليس إلا عبدا رسولا هو ما يهيج النصارى ضد محمد ودينه، إلا أن الرجل يكذب حتى فيما لا يقبل الكذب، فما العمل؟ العمل هو ما نقوله دائما من أن أمثال الكندى المزعوم قد مَرَدُوا على الكذب، فهم لا يستطيعون التخلّى عنه او التبرّى منه. كما أن تعليقه على ما ظنه توليفا من النبى بين الشريعة التوراتية والشريعة الإنجيلية هو تعليق مضحك، إذ إن التشريع الإسلامى لا يقول فى القتل بالعقوبة والعفو فى ذات الوقت، بل يقول بالعفو إن قبل صاحب الحق هذا العفو، وإلا فمن حقه تماما تطبيق العقاب. وكثيرا ما قبل صاحب الحق وما زال حتى الآن يقبل العفو رحمةً منه وكرمًا وابتغاءً لوجه الله. وأخيرا فإن كلام المسكين يوهم أن اليهود والنصارى لم يقبلوا التشريع الإسلامى ولم يدخلوا الإسلام ولم يصدقوا محمدا. فمن أين أتت الملايين المُمَلْيَنَة التى دخلت وما زالت تدخل الإسلام؟ أليس معظمهم يهودا ونصارى؟ وكيف أصبح كاتب هذه السطور مثلا مسلما؟ أليس لأن أجداده اليهود أو النصارى قد قبلوا دين محمد؟ إن كلام الكندى لا يعنى إلا أن أحدا من غير العرب الوثنيين لم يقبل الإسلام، وأن الدنيا كلها ترفضه. صح النوم يا خم النوم! وانظر حولك لترى أن العرب جميعا قد قبلوا الإسلام عند مجيئه: نصاراهم ويهودهم ووثنيوهم، وأن عشرات الملايين من غير العرب قد قبلته مثلهم، وإلا فمن أين للإسلام بمئات الملايين الحالية إذن؟ أوقد نزلوا من السماء؟ إذن فهى معجزة، وأى معجزة! وأين ذهب الملايين من النصارى واليهود الذين كانوا موجودين عند مجىء الإسلام، وكذلك الذين كانوا موجودين منذ ذلك الحين حتى الآن ولم يعودوا موجودين، مما كان من نتيجته نقصان غير المسلمين بمقدار زيادة المسلمين؟ أنزلت نار آكلة أتت عليهم؟ إذن فهى معجزة أخرى، وأى معجزة! إن الرجل يعيش فى الأوهام ويطنطن بالاعتراضات النظرية التى لا تسمن ولا تشبع من جوع.
16- والآن إلى ما يزعمه الخنزير من أن القرآن، الذى كان ينزل به جبريل على النبى الكريم غُدُوًّا وعَشِيًّا، إنما أخذه عن راهب يقال له: سرجيوس، فما هى حكاية سرجيوس هذا؟ لنسمع أولا تلك الكذبة السخيفة التى يحكيها الوغد، إذ يقول للهاشمى: "ينبغي لك أن تعلم أولاً كيف كان السبب في هذا الكتاب. ذلك أن رجلاً من رهبان النصارى اسمه سرجيوس أحدث حَدَثًا أنكره عليه أصحابه، فحرموه من الدخول إلى الكنيسة وامتنعوا عن كلامه ومخاطبته على ما جرت به العادة منهم في مثل هذا الموقف. فندم على ما كان منه، فأراد أن يفعل فعلاً يكون له حجة عند أصحابه النصارى، فذهب إلى تهامة فجالها حتى بلغ مكة، فنظر البلد غالبًا فيها صنفان من الديانة: دين اليهود، وعبادة الأصنام. فلم يزل يتلطف ويحتال بصاحبك حتى استماله وتسمَّى عنده: نسطوريوس، وذلك أنه أراد بتغيير اسمه إثبات رأي نسطوريوس الذي كان يعتقده ويتديَّن به. فلم يزل يخلو به ويكثر مجالسته ومحادثته إلى أن أزاله عن عبادة الأصنام ثم صيَّره داعيًا وتلميذًا له يدعو إلى دين نسطوريوس. فلما أحست اليهود بذلك ناصبته العداوة، فطالبته بالسبب القديم الذي بينهم وبين النصارى. فلم يزل يتزايد به الأمر إلى أن بلغ به ما بلغ. فهذا سبب ما في كتابه من ذكر المسيح والنصرانية والدفاع عنها وتزكية أهلها والشهادة لهم أنهم أقرب مودّة، وأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون (المائدة/ 82). فلما تُوُفِّيَ وارتدّ القوم وانتهى الأمر إلى أبي بكر قعد علي بن أبي طالب عن تسليم الأمر لأبي بكر، فعلم عبد الله بن سلام وكعب الأحبار اليهوديان أنهما ظفرا بما كانا يطلبان ويريدان في نفسيهما، فاندسَّا إلى علي بن أبي طالب فقالا له: ألا تدَّعي أنت النبوّة ونحن نوافقك على مثل ما كان يؤدب به صاحبَك نسطوريوسُ النصرانيُّ، فلستَ بأقلَّ منه؟ ولكن أبا بكر عرف بما كان من أمرهما مع علي، فبعث إلى علي. فلما صار إليه ذكّره الحرمة. ونظر علي إلى أبي بكر وإلى قوته، فرجع عما كان عليه ووقع بقلبه. وكان عبد الله بن سلام وكعب الأحبار قد عمدا إلى ما في يد علي بن أبي طالب من الكتاب الذي دفعه إليه صاحبه على معنى الإنجيل، فأدخلا فيه أخبار التوراة، وشيئًا من جل أحكامها، وأخبارًا من عندهما بدلها، وشنَّعا فيه وزادا ونقصا ودسّا تلك الشناعات كقولهما: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَا للَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفوُنَ (سورة البقرة 2:113)، ومثل الأعاجيب والتناقض الذي يجعل الناظر فيه يرى المتكلمين به قومًا شتى مختلفين، كلٌّ منهم ينقض قول صاحبه، ومثل سورة "النحل" و"النمل" و"العنكبوت" وشبهه. إلا أن عليًا حين يئس من الأمر أن يصير إليه، صار إلى أبي بكر بعد أربعين يومًا (وقال قومٌ: بعد ستة أشهر) فبايعه ووضع يده في يده. وسأله أبو بكر: ما حبسك عنا وعن متابعتنا يا أبا الحسن؟ فقال: كنت مشغولاً بجمع كتاب الله، لأن النبي كان أوصاني بذلك. فما معنى شغله بجمع كتاب الله، وأنت تعلم أن الحجاج بن يوسف أيضًا جمع المصاحف وأسقط منها أشياء كثيرة؟ وأنت تعلم أيضًا أنهم رَوَوْا أن النسخة الأولى هي التي كانت بين القرشيين، فأمر علي بن أبي طالب بأخذها لما اشتد عليه الأمر لئلا يقع فيها الزيادة والنقصان، وهي النسخة التي كانت متفقة مع الإنجيل الذي دفعه إلى نسطوريوس، وكان يسميه عند أصحابه: "جبريل" مرة، و"الروح الأمين" مرة".
لاحظ، أيها القارئ، كيف أن ما ذكرته بعض كتب السيرة من القصة التى تقول إن النبى، فى سفره إلى الشام رفقة عمه أبى طالب، قد قابل راهبا اسمه بحيرا حذَّر العم من كيد يهود إذا رَأَوُا الصبى الذى سيكون نبيا فى مُقْبِل أيامه، قد تحولت إلى هذا الفلم السينمائى العجيب، إذ نرى بحيرا قد أصبح نسطورس، وبدلا من أن يلقاه محمد الصغير فى مشارف الشام إذ بنسطورس هذا يأتى إلى مكة. فى أية مهمة؟ فى مهمة مضحكة، إذ أراد أن يثبت لأصحابه الذين انقضوا عليه لآرائه المنحرفة عما يقولون به أنه قادر على... على ماذا؟ على أن يحول محمدا عن دين آبائه إلى مذهب نسطورس! ولماذا محمد دون سائر عباد الله فى الشرق والغرب، وبخاصةٍ النصارى الذين يرى هذا الراهب أنهم على ضلال ووقف منه رهبانهم وقسيسوهم موقف التخطئة والتشنيع؟ ولماذا مكة دون سائر المدن والقرى فى العالم؟ واضح أن الرجل فى أعماقه يعرف أن الكتاب المقدس قد تنبأ بأن هناك نبيا سوف يظهر من بلاد العرب اسمه محمد، فهو يجرى على هَدْىٍ من هذه الفكرة التى يحاول بكل جهده أن يخنقها فى ضميره، لكنها تأبى إلا أن تشق طريقها إلى السطح، وإلا فلماذا محمد من دون العباد، ومكة من دون البلاد؟ لقد كان يستطيع أن يستمر فى طريقه إلى أن يصل إلى اليمن حيث أكبر كنيسة فى بلاد العرب، تلك الكنيسة التى بناها أبرهة وقضى أحد الأعراب فيها حاجته فكانت حرب الفيل التى ارتد فيها القائد الحبشى عن بيت الله ممزَّق الجيش والجسد جميعا، لكن خيال السينارست السقيم أبى إلا أن يأخذه إلى مكة، مكة محضن الوثنية حيث كان يقوم فى كعبتها مئات الأوثان قبل أن يحطمها الرسول الكريم إلى الأبد. ليس هذا فحسب، بل إنه بدلا من توجيه همته إلى هداية الوثنيين المكيين يركز على محمد، ومحمد وحده. لكن أين كان نسطورس يجتمع بمحمد؟ وكيف لم يلتفت إليه أهل مكة ويهتموا بهذا الراهب الغريب الذى لا يتكلم لغتهم ولا يلبس ملابسهم ويلازم محمدا لزوم الظل ولا يكف عن مناقشته؟ ثم بأية لغة يا ترى كانا يتفاهمان أثناء تلك المناقشات العميقة؟ للأسف لم تكن لغة الإسبرانتو قد اخْتُرِعَتْ بعد، وإلا قلت إنها هى. كما أن محمدا لم يكن قد درس فى معهد اللغات الشرقية، وإلا قلت إنه كان يعرف السريانية أو الآرامية أو ما شئت من لغة تحب أن ننسبها إلى نسطورسك هذا! كذلك فى أى بيت كان نسطورس ينزل فى مكة؟ لم تكن فى مكة فنادق أو لوكاندات، وإلا قلت إنه كان ينزل فى فندق الحرمين التابع للمطوِّف الفلانى أو العلانى. وهل كان هناك يهود فى مكة اشتبكوا مع محمد فى خصام ومجادلات كما يقول البكاش التافه؟ إنما كان اليهود فى المدينة لا فى مكة. ولو كان الأمر كما يقول المدلس لما نجا محمد عليه السلام من ألسنة اليهود. ثم من الذى نقل له أخبار كل تلك الوقائع؟ أتراها العصفورة؟ لكن هل تنقل العصافير أخبارا كهذه؟ فى حدود علمى وفهمى الذى على قَدّى: لا أظن! أما آيات سورة "المائدة" التى أشار إليها الكندى فهى، كما قلنا ونقول، ليست فى مدح أحد من النصارى، بل فى فريق أسلم منهم، أى ترك نصرانيته بجميع مذاهبها ودخل فى دين محمد، دين التوحيد. وهذا واضح من قوله تعالى عن أفراد هذا الفريق: "وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)"، فضلا عن أسباب نزول هذه الآيات التى تقول إنهم وفد من النصارى فيهم القساوسة والرهبان أَتَوْا لمقابلة النبى محمد عليه السلام، فقرأ عليهم شيئا من آيات القرآن لمس أفئدتهم وحرك ضمائرهم فدمعت عيونهم وأعلنوا إيمانهم به. أهذا مفهوم أم على قلوبٍ أقفالها؟ شىء آخر: أن هذه الآيات، بل السورة كلها مدنية، وليست مكية كما يظن الكلب الكندى الحقود! ثم أين أخبار نسطورس يا ترى عند العرب أو عند النصارى على حد سواء؟ لا شىء من أخباره هنا أو هناك، اللهم إلا تلك الإشارة السريعة فى بعض كتب السيرة عن لقائه بالرسول وهو صبى صغير وتحذيره لعمه من المضىّ بابن أخيه أبعد من ذلك حتى لا تؤذيه يهود. ولماذا لم يظهر نسطورس ويتحدَّ محمدا عند ادعائه النبوة ويقل له: يا رجل، لقد دفنّاه معا، فعلى مَنْ هذا الكلام الغريب الذى تزعمه؟ عَلَى بابا؟ وإذا كانت هذه قد عَدَّت على نسطورس وقتها ولم يتنبه لها، فلماذا لم ينطّ له كعفريت العلبة عند اجترائه على هرقل وإرساله خطابا له يدعوه إلى الإسلام، ويقول له: كيف تصل الأمور إلى هذا الحد يا تلميذى العزيز فتجرؤ على دعوة إمبراطورنا إلى الدين الذى أخذته عنى؟ لم يكن هذا عشمى فيك! يخونك العيش والملح والمناقشات الطويلة العريضة التى علّمْتُك فيها الآب والابن والروح القدس، فتأتى أنت وتكفّر من يقول بها، ثم لا تكتفى بهذا، بل تدعو أكبر أهل دينى إلى بدعتك! لا لا، أنا زعلان منك. ثم ينخرط فى نوبة من البكاء والشهيق والزفير والمخاط، لعل قلب محمد "يحنّ" ويتراجع عما ينتويه من أعمال متهورة، أو يطلب منهم فى برنامج "ما يطلبه المستمعون" أن يُهْدُوه أغنية موسيقار الأجيال: "حِنّ، حِنّ"، فلعلها تحنن قلبه! والمضحك أن يعزو المعتوه وجود آيات فى القرآن تهاجم اليهود والنصارى إلى عمل كعب الأحبار وعبد الله بن سلام اليهوديين! طيب فهمنا أن يكتب هذان اليهوديان السابقان ما يسىء إلى النصارى، ولكن كيف يمكن أن نصدق أنهما يضيفان إلى القرآن كلاما يحقر اليهود ويكفرهم ويجعل مثواهم جهنم، وبئس المصير؟
وفى الموقع المتخلف لعزت أندراوس، وعند حديثه عن نسطور، نقرأ ما يلى: "كتب صموئيل بولس فى مقالة بعنوان: نهاية أم بداية ؟: "كانت البداية عقب انتهاء مجمع أفسس، حيث أعلن أرباب النسطورية من أساقفة المشرق تحزبهم لنسطور والانشقاق عن كنيستهم السريانية الأرثوذكسية، وذهبوا إلى المناطق الخاضعة لنفوذ الفرس في المشرق، وأسسوا لأنفسهم كنيسة خاصة بهم أطلقوا عليها اسم "كنيسة الفرس النسطورية". وذهب تلميذهم النجيب الأسقف النسطوري برصوما النصيبيني المضطهِد والسفاح  إلى العراق، وقطع لسان جاثليق المشرق "باباي" لرفضه قبول تعاليم نسطور ثم قتله. وقتل رهبان دير مار متى، كما قتل سبعة آلاف نفس من المسيحيين العراقيين، واستطاع بدعم من ملك الفرس الوثني تحويل جُلّ المسيحيين العراقيين الى النسطورية، وتوغلت الهرطقة النسطورية إلى كل مكان في المشرق، فتعاظم نفوذهم في منطقة ما بين النهرين. ولم تمضي سوى عدة عقود قليلة حتى أصبح لهم مركزا هاما في مملكة الحيرة، ومنها انطلقوا إلى الأراضي الحجازية نفسها، فاختلطوا بالعرب "الأحناف"، وجذبوا الكثيرين منهم لهرطقتهم، وصارت لهم مراكز هامة في الخليج، وخصوصا البحرين. ثم أوجدوا لهم مركزا خطيرا داخل مكة نفسها، وكان يترأسه أحد أقارب مؤسس الإسلام، وهو القس ورقة ابن نوفل ابن أسد، والذي رافقه منذ صباه، بجانب من رافقوه من الرهبان النساطرة الذين تعربوا أمثال: بحيرا، وعيصا، وعداس. وللأخير هذا مسجدا يحمل اسمه بمدينة الطائف بالقرب من مكة تقديرا وعرفانا من المسلمين لدوره الكبير في نصرة الإسلام! وتمدنا المصادر النسطورية نفسها بالكثير من المعلومات التي تتناول علاقة بطاركة النساطرة بمؤسس الإسلام واتصالاتهم السرية معه منذ بداية المجاهرة بدعوته: كان الفطرك "البطريرك" ايشوعياب الثاني يكاتب صاحب الشريعة الإسلام ويهدي له ويسأله الوصية برعيته في نواحيه، فأجابه محمد إلى ذلك، وكتب إلى أصحابه كتبا بليغة مؤكدة، وبرَّه صاحب الشريعة عليه السلام ببرٍّ كان فيه عدّة من الإبل وثياب عدنية. وتأدَّى وبلغ ذلك إلى ملك الفرس فأنكر على الفطرك فعله ومكاتبته، وخاصة عند ورود هداياه، فداراه ايشوعياب حتى سلم منه. وعاش ايشوعياب إلى أيام عمر ابن الخطاب عليه السلام (!) فكتب له كتابا مؤكدا بالحفظ والحيطة وأن لا يؤخذ من إخوانه وخدمه الجزية وأشياعه "النساطرة" أيضا. وهذا الكتاب محتفظ به لهذه الغاية" (انظر: ماري في المجدل، أخبار بطاركة المشرق، روما 1899 ص 62). ويقول صاحب "تاريخ السعردي": "كان ايشوعياب قد أنفد هدايا إلى النبي عليه السلام! وفي جملتها ألف أستار فضة، مع جبريل أسقف ميشان، وكان فاضلاً عالمًا، وكاتبه وسأله الإحسان إلى النصارى. ووصل الأسقف إلى يثرب، وقد توفي محمد، فأوصل ما كان معه إلى أبي بكر، وعرّفه ما الناس عليه من ملك الفرس، وأنهم يخالفون الروم. فسمع قوله وقبل ما كان معه، وضمن له ما يحبه، وعاد إلى الجاثليق ايشوعياب مسرورا" (التاريخ السعردي ج 2 ، ص 618- 619). ويقول صليبا بن يوحنان الموصلي: "وفي أيامه (أي أيام أيشوعياب) بدأ يظهر أمر العرب بني إسماعيل. ولما كشف الله لهذا الأب (!) ما يؤول إليه هذا الظهور من السلطان والملك والقوة وفتح البلاد جمع رأيه وسابق بعقله وحكمته إلى مكاتبة صاحب شريعتهم، وهو بعد غير متمكن، وأنذره بما يصير إليه أمره من القوة، وقدم له هدايا جميلة. فلما قوي أمره وتمكن عاد فكاتبه واخذ منه العهد والزمام لجميع النصارى النساطرة في كافة البلدان التي يملك عليها هو وأصحابه من بعده، وأن يكونوا في حمايته آمنين على جاري عادتهم في إقامة الصلوات والبِيَع والأديرة". (أنظر: صليبا في المجدل، ص 54- 55 ). ويذكر السعردي أيضا إن بطريرك النساطرة أيشوعياب الثاني قد التقي وجها لوجه مع عمر ابن الخطاب، فيقول: "وتوفى أبو بكر ووَلِىَ الأمر بعده عمر ابن الخطاب.. ولقيه ايشوعياب وخاطبه بسبب النصارى النساطرة، فكتب له عهدا" (أنظر: التاريخ السعردي ج 2 ، ص 620 وماري في المجدل ص 62). ويذكر عن هذا البطريرك النسطوري أيضا أنه قدم دفاعا حارا عن أترابه المسلمين قائلاً عنهم: "إن المسلمين ليس فقط لا يهاجمون الديانة المسيحية (!!!) بل انهم يوصون بإيماننا خيرا (!!!)، ويكرمون الكهنة وقديسي الرب، ويحسنون إلى الكنائس والأديرة (!!)" (أنظر الأب ألبير أبونا: تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية. ج 2 ص 67). وهذا الكلام لا يمكن أن يكون قد خرج إلا من است من كتبه مع ما يخرج منها، وله ذات الصفات التى لهذا الذى يخرج منها، وإلا فأين تمت كل تلك اللقاءات بين الرسول أو عمر من جهة وبين مبعوثى النساطرة من جهة أخرى؟ هل كانا يتقابلان فى سرداب يوصل ما بين البلدين؟ أم هل كانا يلبسان طاقية الاستخفاء؟ وكيف سكت كتاب السِّيَر والمغازى والتاريخ عن هذا كله؟ وهل يوجد بين النسطورية والإسلام أى نقاط التقاء؟ ومن قال إن ورقة كان نصرانيا أصلا، فضلا عن القول بأنه نسطورى؟ لقد أسلم الرجل ونبه النبىَّ إلى أن قومه سوف يعادونه وسوف يلقى منهم عنتا شيدا وعناء. وكذلك الأمر فى  عداس، إذ كل ما ذكرته كُتُب السيرة والتاريخ أنه التقى بالنبى فى بستان ابنى ربيعة بالطائف اللذين كان يشتغل لديهما خادما، فلم يكن إذن راهبا من الرهبان كما يكذب الكاتب المدلس، بل كان مجرد خادم، وأنه أكب على قدميه ويديه ورأسه صلى الله عليه وسلم يقبلها تبجيلا وإجلالا. ومن الواضح أنه آمن بالنبى عليه الصلاة والسلام. أى أن الكلب الذى اتهم النبى عليه السلام بما اتهمه به قد نكس الدنيا رأسا على عقب وسَقْلَب حالها، فبدلا من أن يذكر إسلام ورقة وعداس يحاول أن يقنع القراء بأنهما قد علّما النبى محمدا الدين الذى أتى به، جاعلاً التلميذ بذلك أستاذا، والأستاذ تلميذا. هذا، وقد سبق الكلام عن بحيرا بما يغنى عن إعادته هنا، أما عيصا فلا أدرى من أى اسْتٍ أخرى كريهة الرائحة خرج، إلا أن تكون است زيكو، لعنة الله على زيكو وعلى الذين خلّفوا زيكو! كما أنه لم تكن هناك علاقة أيا كانت بين ورقة وعداس وبحيرا، ودعونا من عيصا إلى أن نعرف من أى اسْتٍ أخرى منتنة جاء كما قلنا آنفا. فورقة من أشراف مكة، أما عداس فغلام أجنبى من أهل نينوى كان يخدم ابنى ربيعة فى الطائف، وبحيرا كان ينزل أرض الشام، وهو غير عربى، فضلا عن قول الزهرى (وهو من أقدم كتاب السيرة) إنه "حبر من يهود تميم" كان يسكن تيماء (المغازى النبوية" لابن شهاب الزهرى/ تحقيق د. سهيل زكار/ دار الفكر بدمشق/ 1401هــ- 1981م/ 40، وهو ما نقله عنه النويرى فى "نهاية الأرب فى فنون الأدب"). وعلى هذا لم يكن بحيرا نصرانيا بل يهوديا. ثم إن النبى قد لقيه فى حضرة عمه أبى طالب، وكان ذلك بطلبٍ من بحيرا نفسه، وكان محمد قد ناهز الحُلُم حسب قول الزهرى، وإن كان النويرى قد حدد سنّه باثنتى عشرة سنة. وكل ما جرى هو أن بحيرا أبدى خوفه على النبى المنتظر من أذى يهود لو علموا أنه هو الذى بشرت به الكتب، وحذر عمه من المضى به أبعد من ذلك، فما كان منه إلا أن عاد به حفاظا على سلامته. ثم أليس من اللافت للنظر أن يفكر نساطرة فارس فى التودد إلى محمد، الذى لم يكن له سلطان إلا على العرب وحدهم، خارجين بذلك على إرادة عاهلهم كسرى دون أن يكون فى الأفق ما ينبئ بأن محمدا سيفتح فارس وتكون له السيادة فى الأرض وأن كسرى سيكون فى خبر "كان"؟ اللهم إلا إذا قلنا إنه كان يعرف من بشارات الكتب أنه هو النبى المنتظَر وأن الدنيا ستدين له!
بقيت كلمة مهمة، وهى أن السعردى من أهل القرن الثانى عشر الميلادى، أى أنه أتى بعد الهجرة بقرون عدة، أما صليبا بن يوحنان الموصلي فيزيد عليه بقرنين، إذ هو من أهل القرن الرابع عشر، فأين كانت هذه الحواديت والحكايات اللذيذة المسلية طوال تلك القرون؟ وقد يعطى القارئ فكرة عن قيمة مثل هذين الكتابين ما وجدته فى موقع "http://www.alitijahalakhar.com: كل الاتجاهات" لرشيد الخيون تحت عنوان "المذاهب والأديان في العراق: المسيحية والإسلام"، إذ أشار إلى رأى بعض المؤرخين فى هذين الكتابين وقيمتهما العلمية: "أما "تاريخ السعردى" (القرن الثاني عشر الميلادي) فيذكر أن رسول الجاثليق قد التقى أبا بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخذ من الأخير العهد لأهل دينه. ويذكر مؤرخ آخر يدعى صليبا بن يوحنان الموصلي (القرن الرابع عشر الميلادي)، في سياق تعرضه لسيرة الجاثليق ايشوعياب: "وفي أيامه... كان قد بدأ يظهر أمر العرب بني إسماعيل سنة خمس وثلاثين وتسعمائة للاسكندر، ولما كشف الله لهذا الأب ما يؤول إليه هذا الظهور من السلطان والملك والقوة وفتح البلاد جمع رأيه وسابق بعقله وحكمته إلى مكاتبة صاحب شريعتهم، وهو بعد غير متمكن، وانذره بما يصير إليه أمره من القوة، وسيّر ذلك له مع هدايا جميلة. فلما قوي أمره وتمكن عاد كاتبه وأخذ منه العهد والزمام لجميع النصارى في كافة البلدان التي يملك عليها هو وأصحابه من بعده، وأن يكونوا في حمايته آمنين على جاري عادتهم في إقامة الصلاة والبِيَع". يذهب الرأي، في حالة اختلاق هذه الروايات، إلى أن المؤرخين المسيحيين قد عمدوا إلى كتابة ذلك محاولة منهم للتخفيف من وطأة الجزية (ضريبة الرأس) والضغوط الأخرى عليهم، ومنها ما شرعه عمر بن الخطاب ونُسِب إلى عمر بن عبد العزيز أو بالعكس في شأن لباسهم وكنائسهم ومعاملتهم. فحسْب الأب أبونا تفسَّر كثرة العهود المحفوظة في الكنائس الشرقية بتذرع المسيحيون بعهود خيالية يستنبطونها للذود عن كيانهم والحفاظ على دينهم وتقاليدهم". هذا، ولا ينبغى أن ننسى أن القوم الذين يسخّمون الأوراق بهذا الكلام هم فى الواقع إما معاتيه وإما كذابون مدلسون. لقد طنطن أندراوس فى مقال آخر له بأن ألفرد بتلر المستشرق الإنجليزى وسميكة باشا مدير مصلحة الآثار بمصر فى ثلاثينات القرن الماضى قد شهدا بصحة طيران جبل المقطم، مع أن كل ما قاله بتلر فى كتابه عن الكنائس القبطية القديمة فى مصر: " The Ancient Coptic Churches of Egypt" هو أنها مجرد شائعات ترددها الأجيال دون تمحيص، كما وصفها هو نفسه مرارا بأنها أسطورة، وهو ما حرفه مترجم الكتاب الأمين المحترم واصفا إياها بأنها "قصة" بدلا من "أسطورة"، مع تجاهله لكلمة "شائعات"، وبالمثل أقر سميكة بأن القصة كلها ليست إلا خرافة من الخرافات وأنه لا يصدّق منها شيئا على الإطلاق، وكتب هذا فى "الأهرام" بتاريخ العشرين من أغسطس سنة 1931م.
ثم ماذا فى القرآن من عقائد نسطورس هذا، ربنا يحميه لأمه؟ إلى القارئ ما قالته "دائرة المعارف الكتابية" عن عقيدة نسطورس، الذى يدعى الكندى أن سرجيوس كان على مذهبه: "بدعة نسطوريوس بطريرك القسطنيطينة بين عامي 428- 431، في الصلة القائمة بين اللاهوت والناسوت في يسوع المسيح، فبدل أن يَنْسُب إلى أقنوم الكلمة المتجسّد الواحد الطبيعةَ الإلهيةَ والطبيعةَ البشريّةَ، وبالتالي خواصّ هاتين الطبيعتين وأعمالهما، قال بأنّ المسيح مكوّن من شخصين: شخص إلهيّ هو الكلمة، وشخص بشريّ هو يسوع. لم يكن هناك في نظره اتّحاد بين طبيعة بشريّة وأقنوم إلهيّ، بل مجرّد صلة بين شخص بشريّ واللاهوت. فكان يرفض كلّ مشاركة في الخواصّ ويأبى أن يطلق على مريم لقب "والدة الإله". ذلك بأنه حسب اعتقادهِ قد وَلَدَتِ الإنسان فقط. شجب مجمع أفسس في 431 مذهب النسطوريّة وثبّت في الوقت نفسه لقب "والدة الإله"، كما نفى نسطوريوسَ وأعلن هراطقةً جميعَ أتباعهِ. انتشرت البدعة النسطورية في بلاد فارس، الهند، الصين ومنغوليا، وذلك بتأسيس الكنيسة النسطوريّة". ثم إلى القارئ أيضا هذين المقالين الآخرين عن الرجل ونحلته أنقلهما من "الثيوبيديا: Theopedia ":  "Nestorius (c.386 – c.451) was Patriarch of Constantinople from 10 April 428 to 22 June 431. He received his clerical training as a pupil of Theodore of Mopsuestia in Antioch and gained a reputation for his sermons that led to his enthronement by Theodosius II as Patriarch following the death of Sisinius I in 428 A.D. Nestorius is considered to be the originator of the Christological heresy known as Nestorianism, which emerged when he began preaching against the new title Theotokos or Mother of God, beginning to be used of the Virgin Mary. His immediate antagonist was Cyril, bishop of Alexandria. Although Nestorius did deny theVirgin birth of Jesus, he did not in fact maintain the heresy which bears his name. "
"Nestorianism is basically the doctrine that Jesusexisted as two persons, the man Jesus and the divine Son of God, rather than as a unified person. This doctrine is identified withNestorius (c.386-451), Patriarch of Constantinople, although he himself denied holding this belief. This view of Christ was condemned at theCouncil of Ephesusin 431, and the conflict over this view led to the Nestorian schism, separating the Assyrian Church of the East from the Byzantine Church. The motivation for this view was an aversion to the idea that "God" suffered and died on the cross, be it the divinity itself, the Trinity, or one of the persons of the Trinity. Thus, they would say, Jesus the perfect man suffered and died, not the divine second person of the Trinity, for such is an impossible thought—hence the inference that two "persons" essentially inhabited the one body of Jesus. Nestorius himself argued against calling Mary the "Mother of God" (Theotokos) as the church was beginning to do. He held that Mary was the mother of Christ only in respect to His humanity. The council at Ephesus (431) accused Nestorius of the heresy of teaching "two persons" in Christ and insisted that Theotokos was an appropriate title for Mary. The problem with Nestorianism is that it threatens the atonement. If Jesus is two persons, then which one died on the cross? If it was the "human person" then the atonement is not of divine quality and thereby insufficient to cleanse us of our sins."
فهذه عقيدة نسطورس، وهى نفسها ما يقول به النصارى المثلثون، اللهم إلا فيما يتعلق بالصلة بين الناسوت واللاهوت فى المسيح: هل هما متحدان أو منفصلان؟ أما فيما عدا هذا فكلامه فى التثليث والخطيئة والصلب هو تقريبا ما يقوله سائر النصارى المثلثين، والقرآن (كما هو معروف) حملة مدمدمة على عقائد التثليث والخطيئة والموت على الصليب، والرهبانية فوق البيعة من أجل خاطر راهبنا سرجيوس، فكيف يقال إن محمدا قد تأثر خُطَا سرجيوس النسطورى؟ قد يقول الكندى إن القرآن فى البداية كان يتبع عقيدة سرجيوس أو نسطوريوس، ثم غُيِّر وبُدِّل. إلا أن هذا كلام من تعودوا على تحريف كتبهم، فهم يظنون أن المسلمين يسيرون على ذات الوتيرة. أيًّا ما يكن الحال، فأين القرآن القديم؟ أثمة نسخة ورقية منه يمكنكم أن تُرُوها لنا؟ أثمة قرص إليكترونى مصوَّر عليه ذلك القرآن؟ أتحت أيديكم شريط صوتى استطعتم أن تلتقطوه من الأثير يثبت أن القرآن الأول كان قرآنا نسطوريا يؤله المسيح ويقول بأنه صُلِب ومات على الصليب؟ أهناك رواية عن مسلم أو نصرانى أو يهودى أو وثنى أو عابد بقر أو حجر أو فرج أو ذكر تذكر شيئا من آيات ذلك الكتاب الأول؟ أم تراكم تظنون أن افتراءاتكم يمكن أن تقنع أىّ ذى عقل؟ لكن العلم، والحمد لله، لا يقبل مثل ذلك الأسلوب! أما ما يقوله عن التلاعب فى القرآن وعبث أبى بكر وعمر وعلى والحجاج فيه فهو كلام شخص بلغت به البلاهة أن يحسب الناس جميعا بُلْهًا مثله، فهو يخبص ويخبط ولا يبالى بشىء، وهذا صنيع من فقد عقله وحياءه معا! ترى أين القرآن الأصلى؟ لو كان الأمر كما يقول هذا الأحمق لاحتفظ كل حزب بما يدين الآخر. فهَبْ أن أبا بكر وعمر وعثمان قد تلاعبوا بالقرآن لمصلحتهم وللإساءة إلى حق على بن أبى طالب، فلماذا لم يُعِدْ علىٌّ الأمور إلى نصابها الأول؟ وإذا كان الأمويون قد تلاعبوا بالقرآن لمصلحتهم وللإساءة إلى العلويين، فهل كان هوى المسلمين جميعا مع الأمويين؟ يقينًا لقد كان هناك مَنْ هواهم مع خصومهم، فلماذا لم يأتونا بالنسخة الأصلية التى تخلو من التلاعب حذفًا وزيادة؟ ثم أين فى القرآن يا ترى تلك النصوص التى تحابى الأمويين إذا كانوا قد عبثوا بالقرآن؟ بل أين ذلك فى السيرة النبوية نفسها، وهى (كما نعرف) ليس لها شىء من القداسة التى للقرآن؟ ولقد جاء العباسيون بعد الأمويين، فلماذا لم يفضحوا ما صنعه الأمويون بالقرآن؟ وحتى لو قام الفريق المتلاعب بكتاب الله بالتخلص من النسخ المخالفة التى تحت يده، فكيف يتخيل متخيل أن من الممكن لأى شخص بالغة ما بلغت سطوته أن يتتبع جميع النسخ المخالفة لما يريد فيدمرها كلها فى أرجاء العالم الإسلامى نسخةً نسخةً، ويمحو فوق هذا ما كان محفوظا فى صدور الأفراد فردًا فردًا؟ لكننا ننظر فلا نجد إلا سورة يتيمة هى سورة "النورين" (أو "الولاية" فى رواية أخرى)، حاول فيها مدلسها فى عصر متأخر جدا أن يقلد القرآن الكريم. لكن على من؟ لقد وضعتُ هذه السورة المزيفة على محك التحليل الأسلوبى والمضمونى، فإذا ببصمات السورة تصرخ بملء فمها أنها ليست من القرآن فى شىء، وأن القرآن ليس منها فى شىء ولا حتى فى جملة واحدة. وبالمناسبة فعلماء الشيعة ينكرون أن يكون القرآن قد زِيدَ فيه أو نُقِصَ منه. وحتى لو اتهمهم متّهِمٌ بأنهم يمارسون التقية، فهذه حجة للقرآن لا عليه، لأن الشخص الصادق لا يلجأ إلى هذا السلاح الذى لا يليق إلا بالمتآمرين لا بأصحاب القضايا المستقيمة الواضحة، وبخاصة أن الشيعة اليوم فى أقصى درجات اطمئنانهم وثقتهم بأنفسهم، ولا داعى من ثم لاتخاذهم هذا الموقف المريب. وعلى كل فمن يُرِدْ أن يرى ما كتبناه فى هذا الموضوع يمكنه الرجوع إلى كتابى: "سورة النورين التى يزعم فريق من الشيعة أنها من القرآن- دراسة أسلوبية تحليلية" فى موقعى: "http://awad.phpnet.us". وحتى أزيد كلامى وضوحا أنبه إلى أن التاريخ قد احتفظ لنا بعدد غير قليل من الأناجيل المعتمَدة وغير المعتمَدة رغم كل الحظر الذى مارسته الكنائس على الأناجيل التى لا تعترف بها. بل إن بين الأناجيل الرسمية المقبولة عند الكنيسة كثيرا من الاختلافات. فكيف لم يحدث مثل هذا أو ذاك بالنسبة للقرآن الكريم ويصل إلينا قرآنات مختلفة بنفس الطريقة؟
وبمناسبة ما قاله الكلب الكندى عن التأثير النسطورى على رسول الإسلام أود أن أشير هنا إلى ما كان كتبه الكاتب الأمريكى واشنطن إرفنج فى كتابه: "Mahomet and His Successors" (طبعة:The University of Wisconsin Press, 1970, PP. 100- 101) من أن النجاشى لم يرجع المسلمين إلى قريش بل بسط عليهم ظل حمايته لأنه كان نسطوريا فلم يجد فيما قاله القرآن عن السيد المسيح ما يخالف عقيدته. وهو كلام لا معنى له كما بينت فى كتابى: "مصدر القرآن- دراسة فى شبهات المستشرقين والمبشرين حول الوحى المحمدى" (مكتبة زهراء الشرق/ 1417هـ- 1997م/ 28- 29 بالهامش)، وإلا فإذا كان ما يقوله إرفنج صحيحا فلم هاج القساوسة الأحباش فى المجلس الذى عقده ذلك العاهل الكريم للاستماع إلى عقيدة المسلمين اللاجئين إلى بلاده عندما أمّن على ما تَلَوْه عليه من قرآن؟ كما أن النساطرة، حسبما جاء فى معجم "Hook's Church Dictionary" يعتقدون أن المسيح شخصان أحدهما إلهى هو ابن الله، فأين هذا مما تلاه جعفر بن أبى طالب على النجاشى فى ذلك المجلس من آيات سورة "مريم" التى تنص على أنه "ابن مريم" وأنه "عبد الله" وأن الله قد جعله "نبيًّا"... إلخ؟ أما التفسير الصحيح فهو أن النجاشى قد أسلم، إذ وجد أن ما يقوله القرآن فى المسيح عليه السلام هو ما يتفق مع المنطق والعقل وما يجب لله سبحانه من توحيد وتنزيه عن الشريك والتجسيد. وقد أقر بإسلام النجاشى كل المستشرقين الذين كتبوا فى السيرة المحمدية، ومنهم على سبيل المثال الكاتبان الفرنسيان Dezobry & Bachelet، صاحبا معجم "Dictionnaire de Biographie, d'Histoire, des Antiquités et des Institutions"، فى المادة التى خصصاها لرسول الله صلى الله عليه وسلم (Librairie Ch. Delagrave, Paris, 1883, T. 2, P. 1683). بيد أن إرفنج لا يحب أن يذكر هذه الحقيقة، فلذلك يلجأ إلى هذا السلاح المفلول الذى يستعين به المبشرون الضيقو العَطَن والذين يسمحون لتعصبهم الأعمى أن يطغى على عقولهم وعلى ضمائرهم فيَكْذبون ويتهمون سيد الأنبياء بما يعلمون هم قبل غيرهم أنه عليه الصلاة والسلام منه براء! كذلك لو كان النساطرة قد وقفوا إلى جانب النبى فلم كل هذا الهجوم والسفالة من جانب هذا النسطورى الخنزير صاحب الرسالة التى بين أيدينا؟ ولم وقف النساطرة إلى جانب التتار وحرّضوهم على غزو العالم الإسلامى مستغلين نفوذهم فى البلاط التتارى فى هذا التحريض الذى كان من نتيجته أن اتجه الغزو المغولى إلى العالم العربى والإسلامى بدلا من اتجاهه إلى أوربا كما كان مخططا له أوّلاً حسبما هو معروف لدارسى التاريخ؟ (انظر محمد على الغتيت/ الغرب والشرق من الحروب الصليبية إلى حرب السويس/ مج 76/ 71- 74). ولقد وضعوا أيديهم فى أيدى النصارى الكاثوليك فى أوربا من أجل تحقيق هذا الهدف، وهو ما يدل على صدق ما قلناه قبلا من أنه لا فرق ذا بال بين النساطرة وسائر النصارى المثلثين، وأن كل ما زعمه هذا الخنزير هو كذب رخيص لا قيمة له فى دنيا العلم والتحقيق.
17- ونصل إلى دعوى ذلك الوغد بأن القرآن هو كلام الرسول، وهنا نذكر أن لى كتابا كبيرا من ستمائة صفحة بينتُ فيه بالدراسة الأسلوبية الإحصائية أن القرآن شىء، وأحاديث الرسول شىء آخر، وهذا الكتاب موجود بذات الموقع الذى أشرت إليه من قبل، وهو: "http://awad.phpnet.us". وهناك أيضا كتابى: "مصدر القرآن- دراسة المستشرقين والمبشرين حول الوحى المحمدى"، الذى ناقشت فيه كل النظريات التى يطرحها هذان الفريقان تفسيرا للوحى القرآنى من أنه عليه السلام كاذب مخادع، أو واهم مخدوع فى حقيقة أمره، أو مريض بمرض عصبى كالصرع والهلاوس والهستيريا. وتتبعت فوق ذلك كل الأشخاص الذين زعم المستشرقون والمبشرون المفترون الكذابون أنهم هم الذين علموا محمدا، فوجدت أنهم إما آمنوا به، أو إذا كانوا قد ماتوا قبل نزول الوحى على سيدنا رسول الله فقد آمن به أولادهم وأقاربهم. وحتى فى حالة أمية بن أبى الصلت وأبى عامر الراهب نجد أنه قد آمن بالرسول الكريم أخت أمية وأولاده وكل أفراد قبيلته، وحنظلة ابن أبى عامر، الذى عادى أباه أشد معاداة، واسْتُشْهِد فى معركة أحد، فى الوقت الذى وقف أبوه فيها إلى جانب المشركين وحفر الحُفَر لإيقاع خيول المسلمين أثناء القتال. ليس ذلك فقط، بل إن أحدا من هؤلاء الذين اتُّهِم محمد بأنه أخذ قرآنه منهم أو تعلم على أيديهم لم تُؤْثَر عنه أية كلمة يمكن أن يُفْهَم منها شىء من هذا. فكيف تواتى ذلك المخبولَ نفسُه للكلام بلسان من لم ينيبوه عنهم فى اتهام محمد بأنه أخذ القرآن منهم؟ هل أنابه نسطورس مثلا؟ طبعا لا، فما معنى ذلك إذن؟ كذلك حلّلتُ فى الكتاب المذكور المضمون القرآنى فوجدت أن الروح التى تسود القرآن لا يمكن أن تكون روحا بشرية، وقدّمت البراهين على ذلك. ثم إن النبوءات التى يتضمنها كتاب الله قد تحققت كلها، فضلا عن أن الإشارات العلمية التى تعرّض لها تنسجم مع المقطوع به من حقائق العلم بعد أن تقدم فى عصرنا هذا خطوات هائلة، وأن العقائد والأخلاق والتشريعات التى يدعو إليها تختلف مع ما فى الأديان الأخرى بما لا يمكن اتهامه معه بأنه أخذ دينه منها. وهذا الكتاب يقع فى نحو ثلاثمائة وخمسين صفحة، وهو متاح أيضا فى ذات الموقع السابق: "http://awad.phpnet.us". ثم إن المسألة لا تحتاج إلى كتابى هذا أو ذاك، فأى شخص يتمتع بشىء من الفهم والتمييز يستطيع فى التو واللحظة أن يقول بكل يقين إن القرآن وكلام الرسول شيئان مختلفان تمام الاختلاف فى الأسلوب والروح رغم اتفاقهما فى المضمون العقيدى والأخلاقى والتشريعى بطبيعة الحال. أما فى الروح والأسلوب فها هنا إله يتحدث، أما هناك فرسول يتكلم، ولا يمكن الخلط بين الكلامين إلا لمن فى قلبه مرض، ومثل هذا الشخص المريض القلب لا يقاس عليه ولا يؤخذ ما يقول مأخذ الجِدّ. يقول الكلب الكندى إن محمدا (الذى يصفه ذلك الكلب بــ"صاحبك الأعرابي الجِلْف") قد ضحك على البدو المتخلفين بأسجاعه التى سماها: "قرآنا". ونحن بدورنا نسأل: وكيف ضحك، يا كلب يا ابن الكلب، على الفُرْس الذين لم يكونوا بدوا متخلفين؟ أو على أهل الشام؟ أو المصريين؟ أو الترك؟ أو الهنود؟ أو الصينيين؟ أو الأندونيسيين؟ أو الأوربيين والأمريكان الذين يدخلون كل يوم فى عصرنا هذا فى دينه ويؤمنون بقرآنه؟ أو القساوسة والرهبان والأحبار الذين تركوا كتابهم المقدس كله إلى دينه وتوحيده على مدى كل تلك العصور؟ وهذا لو أن البدو قد آمنوا بسهولة كما يزعم الكلب! ذلك أن الذين آمنوا به فى أول الأمر إنما هم أهل مكة ثم أهل يثرب، وهؤلاء وأولئك حضريون لا بداة. فما رأى ذلك الكلب؟ ثم لو كان أتباع محمد عليه السلام بهذه السذاجة وذلك التغفيل على النحو الذى يزعمه ذلك المغفل الغبى أفكانوا يستطيعون فتح البلاد بامتداد الكرة الأرضية ويقيمون فى غضون بضعة عقود من السنين إمبراطورية عظيمة الشأن تشع بالعلم والأدب والإبداع الفكرى والأخوّة الإنسانية والتضامن الاجتماعى والنشاط الاقتصادى، وتحترم الأديان الأخرى وحرية معتنقيها، ولا تعرف ذلك النوع من التعصب الدينى المقيت الذى لا يطيق التعايش مع الآخر بل يسعى إلى القضاء عليه مما كان منتشرا بين النصارى أنفسهم آنذاك؟
18- ومن تنطع ذلك الكلب زعمه أنه اطلع على مصحف لمسيلمة الكذاب يضارع القرآن بل يتفوق عليه، وهذا كلامه بنصه: "وأشهد أني قرأت مصحفًا لمسيلمة لو ظهر لأصحابك لردَّ أكثرهم، إلا أنه لم يتهيأ لهؤلاء أنصارٌ مثلما تهيّأ لصاحبك". ولا أدرى عن أى مصحف يتحدث هذا الكذاب القرارى، أو كيف وصل إليه هو وحده ذلك المصحف دون خلق الله جميعا، ودون العرب بخاصة. أرأيت أيها القارئ الكريم كيف يلجأ هؤلاء الأوغاد إلى سلاح الكذب والافتراء؟ وهل ما بلغنا من كلام مسيلمة يسمى مصحفا؟ وهل حقٌّ أن ذلك الكلام لو كان وصل إلى أصحاب النبى لحوّلهم عن الإسلام؟ فقد وصلهم إذن هذا الكلام أيها الكذاب وعلق عليه أبو بكر متعجبا من سخفه بقوله لوفد أهل اليمامة إليه بعد إيقاع خالد بالمتنبئ الكذاب وقضائه عليه: ما كان يقول صاحبكم؟ قالوا: أَعْفِنا يا خليفة رسول الله؛. قال: لا بد أن تقولوا. قالوا: كان يقول: يا ضفدع، كم تنقين! لا الشراب تمنعين، ولا الماء تكدرين. لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكنْ قريش قوم لا يعدلون. فقال لهم أبو بكر: وحيكم! ما خرج هذا من إلٍّ ولا بِرّ، فأين ذُهِب بكم؟"، كما تهكم به الأحنف بن قيس قائلا إنه "ليس بنبى صادق ولا متنبئ حاذق"، وقال فيه ثمامة بن النعمان:
دعانا إلى ترك الديانة والهدى* مسيلمة الكذاب إذ جاء يسجعُ
فيا عجبا من معشرٍ قد تتابعوا* له في سبيل الغَيّ، والغي أشنعُ
وهذه مجرد أمثلة قليلة، وإلا فهناك غيرها كثيرٌ جِدُّ كثيرٍ، وهو ما يشى باحتقار المسلمين لمسيلمة و"مصحفه" احتقارا هائلا. ثم من يا ترى الذين قتلوا مسيلمة؟ أليسوا مسلمين سمعوا ما فى "مصحفه" فكفّروه وقتلوه، ولم يتأثروا به كما زعم الكندى الكذاب أنهم فاعلون لو سمعوه؟ ثم أليس ينبغى أن يكون قتله برهانا كافيا عند الكذاب النجس على أنه مدلس مثله كذاب وأنه من ثم من طينة غير الطينة التى منها محمد عليه السلام؟ أليس هذا هو المقياس الذى يقيس به الكلبُ النجسُ صدقَ الأنبياء أو كذبَهم؟ وأرجو ألا يضحك القراء من تسميتى هذا الكلام الخارج من دبر مسيلمة: "مصحفا"، فإنى إنما أجارى الوغد المداور وآخذه على قدر عقله التافه الصغير! ولقد كذّب مسيلمة نفسه وكذّب أيضا هذا الكذابَ الحقيرَ حين عرض على النبى أن يقتسما الأرض بينهما، بما يدل على أنه يعترف بنبوة النبى، وأن كل ما كان يريده هو اعتراف النبى به بدوره، وهو ما حَرَمه منه النبىُّ، لأنه نبى صادق، وليس مثل مسيلمة الكذاب يريد أن يكون نبيا والسلام! كما أن شريكته فى هذا الهراء، وهى النبية الكاذبة سجاح، قد تخلت عنه ورجعت إلى الإسلام، فكذّبت بذلك نفسها وشريكها الأحمق الذى أورد نفسه موارد التلف والهلاك فى الدنيا وموارد الجحيم فى الدار الآخرة! أوبعد ذلك كله ما زال الكندى الكذاب يقول إن عنده مصحفا لمسيلمة لو اطلع عليه أصحاب محمد لبدلهم تبديلا؟ ومع هذا فعندى شىء يمكن أن يستعمل فيه هذا الوغد مصحف مسيلمة ما دام لا يستطيع أن يضحك به على  أحد من المسلمين، ألا وهو أن يمسح فيه دبره بعد قضائه الحاجة بدلا من أن يترك الفضلات على حوافه كعادة أشباهه الأنتان، ثم يمسحه فى فمه القذر بعد ذلك حتى يزداد استمتاعا وابتهاجا، شأن أى خنزير قذر دنس يأكل الفضلات ويلعق العذرة!
وعلى أى حال لا بأس أن نرفه عن أنفسنا وعن القراء بإيراد قصة مسيلمة وسجاح، التى تنبأت كما تنبأ، ثم رجعت إلى رشدها وفاءت إلى الإسلام. قال أبو هلال العسكرى فى كتابه: "الأوائل": "أول امرأة نُبِّئَتْ سجاح بنت سويد بن خالد: أخبرنا أبو أحمد عن رجل نسيت اسمه قال: قال عمر بن بكير عن هشام بن الكلبي عن عوانة أو غيره قال: كان من حديث سجاح بنت سويد بن خالد بن أسامة بن العنبر بن يربوع التميمية، وتُكْنَى: أمّ صادر، وأخوها عتبان، وكانوا من بني تغلب، فلما قُبِض النبي صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر، وكانت الردة، نبئت سجاح وخرجت من بني تغلب، فتبعها أناس كثيرون من النمر بن قاسط وإياد، ومن بني تغلب الهذيل بن عمران، فخرجت تسير بهم إلى بلاد بني تميم، فلقيها بنو حنظلة فقالت: أنا امرأة منكم، والملك ملككم، وقد بُعِثْتُ نبية. قالوا: مُرِينا. قالت: إن رب السماء والتراب، يأمركم أن توجهوا الركاب، وتستعدوا للنهاب، ثم تغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب. فسارت بنو حنظلة إلى بني ضبة، وهم من الرباب، وسارت سجاح ومن معها من بني تغلب والنمر بن قاسط إلى حفر التيم، وعليه من الرباب بنو عدي وثور. فأما بنو حنظلة فلَقُوا بنى ضبة فهزمتهم، ولقيت سجاح ومن معها تيما وعديا وثورا فقاتلوهم قتالاً شديدًا. وجاءتهم وفود بني تغلب والنمر وإياد، وأرسلت بنو ضبة يطلبون إلى حنظلة أن يُودُوا قتلاهم ويصالحوهم، فقالت: لا تعجلوا على الرباب، فإنهم يحثّون نحوكم الصعاب. ثم قالت: عليكم باليمامة، فإنها دار إقامة، نلقى أبا ثمامة، فإن كان نبيا ففي النبي علامة، وإن كان كذوبا فله ولقومه الندامة، ولا يلحقكم بَعْدُ ملامة. فخرجوا نحوها، ومعها عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس بن زيد وعمرو بن أهثم والأقرع بن حابس وشبيب بن ربعي، وهو مؤذنها، فساروا حتى نزلوا الصمان. فبلغ ذلك مسيلمة الكذاب، وكان قد تنبأ، فتجسس أهل اليمامة لها، فقال مسيلمة: دعوني ورأيي. فأهدى لها وكتب إليها أن موعدنا يوم كذا نلتقي فيه ونتدارس. فإن كان الحق بيدك بايعناك، وإن كان في أيدينا بايعتنا. فخرجت في أربعين، فلما جلسوا أحصاهم ثم قال: ليقم من ها هنا عشرة، ومن ها هنا عشرة، ومن ها هنا عشرة، ومن ها هنا عشرة، حتى ننظر من صاحب الأمر. فقاموا، فقال مسيلمة لغلامه: عَثِّنْ لها لتذكر الباه (والعثان الدخان)، أي بَخِّرْ لها بشيء من الطيب. فقال مسيلمة: لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكن قريشا لا يعدلون. رحم الله من سمع، ومازال أمره في كل ما شاء مجتمع، وأطمع في الخير فطمع. أراكم الله محياكم، ومن رجزٍ خلاكم، ويوم القيامة نجّاكم. علينا صلوات من معشر أبرار، لا أشقياء ولا نجار، يصلون بالليل ويصومون بالنهار، ولربهم الكبار، رب النور والأمطار، ولما رأيت وجوههم حسنت، وأبشارهم صفت، وأيديهم انبسطت، النساءَ يأتون، والخمرَ يشربون. أنتم معشر الأبرار، سبحان ربي كيف يَحْيَوْن، وإلى رب السماء يَرقَوْن، لو أنها حبة من خردلة في جندلة لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور، أكثر الناس يومئذ المبثور. قالت: أشهد أنك نبي. وآمنتْ به، فقال: إنكن معشر النساء خُلِقْتُنّ لنا أفراجا، وخُلِقْنا لكم أزواجا، فإذا ملكناكن أرتجن لنا إرتاجا، فنولجه فيكن إيلاجا، فتخرجن أولادا إنتاجا. قالت: صدقت. ثم قال:
ألا قومي إلى البيت*  فقد هُيِّي لك المضجعْ
فإن شئتِ بثلثيه* وإن شئتِ به أجمع
وإن شئتِ سلقناك* وإن شئتِ على أربع
قالت: بذلك أُوحِيَ إليّ. قال: هل لك أن تزوجيني نفسك، فيكون الملك بيننا، ونخفف من عشيرتنا؟ قالت: نعم. فتزوجها وانطلق إلى اليمامة، وتركت الجمع الذي كان معها بالصمان، ورفع مسيلمة عن بني تميم صلاة الغداة والظهر والعشاء، وقال: إن بني تميم لقاح لا أتاوة عليهم (يعني الخراج). فعامة بني تميم لا يصلون هذه الصلوات إلى اليوم، فلم تزل عند مسيلمة إلى أن قُتِل، فهربت فلم توجد، ثم أسلمت فتزوجها رجل من قومها، فولدت له ثلاثة وماتت بالبصرة. قالوا: ولما وقع عليها مسيلمة خرجت إلى قومها وهي تَنْطُف عرقا. قالوا: ما عندك؟ قالت: وجدتُه أحق بالأمر مني فبايعته وزوجته نفسي. قالوا: ومثلك لا يتزوج بغير مهر؟ فقال مسيلمة: جعلت مهرها أن رفعتُ عنكم صلاة الغداة والعتمة، فقد أُوحِيَ إليّ بذلك. قالوا: وما هو؟ قال: ضفدع بنت ضفدعين رأسك في الماء ورجلك في الطين، لا ماء تكدرين، ولا شارب تنفضين، سجاح بنت الأكرمين، قومي ادخلي التيطون، فقد وضعنا عن قومك صلاة المعتمين، فرَضُوا. فلما عرف قومها حالها قال عطارد بن حاجب بن زرارة:
أضحت نبيتنا أنثى يطاف بها* وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا
فلعنة الله رب الناس كلهم* على سجاح ومن بالإفك أغوانا
أعني مسيلمة الكذاب لا سقيت*  أصداؤه غيث مزن حيثما كانا"
18- ومما يتعرض له الكندى الأحمق مسألة إعجاز القرآن، الذى يسخر من قوله تعالى بشأنه: "قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء/ 88)، والذى يروح فى مناقشته مناقشة نظرية ساذجة كتلك التى راح فيها عند كلامه عن ألوان الشرائع كما رأينا قبل قليل، إذ يقول: "فأخبِرْني، أصلحك الله، عن قول صاحبك: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (سورة الإسراء/ 88). أفتقول: أفصح ألفاظًا منه؟ فجوابنا لك في هذا: نعم. أفصح منه كلام اليونانية عند الروم، والزوبة عند أهل فارس، والسريانية عند أهل الرها والسريانيين، وعبرانية بيت المقدس عند العبرانيين، فإن كل لسان له كلام فصيح عند أهله من سائر الألسن، ولهم ألفاظ فصيحة يتخاطبون بها، وهي عندك كلها أعجمية. كما أن لسانك العربي الفصيح أعجمي عندهم. هذا إذا أطلقنا قولك إن كتابك أفصح ألفاظًا بالعربية، فصاحب فصاحة الألفاظ هو الذي لا يحتاج إلى استعارة ألفاظ غيره، ولا يستعين بها في خُطَبه وكلامه، بل يكون مستغنيًا بمعرفته وفصاحته عن لسان غيره. ونحن نرى صاحبك قد افتقر في كتابه إلى استعمال كلمات غيره، وهو القائل: إنا أنزلناه قرآنًا عربيًّا، ولكنه استعان من الفارسيّة بــ"الإستبرق وسندس وأباريق ونمارق"، ومن الحبشيّة "المشكاة" وهي الكُوّة، ومثل هذا كثير قد استعمله في كتابه، فنقول إن العربية ضاقت عليه فلم يكن فيها من الاتساع ما ألجأه إلى لسان غيره في هذه الأشياء، سيما وأنت ترى أنها مُنزَّلة من عند رب العالمين على يد جبريل الملك الأمين. فأنت تُوقِع النقص بالمرسِل أو بالرسول. فإن كان من عند صاحبك فوقع النقص به لأنه لم يكن يعرف هذه الأسماء بالعربية، فلذلك أعجزته. فهذه ألفاظ امرئ القيس وغيره من الشعراء والفصحاء المتقدمين والمتأخرين الذين لا يُحْصَى عددهم، وكلام الخطباء والبلغاء الذين كانوا قبل مجيء صاحبك أفصح ألفاظًا منه وأرقّ وأدقّ معان بإقراره لأهلها حيث حاجّوه فقطعوه فقال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (سورة الزخرف/ 58) لأنهم خصموه فكانوا خصمًا بأصحّ حجة، وكانوا أبلغ في الخطابة منه، وهو القائل إن من البيان لسحرًا. فلا يخلو إذًا أمر هذا الكتاب مما وُضِع فيه من الألفاظ الأعجمية من أن يكون قد ضاق على صاحبك اللسان العربي، مع علمنا أن لساننا العربي أوسع الألسن كلها. أو أن يكون قد أُدْخِلَتْ فيه الزيادة من قوم آخرين، كما ذكرنا لك في أصل خبره، وأن الأيادي الكثيرة قد تداولته. فأخبرني أيّ القولين أحببت، فإنه لا محيص لك من أن تقول بأحدهما، وأنت عارف بنتيجة ذلك إذا قلتَه. فإن قلتَ إنهم لا يقدرون أن يأتوا بمثل تنضيده وترصيعه، قلنا لك إن تنضيد الشعراء لشعرهم ووزنهم له الوزن الصحيح الذي هو أصعب وأدق معنى، واختيار الألفاظ النقية الصافية العربية الخالصة مع اتساق المعنى الحسن أكمل في الأحكام وأصح في الصنعة، لأن كتابك كله سجعٌ منكسر وكلام مختلف وتكبير معانٍ لا معنى لها. فإن قلتَ: بل هو أصح معاني، سألناك: أي معنى جديد ظفرت به فيه نتعلمه منك؟ وأي معنى صحيح وجدته فيه، فأوقفنا عليه! وأي خبرٍ لم نسمعه على غاية التمام والكمال من الشرح والصحة في الكتب المتقدمة، أَفِدْنا منه".
وردنا على ذلك كله يتلخص فى كلمة واحدة هى أن القرآن لا مثيل له فعلا فى تحريك الهمم الخامدة وإحيائه النفوس الميتة، فها هم أولاء العرب بعد أن جاءهم القرآن وآمنوا به قد تغيروا من حال إلى حال أخرى غير التى كانوا عليها، فأَضْحَوْا سادة وأصحاب إمبراطورية فى غضون عدة عقود من السنين قلائل بعد أن كانوا أمة متخلفة فى كل مناحى الحياة، وهو ما لم يحدث من قبل ولا من بعد. وهم حين فعلوا ذلك لم يفعلوه فى مواجهة أمم متخلفة مثلهم بَلْهَ أقلَّ منهم، بل مع أمم ذات حضارة وتاريخ وعلوم ونظام إدراى وعسكرى وسياسى ليس لهم منه قليل ولا كثير، وأكثر عددًا وأقوى عُدّةً منهم بما لا يقاس. وما زال دينهم قائما فى نفوس أهل تلك البلاد حتى الآن، وكذلك لغتهم وتاريخهم. بل إن من أهل تلك البلاد من تفوق على العرب الأصلاء فى معرفة العربية والإبداع بها، وفى دراسة الإسلام والتعمق فيه. فهذا ما لم يستطعه كتاب آخر قبل القرآن ولا بعد القرآن، وهذا هو إعجازه أولا وقبل كل شىء. أما قوله إن العرب قد خَصَموا النبى، أى انتصروا عليه، فلا أدرى كيف تواتى هذا الكذابَ نفسُه لقول ذلك، والعرب جميعا قد انتهى أمرهم معه عليه الصلاة والسلام بالخضوع التام له بعقولهم وقلوبهم وضمائرهم، وفى عاداتهم وتقاليدهم وسلوكهم وأذواقهم، بما يعنى أنه هو الذى انتصر عليهم كلهم. أما كلام صاحبنا فلا معنى له إلا أن الرسول عندما مات قد مات معه دينه لفشله فى أن يقنع قومه بنبوته، وهذا لا يقول به إلا رقيع سخيف العقل! والعجيب أنه قال قبل هذا إنه عليه السلام قد ضحك على العرب وأقنعهم بنبوته لأنهم قوم سذَّج، فلماذا عاد فقال إنهم قد خصموه، أى حاجوه وهزموه ولم يقتنعوا بدينه؟ إنه هنا يذكرنى بطه حسين، الذى رفض الشعر الجاهلى وأنكر صحته لأنه لا يعكس الرقى العقلى الذى يشير إليه القرآن حسب زعمه حين وصفهم بأنهم قوم خَصِمون، ثم حين أراد أن ينكر الخطابة الجاهلية أيضا لجأ إلى حجة مضادة قائلا إنهم كانوا من التخلف الفكرى بحيث لا يمكنهم الخطابة. فهذا من هذا، وهو ما يدل على أن أعداء محمد ينزعون عن قوس واحدة! ثم إن الخَصِم لا يعنى من ينتصر عليك بالحجة والفصاحة، بل من يظل يجادلك ولا يقبل التسليم برأى غير الذى يراه مهما تتابعت البراهين على سخف ما يرى وحماقة ما يقول. كما أن كلمة "قومٌ خَصِمون" إنما يراد بها هنا سفلة العرب ومتعصبتهم غلف القلوب، وإلا فلدينا علىٌّ وزيدٌ وأُبَىٌّ وسعدُ بن أبى وقاص وسعدُ بن معاذ وأبو موسى الأشعرى وحمزةُ وسعيدُ بن زيد وأبو بكر وعمرُ وعثمانُ وخالدٌ وعمرُو بن العاص وخديجةُ وعائشةُ وحفصةُ وزينبُ وأم رومان... إلخ إن كان لهذا من آخر! ثم إن وصفه تعالى لهؤلاء الكفار المتصلبى شرايين الذهن والقلب بأنهم "قوم خصمون" هو نفسه ما تكرر مرارا فى الكتاب المقدس منسوبا إلى الله عز وجل من أن بنى إسرائيل "شعبٌ صُلْبُ الرقبة". فهل نقول كما قال الغبى المتخلف إن بنى إسرائيل أفصح منه سبحانه وأبرع فى الحجة وأصدق؟ أم ماذا؟ أَجِبْ يا عقل العصفور، أَجِبْ! كذلك ينبغى، بناء على هذا، أن نقول إن اليهود قد أحرزوا انتصارًا ساحقًا مستحَقًّا على المسيح عند محاكمته وصلبه، ومن ثم فهو يستأهل ما جرى له لأن حجتهم هى التى انتصرت واكتسحت! أليس كذلك أيها الخنزير النجس؟ ألم تسمع بذلك القول الحكيم: "حاججتُ عاملا فغلبته، وحاججتُ جاهلا فغلبنى"؟
وأما أن فى القرآن ألفاظا أجنبية رغم قول القرآن عن نفسه إنه نزل بلسان عربى مبين، فهو كلام يدل على جهل لا يليق بصاحبه أن يتصدى لمثل تلك القضايا. ذلك أنه ما من لغة فى الدنيا إلا وفيها ألفاظ من لغات شتى، فلماذا تشذ العربية عن ذلك؟ وهذه الألفاظ التى أخذتها كل لغة عن غيرها لا تنفى عنها صبغتها القومية، وإلا ما صح أن نقول: لغة إنجليزية، أو فرنسية، أو عبرية، أو فارسية... إلخ لأن فى كل من الإنجليزية والفرنسية والفارسية والعبرية ألفاظا من لغات كثيرة منها العربية. والدليل على ما نقول فيما يخص القرآن هو أن تلك الكلمات موجودة فى العربية قبل ذلك، ومع هذا كان اسمها "اللغة العربية"، فبأى سبب يريد هذا الحمار أن ينفى عنها العروبية بعد مجىء الإسلام؟ والواقع أن تحديد هوية العربية لا يعتمد على الألفاظ وحدها، بل يعتمد قبل هذا على الاتساع الهائل فى معجمها اللفظى وكثرة مترادفاتها وخضوع صيغ كلماتها لقوانين دقيقة والمرونة العجيبة فى تركيب جملها وعبقرية نظامها الإعرابى وحلاوة أسجاعها وجناساتها وتورياتها وموازناتها وسهولة استحداث كلماتها الجديدة اشتقاقا أو نحتا أو ترجمة أو تعريبا وحرصها على سلاسة ألفاظها بحيث لا يتجاور حرفان متنافران أو تبدأ الكلمة بساكن أو يتتابع ساكنان مثلا، فضلا عن كثرة اللغات الأجنبية التى استعارت من ألفاظها الكثير الكثير كالفارسية والتركية والأوردية والسواحلية والإسبانية والمالطية وقلة الألفاظ الأجنبية التى تتضمنها نظرا لميل أهلها إلى ترجمة المستعار الأجنبى، أو على الأقل تعريبه، أى إعطائه شكلا عربيا كـــ"تلفاز" بدلا من "تليفزيون" مثلا. أما الاستعانة بألفاظ أعجمية فهو أمر طبيعى حين يدل هذا اللفظ على حيوان أو نبات أو فاكهة لا تعرفها البيئة العربية كحيوان "الرَّنّة" مثلا أو فاكهة "الباباظ" أو ثمرة "الأفوكادو"، أو اختراع سُبِق العرب إليه كــ"الأوتوموبيل"، الذى سرعان ما زال وأخلى مكانه لـ"السيارة"، و"الموتور"، الذى نسميه الآن: "المحرك"، و"الوابور"، الذى نقول عنه منذ وقت جد بعيد: "القطار"... وهكذا. والآن ألا يرى القارئ مدى العناد والغباء لدى هذا المسكين؟ ثم إن العرب لم يستعجم عليهم شىء فى القرآن، وإلا فكيف تجاوبوا معه وآمنوا به وجاهدوا فى سبيله وحفظوه وصانوه فى بؤبؤ عيونهم وشغاف قلوبهم؟ أما ادعاؤه بأن الشعر أفصح من القرآن فلا رد عليه أنجع من أن نقول إن الشعراء جميعا قد آمنوا بمحمد، ولم يؤمن محمد بالشعراء، وكانوا كلهم فى خدمته ينافحون عن دعوته ويجلّونه ويبجلونه ويهجمون على أعدائه يمزقونهم بألسنتهم تمزيقا. وليس هناك كتاب فى الدنيا قد أثار العقول وأنارها كما صنع القرآن، ووُضِعَت حوله الدراسات كما وُضِعت الدراسات حول القرآن، وكان سببا فى ظهور علوم كثيرة كما كان القرآن. فما قول الغبى الأحمق فى هذا؟ ثم إننا نقرأ شعر الشعراء ونثر الناثرين، ونقرأ القرآن فنشعر أن هذا القرآن هو من عند الله، ولا نحس بشىء من ذلك فى قراءتنا للشعر. ثم كيف يسوّى ذلك الكائن الحقير بين القرآن فى جلاله ونبل مبادئه وسمو معانيه وعظمة تشريعاته وبين غزل المتعزلين وعهر العاهرين وهجاء الهجائين وفحش السكيرين وفخر الفاخرين ووصف البقر والجمل والحصان والأطلال عند الوصّافين؟ ويبقى قوله إن القرآن قد زيد فيه ونُقِص، ولن أتعب قلبى فى تفنيد هذا الغثاء بأزيد من التنبيه إلى حقيقة تفقأ عين كل مكابر وتشرم دبر كل منحط جاهل، وهى أن القرآن من أوله إلى آخره ماء واحد ليس بين بعضه وبعض أى تفاوت سواء من ناحية فخامة الأسلوب وجلاله أو من ناحية ألفاظه وتراكيبه وعباراته وصُوَره وإيقاعه أو من ناحية الروح الذى يرفرف عليه أو من ناحية موضوعاته ومضامينه. وأخيرا يقول الوغد الزنيم إنه لو كان قد قُدِّر لمسيلمة وطلحة وسائر الأنبياء الكذابين أصحاب كالذين أتيحوا لمحمد لكانوا قد نجحوا مثله. والسؤال: ولماذا لم يتح لهم ما أتيح لرسولنا الكريم؟ السبب ببساطة هو أنه نبى عبقرى، أما هم فأشباه رجال حقراء مثلك! أفهمت أيها الكافر اللئيم؟ والواقع أن كل ذلك العناد الكافر مبعثه أن محمدا عليه الصلاة والسلام قد أراد للبشر أن يفكروا بعقولهم وأن يخلعوا عن عقائدهم بشاعة الوثنية وأن يُخْلِصوا إيمانهم لله وحده فلا يشركوا معه واحدا من عباده المتبولين الخارئين؟ أرجو أن يرى القارئ مدى تهافت المنطق عند ذلك الكائن الرذيل! ألا لعنة الله على كل كفار زنيم!
19- وهنا نراه وقد ركبته الجلالة واندمج فى الدور فأخذ يعطينا دروسا فى التوحيد، وهو الوثنى المرتكس، فقال: "وأما قولك إنه مكتوب على العرش: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" فلقد كثُر تعجُّبي منك. كيف أمكن أن تتصور مثل هذا أنه صحيح حتى ترويه وتكتب به إلى مثلي من أهل اليقين وصحة الانتقاد، لأنك في حكمتك لم تترك شيئًا لليهود الذين يحدّون الله ربَّهم أنه جالس على عرشٍ محدود، فلم ترض أن أجلسته على عرش محدود حتى تكتب على العرش اسمه واسم آخِرِ من خَلْقه". وقبل أن أذكر رأى أهل الحديث فى ذلك الحديث أود أن أقف بالقارئ قليلا أمام الحُمَّى التى أصابت صاحبنا عند ذكر تجسُّد الله، وكأنه من أهل التوحيد والتجريد، وليس يعبد عبدا يأكل ويشرب ويبول ويخرأ ويمرض ويقلق وينفعل ويشتم ويتفوه بألفاظ مسيئة، ثم يقول عنه إنه الله متجسدا. وعجيب أن يسخر من اليهود، وهو أشد منهم إغراقا فى التجسيد! ثم إن هذا الحديث ليس بالحديث الصحيح، بل حدد العلماء درجته بأنه "كذب موضوع". ومن ثم فلا داعى لكل تلك الضجة التى لو صح الحديث مع ذلك لما كان ثمة داع لإحداثها، لأن ما فى دين الوغد من التجسيد يربو ملايين المرات على ما فى ذلك الحديث، إن كان فيه تجسيد حقا، ولم يكن الكلام فيه رمزيا استعاريا كما هو الحال فى كثير من العبارات المشابهة كما يعرف كل من له أدنى مُسْكة من عقل! 
20- ثم ينتقل بكلامه إلى موضوعات أخرى منها غسل الأيدى من أجل الصلاة الذى يسخر به ويتهكم مؤكدا أنه لا قيمة له، إذ العبرة بطهارة القلب كما فى النص الإنجيلى الذى استشهد به، وهو ما يذكرنا بكلام العوام عندنا من أن "ربك رب قلوب"، يعنون أنه لا تهمّ الصلاة ولا الصيام ولا الحج، بل المهم أن يكون الإنسان مؤمنا بالله، مع أن الصلاة والصيام والحج هى بعض من أدلة ذلك الإيمان، وإلا فكيف يكون إيمان بالله فى الوقت الذى لا يريد مُدَّعُو ذلك الإيمان أن يؤدوا الصلاة أو الصيام أو الحج له سبحانه طبقا لما أمرنا به عز وجل؟ ثم ما حكاية أن الذى ينجّس حقا ليس ما يدخل الفم والبطن، بل ما يخرج منه؟ مرة أخرى هذا الكلام هو بكلام العوام وأفكارهم أشبه، لأن الشخص الذى لا يغسل يديه قبل الطعام يكون عرضة للإصابة بالمرض تبعا لطبيعة الجرثومة أو المكروب أو الفيروس الذى يلوثهما. وكنت أتوقع أن يشدد المسيح على هذا المعنى لتجنيب البشر أمراضا كثيرة، لكن ذلك الكلام المنسوب له صلى الله عليه وسلم قد خيب أملى وظنى تخييبا شديدا، ولا أظن أبدا أن الله سبحانه يمكن أن يكلف رسولا من رسله بإشاعة مثل هذا التوجه ولا ذلك الفهم بين العباد، وإلا كانت فضيحة أن يكون الإله عديم الوعى الصحى إلى هذا الحد المخزى! وقد قال المسيح ذلك طبقا لمؤلفى الأناجيل حين رأى اليهود يهتمون بغسل الأيدى قبل تناول الطعام ونبهوه إلى أنه ينبغى عليه حذو ما يفعلون. ولا يصح أن تحملنا كراهيتنا للنفاق اليهودى عند الفريسيين على العناد ورفض النظافة وغسل الأيدى من جذورها. ذلك أن نفاق الفريسيين شىء، والحرص على النظافة شىء آخر. وحتى لو كان اهتمامهم بالنظافة مبعثه التمسك الشكلى بالطقوس لقد كان أحجى بالمسيح أن يرفض نفاقهم، ولكن مع الحرص فى ذات الوقت على الاهتمام بالنظافة رغم ذلك، إذ ليس هناك أدنى تعارض بين الأمرين. كذلك يضحكنا فى الكلام المنسوب للمسيح صلى الله عليه وسلم قوله إن التبول والتبرز يطهر الإنسان من نجاسة اللحم الممنوع، إذ ما علاقة هذا بذاك؟ واضح أن من كتب هذا الكلام كان يتصور أن الأكل إنما يمر من الفم إلى البطن إلى الخارج دون أن يعرج فى طريقه على مكان آخر، وهى فكرة خاطئة تماما، إذ الطعام لا يخرج إلى الخلاء إلا بعد أن تكون عناصره الغذائية قد امْتُصَّتْ فى الدم وخالطته وأصبحت بعد هذا جزءا لا يتجزأ من الجسم. ثم إن معظم ما عدّه المسيح (طبقا لما نسبه له مؤلفو الأناجيل) "أفكارا" ليس من الأفكار فى شىء. ترى هل الزنا فكرة؟ هل السرقة فكرة؟ هل القتل فكرة؟ إن كل شىء من هذا إنما هو سلوك لا فكرة. كما أن الأفكار من قبيل الكبر والطمع والعهارة وما إلى ذلك، إن عددناها أفكارا، إنما تأتى من الخارج وتغزو الداخل. ذلك أن الشهوة مثلا إنما تثور فى النفس حين يرى الإنسان امرأةً فاتنةً مِغْنَاجًا، والكِبْر إنما يصيب القلب عندما يجد الشخص أمامه ناسا ضعفاء أذلاء جبناء يغرونه بالتجبر بمنصبه أو ماله عليهم. لهذا ولذاك فإننا لا نوافق على ما يقوله النص التالى: "لَمَّا دَخَلَ مِنْ عِنْدِ الْجَمْعِ إِلَى الْبَيْتِ، سَأَلَهُ تَلامِيذُهُ عَنِ الْمَثَلِ. فَقَالَ لَهُمْ: أَفَأَنْتُمْ أَيْضًا هكَذَا غَيْرُ فَاهِمِينَ؟ أَمَا تَفْهَمُونَ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الإنْسَانَ مِنْ خَارِجٍ لا يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ، لأنَّهُ لا يَدْخُلُ إِلَى قَلْبِهِ بَلْ إِلَى الْجَوْفِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الْخَلاءِ، وَذلِكَ يُطَهِّرُ كُلَّ الأَطْعِمَةِ . ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسَانِ ذلِكَ يُنَجِّسُ الإنْسَانَ. لأنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، تَخْرُجُ الأفْكَارُ الشِّرِّيرَةُ: زِنىً، فِسْقٌ، قَتْلٌ، سِرْقَةٌ، طَمَعٌ، خُبْثٌ، مَكْرٌ، عَهَارَةٌ، عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ، تَجْدِيفٌ، كِبْرِيَاءُ، جَهْلٌ. جَمِيعُ هذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإنْسَانَ". أما وصف الوقح صلاة الإسلام بأنها مظاهر مبهرجة، فأين ذلك، وصلاة المسلمين هى أبسط الصلوات، فلا موسيقى ولا طقوس غريبة ولا أسرار ولا وثنيات ولا عبادة للبشر ولا ضرورة لأن يقودها رجل دين أصلا؟ إنه لم يجد فى الورد عيبا فقال له: يا أحمر الخدّين!
21- وفى هذا السياق يؤكد صاحبنا أن "السبب في تحريم الخنزير والجمل وغيرهما على بني إسرائيل... أنهم عندما كانوا مقيمين بمصر كان المصريون يعبدون الأصنام التي تشبه الثيران والبقر والكِبَاش وسائر الغنم. ألا ترى كيف قال موسى لفرعون: لا يجوز أن نقرّب لله قرابين تُجَاه المصريين، لأننا نريد أن نقرِّب القرابين التي يعبدونها، فإذا فعلنا ذلك أمامهم يرجموننا إذا قربنا آلهتهم وذبحناها؟ ودليل آخر: أن موسى لما أقام في طُور سيناء طلب بنو إسرائيل من هارون أخيه أن يصنع لهم عِجْلاً يعبدونه لأن موسى أبطأ عليهم، فصنع لهم صنمًا على صورة العجل على منهاج ما كانوا يَرَوْنَ من عبادة أهل مصر". هذا ما ذكره شبيه الرجال، ولكن من قال إن سبب تحريم الخنزير والجمل على بنى إسرائيل هو أنه، أثناء إقامتهم بمصر، "كان المصريون يعبدون الأصنام التي تشبه الثيران والبقر والكباش وسائر الغنم"؟ أرجو أن يأتينا ذلك البكاش (أو من ينشرون تدليساته هذه فى المواقع المشباكية) من العهد القديم بهذا التفسير المضحك الذى لو كان هو التفسير الصحيح لحرّم الله لحوم جميع الحيوانات التى يعبدها المصريون ولقال إنها إنما حُرِّمت لهذا السبب. بل إنه سبحانه، رغم صنع هارون العجل وعبادة بنى إسرائيل له، لم يحرم أكله، فى الوقت الذى حرم الخنزير والجمل رغم عدم عبادة المصريين ولا بنى إسرائيل له، وهو ما يدل على أن الكندى يكذب ويدلّس ويقول أى كلام، والسلام.
وهذا هو ما جاء فى سفر "الخروج" خاصا بذلك الموضوع بدءا من الإصحاح الثامن: "25فَدَعَا فِرْعَوْنُ مُوسَى وَهَارُونَ وَقَالَ: «اذْهَبُوا اذْبَحُوا لإِلهِكُمْ فِي هذِهِ الأَرْضِ». 26فَقَالَ مُوسَى: «لاَ يَصْلَحُ أَنْ نَفْعَلَ هكَذَا، لأَنَّنَا إِنَّمَا نَذْبَحُ رِجْسَ الْمِصْرِيِّينَ لِلرَّبِّ إِلهِنَا. إِنْ ذَبَحْنَا رِجْسَ الْمِصْرِيِّينَ أَمَامَ عُيُونِهِمْ أَفَلاَ يَرْجُمُونَنَا؟ 27نَذْهَبُ سَفَرَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْبَرِّيَّةِ وَنَذْبَحُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا كَمَا يَقُولُ لَنَا». 28فَقَالَ فِرْعَوْنُ: «أَنَا أُطْلِقُكُمْ لِتَذْبَحُوا لِلرَّبِّ إِلهِكُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَلكِنْ لاَ تَذْهَبُوا بَعِيدًا. صَلِّيَا لأَجْلِي». 29فَقَالَ مُوسَى: «هَا أَنَا أَخْرُجُ مِنْ لَدُنْكَ وَأُصَلِّي إِلَى الرَّبِّ، فَتَرْتَفِعُ الذُّبَّانُ عَنْ فِرْعَوْنَ وَعَبِيدِهِ وَشَعْبِهِ غَدًا. وَلكِنْ لاَ يَعُدْ فِرْعَوْنُ يُخَاتِلُ حَتَّى لاَ يُطْلِقَ الشَّعْبَ لِيَذْبَحَ لِلرَّبِّ».30فَخَرَجَ مُوسَى مِنْ لَدُنْ فِرْعَوْنَ وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ. 31فَفَعَلَ الرَّبُّ كَقَوْلِ مُوسَى، فَارْتَفَعَ الذُّبَّانُ عَنْ فِرْعَوْنَ وَعَبِيدِهِ وَشَعْبِهِ. لَمْ تَبْقَ وَاحِدَةٌ. 32وَلكِنْ أَغْلَظَ فِرْعَوْنُ قَلْبَهُ هذِهِ الْمَرَّةَ أَيْضًا فَلَمْ يُطْلِقِ الشَّعْبَ..."، فأين كلام مؤلفى سفر "الخروج" عن عبادة المصريين للخنزير والجمل؟ إن الكلام إنما هو عن العجل، فهذا هو رجس المصريين. وحتى لو افترضنا أن ما قاله الكندى الكذاب صحيح، لقد كان المنطقى أن يأمر الله بنى إسرائيل أمرا صارما (على الأقل بعد أن تركوا مصر ولم يعودوا يتعرضون لأذى المصريين بسبب ذلك) أن يذبحوا هذه الحيوانات وأن يأكلوها كى يقر فى أذهانهم وقلوبهم وضمائرهم أنها ليست آلهة، بل مجرد حيوانات تُذْبَح وتُؤْكَل. ثم لو افترضنا مرة أخرى أن تحريم الخنزير والجمل راجع لعبادة المصريين لهذين الحيوانين، لقد كان المنتظر والمنطقى أن يمتد التحريم لسائر الحيوانات المعبودة لديهم حسبما قلنا. لكن شيئا من هذا لم يحدث، كما أن الخنزير والجمل لم يكونا من تلك الحيوانات المعبودة فى مصر كما سلف القول. وفوق ذلك لقد كان المنطقى، طبقا لذلك التفكير السخيف المتهافت، أن يتم تحريم الخنزير والجمل فى مصر خوفا أن يثير ذبحهما ثائرة المصريين رغم سماح الفرعون لبنى إسرائيل بذبح رجس المصريين، بيد أننا نفاجأ بأنه إنما تم فى شبه جزيرة سيناء بعد أن ترك بنو إسرائيل مصر ونجاهم الله من أيدى فرعون مصر. ليس ذلك فقط، بل لا بد أن نضيف أن خوف الإسرائيليين من ذبح رجس المصريين (الذى لم يكن من بينه الخنزير والجمل كما قلنا) إنما كان مقتصرا على ذبحه قربانا لله لا لأكله. ثم لو كان تحريم الخنزير يرجع للسبب المضحك الذى ذكره الكندى، فلماذا يا ترى لم يُحِلّ المسيحُ لَحْمَه؟ إن الذى أحلّه إنما هو بولس نزولا على ذوق الوثنيين وشهواتهم كيلا يخسرهم، فأباحه حتى يغريهم بالدخول فى النصرانية، التى كانت تقدم التنازل تلو التنازل على يديه مما أبعدها عن الدعوة التى دعا بها عيسى عليه السلام.
وعلى أية حال هذا هو النص الخاص بتحريم لحم الإبل والخنزير وغيرهما من الحيوانات فى شريعة موسى، ومنه يتبين أنه لا علاقة لتحريمه بديانة المصريين البتة خلافا لما يزعم الكندى المدلِّس، وبخاصة أنهما إنما حُرِّما بعد خروج موسى وقومه من مصر حسبما أشرنا آنفا: "1وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلاً لَهُمَا: 2«كَلِّمَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلَيْنِ: هذِهِ هِيَ الْحَيَوَانَاتُ الَّتِي تَأْكُلُونَهَا مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ: 3كُلُّ مَا شَقَّ ظِلْفًا وَقَسَمَهُ ظِلْفَيْنِ، وَيَجْتَرُّ مِنَ الْبَهَائِمِ، فَإِيَّاهُ تَأْكُلُونَ. 4إِلاَّ هذِهِ فَلاَ تَأْكُلُوهَا مِمَّا يَجْتَرُّ وَمِمَّا يَشُقُّ الظِّلْفَ: الْجَمَلَ، لأَنَّهُ يَجْتَرُّ لكِنَّهُ لاَ يَشُقُّ ظِلْفًا، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. 5وَالْوَبْرَ، لأَنَّهُ يَجْتَرُّ لكِنَّهُ لاَ يَشُقُّ ظِلْفًا، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. 6وَالأَرْنَبَ، لأَنَّهُ يَجْتَرُّ لكِنَّهُ لاَ يَشُقُّ ظِلْفًا، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. 7وَالْخِنْزِيرَ، لأَنَّهُ يَشُقُّ ظِلْفًا وَيَقْسِمُهُ ظِلْفَيْنِ، لكِنَّهُ لاَ يَجْتَرُّ، فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. 8مِنْ لَحْمِهَا لاَ تَأْكُلُوا وَجُثَثَهَا لاَ تَلْمِسُوا. إِنَّهَا نَجِسَةٌ لَكُمْ" (لاويين/ 12)، وهو نفسه ما جاء فى الإصحاح الرابع عشر من سفر "التثنية": "3لاَ تَأْكُلْ رِجْسًا مَّا. 4هذِهِ هِيَ الْبَهَائِمُ الَّتِي تَأْكُلُونَهَا: الْبَقَرُ وَالضَّأْنُ وَالْمَعْزُ 5وَالإِيَّلُ وَالظَّبْيُ وَالْيَحْمُورُ وَالْوَعْلُ وَالرِّئْمُ وَالثَّيْتَلُ وَالْمَهَاةُ. 6وَكُلُّ بَهِيمَةٍ مِنَ الْبَهَائِمِ تَشُقُّ ظِلْفًا وَتَقْسِمُهُ ظِلْفَيْنِ وَتَجْتَرُّ فَإِيَّاهَا تَأْكُلُونَ. 7إِلاَّ هذِهِ فَلاَ تَأْكُلُوهَا، مِمَّا يَجْتَرُّ وَمِمَّا يَشُقُّ الظِّلْفَ الْمُنْقَسِمَ: الْجَمَلُ وَالأَرْنَبُ وَالْوَبْرُ، لأَنَّهَا تَجْتَرُّ لكِنَّهَا لاَ تَشُقُّ ظِلْفًا، فَهِيَ نَجِسَةٌ لَكُمْ. 8وَالْخِنْزِيرُ لأَنَّهُ يَشُقُّ الظِّلْفَ لكِنَّهُ لاَ يَجْتَرُّ فَهُوَ نَجِسٌ لَكُمْ. فَمِنْ لَحْمِهَا لاَ تَأْكُلُوا وَجُثَثَهَا لاَ تَلْمِسُوا". وعبثا نبحث فى هذين النصين عن شىء يربط بين تحريم الإبل والخنزير وبين عبادات المصريين، إذ لا يوجد فيهما ولا فى غيرهما من نصوص العهد القديم أو الجديد ما يُفْهَم منه ولو بالتأويل المتعسف أن ذلك التحريم يرجع إلى تلك العلة!
وفى مادة "خنزير" من "دائرة المعارف الكتابية" نقرأ الفقرة التالية التى تُعَدّ أبلغ رد على الوقح الكذاب المتستر باسم الكندى فيما ذهب إليه من أن الخنزير حلال، وأنه إذا كان قد حُرِّم وقتا ما فما ذلك إلا فى حياة موسى من أجل أن المصريين كانوا يعبدونه، وهو عَتَهٌ ما بعده عَتَهٌ، وإن كنا لا نوافق أيضا على قول كاتب المادة من أن تحريمه قديما إنما كان بسبب العجز عن طهى لحمه طيها كافيا، وكأن النار كانت تنقص البشر آنذاك أو أنه سبحانه كان يُعْجِزه أن يأمر عِبَاده بإحسان طهيه تجنبا لما فيه من أذى. تقول "دائرة المعارف الكتابية": "وكثيرا ما كان يعجب البعض لتحريم الشريعة أكل لحم الخنزير، ولكن الاكتشافات العلمية الحديثة أثبتت أن الخنزير يحمل في جسمه عدوى بعض الأمراض التي ينقلها للإنسان، ولعل أهمه "الدودة الشريطية" التي تتحوصل، في أحد أطوارها، في عضلات الخنزير. فإذا أكلها إنسان أو حيوان آخر تتحول في جسمه إلى دودة بالغة تسبب أذى بليغا لعائلها، بل قد تودي بحياته. ولأنه لم يكن في الإمكان قديما طهيها طهيا يقضي على هذه الحويصلات أصبح تحريمها كليّةً هو أسلم طريق للوقاية مما تنقله من أمراض، علاوة على أن الخنزير يقتات بكل ما يجده من فضلات حيوانية أو نباتية، وكذلك بالقمامة التي لا تخلو من ميكروبات يمكن أن تنقلها إلى الإنسان، وبخاصة أنها تعيش بين المساكن المأهولة". وهذا نص آخر فى منتهى الأهمية يبين السبب فى استنجاس الخنزير وغيره من الحيوانات التى لا تُعَدّ طاهرة فى العهد القديم، إذ يشير بكل وضوح إلى أن هذا الاستنجاس لم ينتظر إلى عهد موسى، بل كان معتمَدًا قبل ذلك بوقت طويل. وهذا النص متاح فى "دائرة المعارف الكتابية" تحت عنوان "طهارة": "يرجع التمييز بين الحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة إلى أقدم العصور، فقد قال الله لنوح: "من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعةً ذكراً وأنثى" (تك 7: 2). ويرى البعض أن التمييز بين الحيوانات الطاهرة وغير الطاهرة كانت تعتبر مقدسة عند بعض الشعوب الوثنية مثلما كان يعتبر الخنزير مثلاً في كريت وبابل. ويبنون هذا الظن على القول: "ولا تسلكون في رسوم الشعوب الذين أنا طاردهم من أمامكم لأنهم قد فعلوا كل هذه فكرهتهم" (لا 20: 23). ولكن يبدو أن التمييز بين الحيوانات الطاهرة التي كانت الشريعة تسمح بأكلها والحيوانات غير الطاهرة المـَنْهِيّ عن أكلها كان مبنيا على الأسباب الآتية:- (1) أسباب صحية: كانت الحيوانات التي تتغذي على القمامة تعتبر غير طاهرة لأنها تعيش على القاذورات والجيف المنتنة. وكذلك كانت الأسماك التي لا قشور لها ولا زعانف والتي هي أشبه بالحيات. وكثيرا ما تكون الصدفيات والقشريات سببا في حدوث تسمم غذائي. (2) الحيوانات المفترسة والطيور الجارحة: لأنها تأكل لحوم ودم فرائسها. وكان أكل الدم محرما تحريما قاطعا لأن نفس كل جسد هي دمه (تك 9: 4، لا 3: 17، 17: 10- 14، تث 12: 16 و 23- 25، 15: 23). (3) الحيوانات التي كان يستخدمها الوثنيون في عبادتهم أو في سحرهم اعتبرت نجسة مثل الخنازير والكلاب والفئران والثعابين والحشرات مثل الخنافس وغيرها. (4) الحيوانات التي تثير الاشمئزاز، والتي توصف بالقول: " كل دبيب يدب على الأرض فهو مكروه للأكل. كل ما يمشي على بطنه، وكل ما يمشي على أربع مع كل ما كثرت أرجله" (لا 11: 41 و42)". وجلىٌّ أنه لا يوجد شىء يقول إن تحريم لحوم تلك الحيوانات تحريم مؤقت، وهو ما يهمنا فى هذا كله.
ولأن الرجل يتنفس الكذب تنفسا نراه يزعم أن تحريم لحم الخنزير وتحليل لحم الجمل إنما أخذه الرسول من وهب بن منبه وعبد الله بن سلام اليهوديين، اللذين ضحكا عليه وخدعاه فانصاع لما قالاه دون تفكير. ومن هنا نراه يصطنع نبرة العدل والعقل فيعزو العيب فى هذا إلى الرجلين لا إلى رسول الله. لا والله فيك الخير والبركة أيها المدلس الكذاب! وبادئ ذى بدء نقول إنه لو كان هذان اليهوديان هما المسؤولَيْن عن ذلك الحكم فى شريعة الإسلام لرأيناهما يحرّمان الجمل أيضا ولا يقتصران فى تحريمهما على الخنزير. وثانيا فإن تحريم الخنزير فى القرآن يرجع إلى الفترة المكية، أى قبل هجرته عليه السلام إلى يثرب والتقائه باليهود هناك، ومنهم عبد الله بن سلام. وهذان هما النصان اللذان يشتملان على تحريمه، وهما مأخوذان من سورة "الأنعام" و"النحل" على الترتيب، وهما مكيتان: "قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)"، "وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118)". وثالثا ما رأى قرائى الأعزاء إذا ما قلت لهم إن الرسول لم ير وهب بن منبه البتة ولا كانت له به أية صلة، بل إن وهبًا لم يكن له وجود أصلا أيام النبى عليه السلام، لسبب بسيط هو أنه لم يولد إلا عام 34 من الهجرة فى صنعاء باليمن على عهد عثمان، أى بعد وفاة النبى بزمن طويل، فهو إذن من التابعين؟ كما أنه فارسى الأصل لا عربى. لكن هل تظن أيها القارئ العزيز أن الكندى كان يخجل لو سمع ذلك؟ لا إخال أبدا، فأمثاله إنما هم قوم كاذبون جامدو الوجه ثخينو الجلد كأن أبشارهم قُدَّتْ من نعال الصُّرَم القديمة! ثم مَنْ عبد الله بن سلام أو وهب بن منبه بجانب القامة السامقة المهيبة الجليلة للنبى عليه الصلاة والسلام؟ لقد تركا دينهما من أجله، لكن الأقرع الأجرب يتهرأ قلبه حقدا لهذا السبب فتراه يقلب الحقائق رأسا على عقب للتنفيس عن ذلك الحقد. يا كندى، هل جرى لعقلك شىء خَبَّله؟ أين ذُهِب بعقلك النجس النتن؟ لقد دانت الدنيا كلها بدين محمد، فماذا يمثل أىٌّ مِنْ ذَيْنِك الرجلين بالنسبة لهذا الدين العظيم؟ إن قصة إسلام ابن سلام لهى حكاية تُرْوَى وتُرْوَى وتُرْوَى، وإنها لتفضح اليهود واليهودية، فكيف لا تخجل من نفسك بدلا من أن تروح فتزيف القصص والأكاذيب الخرافية؟ ألا لعنة الله على سحنتك الكاذبة الخاطئة!
وهذه قصة إسلام عبد الله بن سلام رضى الله عنه كما وردت فى "سيرة ابن هشام"، وكان اسمه قبل أن يسلم هو "الحصين بن سلام": "قال بن إسحاق: وكان من حديث عبد الله بن سلام كما حدثني بعض أهله عنه وعن إسلامه حين أسلم، وكانحبرًا عالمًا، قال: لما سمعتُ برسول الله صلى الله عليه وسلم عرفتُ صفته واسمه وزمانه الذي كنا نتوكف له فكنت مسرًّا لذلك صامتًا عليه حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. فلما نزل بقُبَاء في بني عمرو بن عوف أقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها، وعمتي خالدة ابنة الحارث تحتي جالسة. فلما سمعتُ الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبَّرْتُ، فقالت لي عمتي حين سمعتْ تكبيري: خيّبك الله! والله لو كنتَ سمعتَ بموسى بن عمران قادما ما زِدْتَ. قال: فقلت لها: أيْ عمة، هو والله أخو موسى بن عمران وعلى دينه، بُعِث بما بُعِث به. فقالت: أَيِ بن أخي، أهو النبي الذي كنا نُخْبَر أنه يُبْعَث مع نفس الساعة؟ قال: فقلت لها: نعم. قال: فقالت: فذاك إذًا. قال: ثم خرجتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا. قال: وكتمت إسلامي من يهود، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله، إن يهود قوم بُهُتٌ، وإني أحب أن تُدْخِلني في بعض بيوتك وتغيّبني عنهم ثم تسألهم عني حتى يخبروك كيف أنا فيهم قبل أن يعلموا بإسلامي. فإنهم إن علموا به بهتوني وعابوني. قال: فأدخلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض بيوته ودخلوا عليه فكلموه وساءلوه، ثم قال لهم: أيّ رجلٍ الحصين بن سلام فيكم؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وعالمنا. قال: فلما فرغوا من قولهم خرجتُ عليهم فقلت لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون إنه لرسول الله، تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأومن به وأصدقه وأعرفه. فقالوا: كذبتَ. ثم واقعوا بي. قال: فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قومٌ بُهُتٌ أهل غدر وكذب وفجور؟ قال: فأظهرتُ إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمتْ عمتي خالدة بنت الحارث فحَسُنَ إسلامها".
21- ومما تناوله أيضا شبيه الرجال بالتخطئة والتهكم من دين محمد عليه الصلاة والسلام شعيرة الحج، إذ قال للهاشمى المتوهَّم: "أما دعوتك لي إلى حج بيت الله الذي بمكة ورمي الجمار والتلبية وتقبيل الركن والمقام، فسبحان الله! كأنك تكلم صبيًّا أو تخاطب غبيًّا! أليس هو الموضع الذي عرفناه جميعًا حق معرفته، ووقفنا على أصول أسبابه، وكيف كانت القصة في ثباته، وكيف جرى أمره إلى هذه الغاية؟ أَوَلاَ تعلم أن هذا فعل الشمسية والبراهمة الذي يسمّونه: "النُّسْك" لأصنامهم بالهند؟ فإنهم يفعلون في بلدهم ما يفعله المسلمون اليوم من الحَلْق والتعري الذي يسمونه الإحرام والطواف ببيوت أصنامهم إلى هذا الوقت على هذه الحالة، فلم تزد عليه أنت شيئًا ولا نَقَصْتَ منه ذرة، فإنك أخذته بذلك الفعل الذي سمَّيْتَه: "النُّسك"، إلا أنك تفعله في السنة مرة واحدة في وقت مختلف، وأولئك يفعلونه في السنة مرتين: عند دخول الشمس أول دقيقة من الحمل (وهو الربيع)، وفي دخولها أول دقيقة من الميزان (وهو الخريف). ففي الأول لدخول الصيف، وفي الثاني لدخول الشتاء. فهم يضحّون كما تضحّي أنت، ويَنْسِكون كنُسُكك. وأنت وأصحابك تعلمون أن العرب كانت تنسك هذه المناسك وتفعل هذه الأفعال منذ بَنَتْ هذا البيت. فلما جاء صاحبك بالإسلام لم نره زاد في هذه الأفعال ولا أنقص منها شيئًا، غير أنه لبُعد المشقة وطول المسافة وتخفيف المؤونة جعله حجة واحدة في السنة، وأسقط من التلبية ما كان فيه شناعة. وإني أستصوب قولاً لعمر بن الخطاب وقد وقف على الركن والمقام فقال: والله لأعلم أنكما حجران لا تنفعان ولا تضرّان، ولكني رأيت رسول الله يقبّلكما، فأنا أقبّلكما كذلك. فإن كان الرواة الصادقون الذين رَوَوْا هذه الرواية عنه كذبوا عليه أوْ لم يكذبوا، فقد صدقوا في ما حَكَوْه عن هذين الحجرين، وإن كانوا صدقوا عنه أنه قال ذلك، فلقد قال قولاً حقًّا".
هذا ما قاله شبيه الرجال، وهو عجيبٌ جِدُّ عجيبٍ! ذلك أن كل ما يؤمن به هو وأهل ملته تقريبا أو يفعلونه فى دينهم لا معنى له، إذ يقولون إنها أسرار، والأسرار لا تُفْهَم ولا تقبل الفهم، فكيف يعيب شيئا كهذا علينا، وما هو إلا قول عمر، وعمر ليس بالنبى؟ والمهم أنه لا عمر ولا غير عمر يتجه فى شعائر حجه إلى حجر أو خشب أو بشر، بل إلى المولى عز وجل. أما بالنسبة إلى الأضاحى، أليس عند اليهود هم أيضا أضاحٍ، ثم جاء المثلثة من النصارى فزعموا أن المسيح قدم نفسه أضحية تغنى عن كل الأضاحى، فلم يعد هناك معنى للتضحية بعده، بما يدل على أنهم مخلصون لشعيرة التضحية، لكن على أشنع صورة وأبشعها، فضلا عن قولهم عنه: "الخروف"؟ إذن فالتضحية شعيرة سماوية، وإن كانت فى اليهودية تُحْرَق ولا ينتفع بها أحد من البشر، على اعتبار أن الله يَسُرّه شَمُّ قُتَارِها، وكأنه بشر يتلذذ بالروائح! ويا ليته قد أحب رائحة طيبة بدلا من الدخان الذى يلوث كل شىء حوله! ولكن ما العجب فى هذا، وفى العهد القديم أنه سبحانه يأكل كما رأينا قبل قليل فى هذه الدراسة؟ فلا غرابة إذن أن يحب رائحة الشواء، إذ معروف أن الشرهين يَغْرَمون برائحة الشواء، الذى يُسِيل لعابهم ويثير عصافير بطونهم فيُقْبِلون من ثَمّ على الطعام وكلهم تشوق وتلذذ واشتهاء! أما البراهمة فإذا صح ما قاله الكندى عنهم يكونون قد أخذوا الأضحية من إحدى الديانات السماوية، أو كانت ديانتهم فى الأصل سماوية ثم دخل عليها التحريف والإفساد كما حصل فى اليهودية والنصرانية حسبما يوضح القرآن. وعلى أية حال فالعبرة بالنية والغاية، إذ قد يكون هناك عملان متشابهان أو متطابقان، لكن أحدهما من أعمال الوثنية، والآخر من أعمال التوحيد. لنأخذ الصلاة مثلا: فالمسلمون يتوجهون فيها لله سبحانه، والنصارى للمسيح يعبدونه ويؤلهونه. وذلك توحيد خالص، على حين أن هذا شرك ووثنية. وقد يخرج إنسانان الزكاة: أحدهما يتوخى بها رضا الله، والآخر السمعة والرياء، فتُقْبَل من الأول، وتُرَدّ على الثانى ويُقْذَف بها فى وجهه، وقد يَصْلَى بسببها نار الجحيم... ومن هنا فحتى لو كانت بعض مناسك الحج تتشابه مع بعض مناسك البراهمة، فالعبرة أن المسلمين لا يعبدون أصناما ولا أوثانا، بخلاف ديانة البرهمية وما تقوم عليه من وثنية وشرك وعبادة أصنام كما ذكر هو، على حين أنه لا موضع فى الإسلام بأى حال لصنم أو وثن أو تأليه بشر، إذ الإسلام يتشدد فى هذا إلى أبعد آماد التشدد! ثم إن الكاتب يتناقض فى كلامه عن مصدر الإسلام تناقضا بشعا يدل على أنه يتخبط ويكذب ويحاول التعلق بقشة كيلا يجرفه البحر الهادر العميق، وهيهات. أفلم يقل إن الرسول تعلم على يد النساطرة؟ فأين النساطرة من البراهمة؟ وكيف يا ترى عرف البرهمية؟ أكانت عنده مكتبة فى الأديان والمذاهب والشعائر؟ أم سيقولون إنه كان بين صحابته هنود برهميون هم الذين علّموه هذا؟ ألا لعنة الله على الكاذبين! كذلك فقوله إن العرب هى التى بنت البيت تخريف من التخريف، إذ بانيه هو إبراهيم وابنه إسماعيل. وإذا كانت هناك مَشَابِهُ فى شعائر الحج قبل الإسلام وبعده فهو أمر طبيعى، وكل ما هنالك أن العرب قد غيروا فى تلك الشعائر بعض التغييرات، فجاء النبى وأعاد الأمور إلى نصابها كما كانت فى دين الخليل صلى الله عليه وسلم. وهذا معنى قول الوغد إن النبى قد حذف من الحج ما كان فيه من شناعات. فكيف يجرؤ الكذاب الرذيل بعد هذا كله على اتهام الإسلام بدائهم هم؟ واضح أن ذلك الرجل، إن صح تسميته رجلا، قد فقد عقله وحياءه تمام الفقدان!
22- وفى كلامه التالى عن الطلاق برهانٌ على حقده وقلة أدبه، إذ قال: "وأقبح من هذا كله ما جاء في ذكر الطلاق ونكاح المرأة رجلاً آخر يسمى الاستحلال، وأن يذوق من عُسَيْلَتها وتذوق من عُسَيْلَته، ثم مراجعة الرجل الأول بعد ذلك. هذا، وقد يكون لها أولاد رجال نبلاء، وبنات كبار ذوات بيوت، والزوج الذي له الشرف النفيس والحسب الخطير، وتكون هي المرأة النبيلة في قومها. فهل تدعوني إلى مثل هذا الذي تستشنعه البهائم وتستقبح فعله؟". ومن الواضح التام الوضوح ما فى الكلام من خلط وتدليس مستشنَع، إذ كلنا نعرف أنه لا يوجد فى الإسلام محلِّل أبدا، وإنما المقصود هو أن الزواج مؤسسة لها احترامها وتوقيرها، وإن لم يمنع هذا من حصول التنافر الذى قد يكون من الصعب التغلب عليه، والذى حاول الإسلام أن يعالجه بوسائل شتى آخرها الطلاق الرجعى لعل الطرفين يتنبهان إلى قيمة ما بينهما من رباط فى فترة الانفصال، فيتراجعا مرة أخرى. فإن تكرر الطلاق ثلاثا فعنئذ يكون من الجلىّ أن هناك خللا شديدا فى العلاقة التى بينهما، وهو ما يعنى أنهما قد فشلا ولا يمكنهما الاستمرار فى تلك العلاقة، وعندئذ يجب أن ينفصلا انفصالا لا رجعة فيه، اللهم إلا إذا تزوجت المرأة من رجل آخر زواجًا عاديًّا لا نية فيه للعودة إلى زوجها الأول ثم طلّقها الزوج الجديد بعد ذلك لسبب من الأسباب التى تلجئ الزوجين فى الأحوال المعتادة إلى الطلاق، فحينذاك يحق لزوجها الأول أن يراجعها إن أحب. ومن ثم لا معنى للتهكم الذى يتهكمه غبينا الكندى. أما "المحلِّل" الذى يلمح إليه فهو مذموم فى الإسلام ذمًّا مستبشَعًا حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد سماه بـــ"التيس المستعار" ولعنه وبشّره بمصير حقير، إذ أُثِر عنه صلى الله عليه وسلم قوله: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو المحلِّل. لعن الله المحلِّل والمحلَّل له". فما المشكلة إذن؟ الحق أنه لا مشكلة ولا يحزنون إلا فى عقل صاحبنا التافه الذى يتظاهر بعدم الفهم. أما كلامه صلى الله عليه وسلم عن تذوق العُسَيْلة فمقصوده تنفير الزوجين من كثرة الخلاف وتكرر الطلاق حتى لا يجدا نفسيهما فى ذلك الموقف الذى لا يحبه أحد من خلق الله الكرام. أما التمحك فى أن الزوجة قد تكون سيدة نبيلة، ولها أولاد ذوو حيثية فى المجتمع، فهذا ذنبها هى، إذ كيف تكون نبيلة حقا، وهى لا تستطيع أن ترتقى فى مستوى سلوكها وتصرفاتها مع زوجها بحيث تنال احترامه وتقديره ولا يفكر فى تطليقها؟ وعلى أية حال فالتشريعات لا تعرف هذه الاعتبارات المنافقة، بل تعمل على معالجة المشكلة دون رياء أو تفيهقات! وعجيب أن يبدى ذلك المرائى امتعاضه من جواز الطلاق فى الإسلام، وهو الذى يعلم أفضل من سواه ما يؤدى إليه التضييق على الأزواج والزوجات فى هذه المسألة من انتشار الزنا وتعايش الزوجين تعايش الاضطرار والقهر على أساس الغش والدَّخَل والخداع وخيانة كل من الطرفين لصاحبه بمعرفته ورضاه، بل كثيرا ما يترك أحد الزوجين أو كلاهما النصرانية كى يستطيعا الاستمتاع بحياتهما بعيدا عن ذلك الإعنات المشقى لهما، فضلا عن الفضائح المجلجلة التى تنقضّ على رأس الأسرة كلها إذا ما وقع الطلاق فى النصرانية طبقا للنصوص التى ينسبونها إلى السيد المسيح، إذ إن قَصْر الطلاق لديهم على علة الزنا لن يكون له معنى عند الناس إلا أن الطرف الآخر زانٍ، وهو ما رأيناه غير بعيد حين عمدت إحدى نجمات المجتمع، صدقا أو كذبا، إلى اتهام نفسها بالزنى كى تفكّ نفسها من هذه اللزقة الأمريكانى التى لا تطلع ولا بالطبل البلدى، اللهم إلا إذا أخذت معها من الجلد حتة.
23- هذا، ومن الطريف عند تشنيعه على بركة البيت الحرام ومسجد رسول الله أنه لم يجد من يستشهد به إلا داود فى مزمورين من مزاميره تدليلا على أن تلك المواضع لا يمكن أن تكون مواضع مباركة، بخلاف المواضع النصرانية التى يُعْبَد الله فيها حق عبادته كما يقول والتى تظهر بركتها فى شفاء المصابين من أمراضهم وبَرَصهم وعماهم ومس الشيطان لهم حسبما يزعم، وكأن داود كان نصرانيا، أو كأنه عندهم رجلٌ تقىٌّ بارٌّ، وليس ذلك الـــ"داود" الزانى المجرم القرارى الذى لم يجد مؤلفو الكتاب المقدس ما يكتبونه عنه إلا ما يلى، وأستغفر الله من نقل هذا الكفر: "1وَكَانَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ، فِي وَقْتِ خُرُوجِ الْمُلُوكِ، أَنَّ دَاوُدَ أَرْسَلَ يُوآبَ وَعَبِيدَهُ مَعَهُ وَجَمِيعَ إِسْرَائِيلَ، فَأَخْرَبُوا بَنِي عَمُّونَ وَحَاصَرُوا رِبَّةَ. وَأَمَّا دَاوُدُ فَأَقَامَ فِي أُورُشَلِيمَ. 2وَكَانَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ جِدًّا. 3فَأَرْسَلَ دَاوُدُ وَسَأَلَ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ وَاحِدٌ: «أَلَيْسَتْ هذِهِ بَثْشَبَعَ بِنْتَ أَلِيعَامَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ؟». 4فَأَرْسَلَ دَاوُدُ رُسُلاً وَأَخَذَهَا، فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ طَمْثِهَا. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا. 5وَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ وَقَالَتْ: «إِنِّي حُبْلَى». 6فَأَرْسَلَ دَاوُدُ إِلَى يُوآبَ يَقُولُ: «أَرْسِلْ إِلَيَّ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ». فَأَرْسَلَ يُوآبُ أُورِيَّا إِلَى دَاوُدَ. 7فَأَتَى أُورِيَّا إِلَيْهِ، فَسَأَلَ دَاوُدُ عَنْ سَلاَمَةِ يُوآبَ وَسَلاَمَةِ الشَّعْبِ وَنَجَاحِ الْحَرْبِ. 8وَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «انْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ وَاغْسِلْ رِجْلَيْكَ». فَخَرَجَ أُورِيَّا مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ، وَخَرَجَتْ وَرَاءَهُ حِصَّةٌ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ. 9وَنَامَ أُورِيَّا عَلَى بَابِ بَيْتِ الْمَلِكِ مَعَ جَمِيعِ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَنْزِلْ إِلَى بَيْتِهِ. 10فأَخْبَرُوا دَاوُدَ قَائِلِينَ: «لَمْ يَنْزِلْ أُورِيَّا إِلَى بَيْتِهِ». فَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «أَمَا جِئْتَ مِنَ السَّفَرِ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تَنْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ؟» 11فَقَالَ أُورِيَّا لِدَاوُدَ: «إِنَّ التَّابُوتَ وَإِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا سَاكِنُونَ فِي الْخِيَامِ، وَسَيِّدِي يُوآبُ وَعَبِيدُ سَيِّدِي نَازِلُونَ عَلَى وَجْهِ الصَّحْرَاءِ، وَأَنَا آتِي إِلَى بَيْتِي لآكُلَ وَأَشْرَبَ وَأَضْطَجعَ مَعَ امْرَأَتِي؟ وَحَيَاتِكَ وَحَيَاةِ نَفْسِكَ، لاَ أَفْعَلُ هذَا الأَمْرَ». 12فَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «أَقِمْ هُنَا الْيَوْمَ أَيْضًا، وَغَدًا أُطْلِقُكَ». فَأَقَامَ أُورِيَّا فِي أُورُشَلِيمَ ذلِكَ الْيَوْمَ وَغَدَهُ. 13وَدَعَاهُ دَاوُدُ فَأَكَلَ أَمَامَهُ وَشَرِبَ وَأَسْكَرَهُ. وَخَرَجَ عِنْدَ الْمَسَاءِ لِيَضْطَجِعَ فِي مَضْجَعِهِ مَعَ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَإِلَى بَيْتِهِ لَمْ يَنْزِلْ. 14وَفِي الصَّبَاحِ كَتَبَ دَاوُدُ مَكْتُوبًا إِلَى يُوآبَ وَأَرْسَلَهُ بِيَدِ أُورِيَّا. 15وَكَتَبَ فِي الْمَكْتُوبِ يَقُولُ: «اجْعَلُوا أُورِيَّا فِي وَجْهِ الْحَرْبِ الشَّدِيدَةِ، وَارْجِعُوا مِنْ وَرَائِهِ فَيُضْرَبَ وَيَمُوتَ». 16وَكَانَ فِي مُحَاصَرَةِ يُوآبَ الْمَدِينَةَ أَنَّهُ جَعَلَ أُورِيَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّ رِجَالَ الْبَأْسِ فِيهِ. 17فَخَرَجَ رِجَالُ الْمَدِينَةِ وَحَارَبُوا يُوآبَ، فَسَقَطَ بَعْضُ الشَّعْبِ مِنْ عَبِيدِ دَاوُدَ، وَمَاتَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا. 18فَأَرْسَلَ يُوآبُ وَأَخْبَرَ دَاوُدَ بِجَمِيعِ أُمُورِ الْحَرْبِ. 19وَأَوْصَى الرَّسُولَ قَائِلاً: «عِنْدَمَا تَفْرَغُ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَ الْمَلِكِ عَنْ جَمِيعِ أُمُورِ الْحَرْبِ، 20فَإِنِ اشْتَعَلَ غَضَبُ الْمَلِكِ، وَقَالَ لَكَ: لِمَاذَا دَنَوْتُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ لِلْقِتَالِ؟ أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ مِنْ عَلَى السُّورِ؟ 21مَنْ قَتَلَ أَبِيمَالِكَ بْنَ يَرُبُّوشَثَ؟ أَلَمْ تَرْمِهِ امْرَأَةٌ بِقِطْعَةِ رَحًى مِنْ عَلَى السُّورِ فَمَاتَ فِي تَابَاصَ؟ لِمَاذَا دَنَوْتُمْ مِنَ السُّورِ؟ فَقُلْ: قَدْ مَاتَ عَبْدُكَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا».22فَذَهَبَ الرَّسُولُ وَدَخَلَ وَأَخْبَرَ دَاوُدَ بِكُلِّ مَا أَرْسَلَهُ فِيهِ يُوآبُ. 23وَقَالَ الرَّسُولُ لِدَاوُدَ: «قَدْ تَجَبَّرَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ وَخَرَجُوا إِلَيْنَا إِلَى الْحَقْلِ فَكُنَّا عَلَيْهِمْ إِلَى مَدْخَلِ الْبَابِ. 24فَرَمَى الرُّمَاةُ عَبِيدَكَ مِنْ عَلَى السُّورِ، فَمَاتَ الْبَعْضُ مِنْ عَبِيدِ الْمَلِكِ، وَمَاتَ عَبْدُكَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا». 25فَقَالَ دَاوُدُ لِلرَّسُولِ: « هكَذَا تَقُولُ لِيُوآبَ: لاَ يَسُؤْ فِي عَيْنَيْكَ هذَا الأَمْرُ، لأَنَّ السَّيْفَ يَأْكُلُ هذَا وَذَاكَ. شَدِّدْ قِتَالَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَخْرِبْهَا. وَشَدِّدْهُ».26فَلَمَّا سَمِعَتِ امْرَأَةُ أُورِيَّا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ أُورِيَّا رَجُلُهَا، نَدَبَتْ بَعْلَهَا. 27وَلَمَّا مَضَتِ الْمَنَاحَةُ أَرْسَلَ دَاوُدُ وَضَمَّهَا إِلَى بَيْتِهِ، وَصَارَتْ لَهُ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا. وَأَمَّا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلَهُ دَاوُدُ فَقَبُحَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ" (صموئيل الثانى/ 11)، "1وَشَاخَ الْمَلِكُ دَاوُدُ. تَقَدَّمَ فِي الأَيَّامِ. وَكَانُوا يُدَثِّرُونَهُ بِالثِّيَابِ فَلَمْ يَدْفَأْ. 2فَقَالَ لَهُ عَبِيدُهُ: «لِيُفَتِّشُوا لِسَيِّدِنَا الْمَلِكِ عَلَى فَتَاةٍ عَذْرَاءَ، فَلْتَقِفْ أَمَامَ الْمَلِكِ وَلْتَكُنْ لَهُ حَاضِنَةً وَلْتَضْطَجعْ فِي حِضْنِكَ فَيَدْفَأَ سَيِّدُنَا الْمَلِكُ». 3فَفَتَّشُوا عَلَى فَتَاةٍ جَمِيلَةٍ فِي جَمِيعِ تُخُومِ إِسْرَائِيلَ، فَوَجَدُوا أَبِيشَجَ الشُّونَمِيَّةَ، فَجَاءُوا بِهَا إِلَى الْمَلِكِ. 4وَكَانَتِ الْفَتَاةُ جَمِيلَةً جِدًّا، فَكَانَتْ حَاضِنَةَ الْمَلِكِ. وَكَانَتْ تَخْدِمُهُ، وَلكِنَّ الْمَلِكَ لَمْ يَعْرِفْهَا" (ملوك الأول/ 1). والآن إلى ما استشهد به صاحبنا من كلام داود: "عَيْنَا الرَّبِّ نَحْوَ الصِّدِّيقِينَ وَأُذُنَاهُ إِلَى صُرَاخِهِمْ" (مزمور 34:15). و"الرَّبُّ قَرِيبٌ لِكُلِّ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ، الَّذِينَ يَدْعُونَهُ بِالْحَقِّ" (مزمور 145:18). والله فيك الخير يا داود! وكلامك كله حكم ومواعظ! وهنيئا للكندى، الذى لا يعرف شيئا اسمه الحياء ولا الخجل! وإلا أفكان يردد ما يقوله العوام البلهاء من مثل "ليس من مكروب ولا ملهوف ولا محزون ولا مريض ولا مستغيث يسأله بإيمان صحيح ونية صادقة وقلب سليم من أولياء المسيح باسم المسيح المقدس الطاهر، إلا فرّج عنه همه وغمه وكربه. فهذه الديارات العامرة بالبِيَع، وجميع المواضع التي يُذْكَر فيها اسم المسيح مخلِّص العالم ويأوي فيها الرهبان ممتلئة من هذه البركات تفيض على جميع من صار إليها وقصدها بإخلاص نيته، لا يطلب من أحد ثمنًا ولا مكافأة، ولا ينال على ذلك جزاءً ولا شكرًا، لأن المسيح مخلص العالم قال في إنجيله الطاهر: مَجَّانًا أَخَذْتُمْ مَجَّانًا أَعْطُوا. لا تَقْتَنُوا ذَهَبًا وَلا فِضَّةً" (متى10: 8- 9)؟ وهل هذا إلا ما يعتقده العوام البُلْه عندنا من مقدرة ضريح الشيخ الفلانى والولى الترتانى على تحبيل العاقر وإغناء المفلس، وهلم جرا؟ وبطبيعة الحال فإنه لا يوجد نصرانى يعرف المرضُ ولا الشقاءُ له "طريق جُرّة"، فكلهم والحمد لله لا يتعبون ولا يفتقرون ولا يقلقون، بل يلقَوْننا جميعا وكلهم صحة وعزم ونشاط، والفلوس تشخلل فى جيوبهم وأكياسهم ولا يستطيعون لها عَدًّا، والواحد منهم لا يحمل أى هَمٍّ للغد، إذ هم لا يحتاجون شيئا إلا قصدوا أقرب دير أو كنيسة وتمسحوا بالأركان، فإذا المال ينهمر عليهم انهمارا، وإذا الصحة بُمْب، والأشيا معدن. فماذا يريد الإنسان أكثر من ذلك؟ الحق أننى ما كنت أحسب أن الأمور بهذه البساطة والبركة والبحبحة فى النصرانية! صدق من قال: من يَعِشْ يا ما يشوف، ومن يقرأ المواقع التبشيرية والكتب الساذجة المتخلفة التى تنشرها يَشُفْ أكثر!
24- ثم يتحول صاحبنا الحمار إلى الجهاد فى الإسلام فيزعم أن فى القرآن تناقضا فى هذه القضية مضيفا قوله: "هل قرأتَ في شيء من الكتب المنزلة أن أحدًا من الدعاة استجلب الناس إلى مقالته ودعاهم إلى الإقرار بما جاء به قهرًا وكرهًا أو ضربًا بالسيف وتهديدًا بالسلب والسبي غير صاحبك؟ فقد عرفتَ قصة موسى وما أتى به من المعجزات، وقرأت قصص الأنبياء بعده وما فعلوا، وكان ذلك شاهدًا أن ما جاءوا به هو من عند الله. فهل تجد أحدًا من الدُّعاة الذين دَعَوْا إلى حقٍ أو باطلٍ إلا وقد جاء بحجَّة أو دليل صحيح؟ فحينئذ يتبيَّن عند العيان صحَّته من خُبثه. وكذلك فعل كل ذي دعوة بأهل دعوته، غير صاحبك، فإنّا لم نره دعا الناس إلا بالسيف والسلب والسبي والإخراج من الديار، ولم نسمع برجل غيره جاء فقال: من لم يقرّ بنبوَّتي وأني رسول رب العالمين ضربتُه بالسيف وسلبتُ بيته وسبيتُ ذريته من غير حجة ولا برهان. فأما المسيح سيد البشر ومحيي العالم فيتعالى ذكره ويجل قدره أن تُذْكَر دعوته في مثل هذا الموضع. وأنا أتلو كلام سيدي يسوع المسيح ليلي ونهاري، وهو شعاري ودثاري، وأسمعه يقول: تفضلوا على الناس جميعًا، وكونوا رحماء كي تشبهوا أباكم الذي في السماء، فإنه يشرق شمسه على الأبرار والفجّار ويمطر على الأخيار والأشرار (قارن متى 5/ 43- 48). فكيف يُظَنّ بمثلي، والمسيح يخاطبني بمثل هذه المخاطبة، أن يقسو قلبي حتى أصير في صورة إبليس العدو القاتل، فأضرب وأقتل أبناء جنسي وذرية آدم المجبول بيد الله وعلى صورته تعالى، والله جلَّت قدرته هو القائل: "لست أحب موت الخاطئ، لأنه اليوم في خطاياه، وغدًا يتوب، فأَقْبَله كالأب الرحوم"، سيَّما وقد شرَّف الله سبحانه النوع الإنساني بأن كلمته الخالقة تجسَّدت منه واتَّحدت به وأعطته ما لها من الربوبية والألوهية والسلطان والقدرة، فصارت الملائكة تسجد له وتقدّس اسمه وتسبّح ذكره كما يسبّح اسم الله وذكره، ولا تفرِّق في ذلك بينهما. ثم زيد نعمة إلى النعمة المتقدمة بأن أُعْطِيَ الجلوس عن يمين ذي العزة تشريفًا لذلك الجسد المأخوذ منا الذي هو من ذرية أبينا آدم، فهو مثلنا وأخونا في الطبيعة، وخالقنا وإلهنا باتحاد الكلمة الخالقة به بالحقيقة، ثم دفع إليه جميع السلطان في السموات والأرض، وخوَّله تدبير الخلائق وصيَّر البعث والنشور والدِّين إليه، وأن يحكم حكمًا نافذًا جائزًا على الملائكة والإنس والشياطين. أفتريد أن أضادّ أمر الله وأضربهم بالسيف وأسلبهم وأسبيهم؟ إن هذا لجورٌ على الله عز وجل، وعناد لأمره، وظلم لنعمته، وكفران لإحسانه. وأعوذ بالله من خذلان الله وغضبه".
والواقع أن أمر هذا الرجل كله كذب وتدجيل وافتراء، فلم يحدث أن قال الرسول عليه الصلاة والسلام يوما من الأيام: "من لم يقرّ بنبوَّتي وأني رسول رب العالمين ضربته بالسيف وسلبت بيته وسبيت ذريته من غير حجة ولا برهان" ولا طبّق ذلك الكلام قَطّ، بل استمر عليه السلام ثلاث عشرة سنة فى مكة يدعو الناس إلى التأمل فى الكون والتفكير فيما يقوله لهم ويقرؤه عليهم من آيات القرآن الكريم، لم يرفع فى وجههم سيفا ولا رمحا ولم يفوِّق فى نحورهم سهما ولا شتمهم ولا هددهم، بل عرض عليهم مبادئ دينه وعمل على تفتيح عيونهم وقلوبهم وعقولهم لما تحتويه من كنوز ودُرَر، وكانوا هم الذين يؤذونه هو وأصحابه ويضربونهم ويحاصرونهم ويقاطعونهم ويشنعون عليهم ويتآمرون ضدهم، وقتلوا بعضا منهم وخططوا لقتله هو أيضا، وذلك بعدما أعيتهم الحيل فى أن يسكتوه بوسائل الإغراء المختلفة من رياسة ومال وما إلى ذلك. فأين إذن التهديد والأذى الذى يقول حمارنا المدلس إنه عليه الصلاة والسلام كان يجرى عليه فى دعوته؟ فإذا ذكر هذا المفترى أن المسيح صبر ثلاثة أعوام لقد صبر الرسول الأكرم ثلاثة عشر عاما لا ثلاثة فحسب. كما أن المسيح لم يكفّ خلال ذلك عن لعن اليهود وسبهم، وكذلك اتهام حوارييه بضعف الإيمان ووسْم بطرس نفسه بالنفاق، وهو أكبرهم وأقربهم إليه، وتهديد بنى إسرائيل بالسيف وإثارة أفراد كل أسرة بعضهم على بعض، بالإضافة إلى ما أبداه من احتقار هائل للأمميين ناعتا إياهم بأنهم كلاب لا يحق لها أن تأكل مع أهل البيت، فما كان من المرأة الكنعانية إلا أن قالت له: إن للكلاب أيضا نصيبا فى الفتات. وهو ما أعجبه، وكأنه كان يتلذذ بإهانة الآخرين ويجد سعادةً مَرَضِيّةً فى رؤيتهم أذلاء أمامه لا حول لهم ولا طول. وطبعا نحن المسلمين لا نصدق بأن المسيح عليه السلام يمكن أن يجترح هذه الأعمال ولا أن يتفوّه بتلك الأقوال، فهو نبى مكرم اختاره الله على عينه ورقَّى أخلاقة ترقية عظيمة، بيد أننى إنما أجادل حمارنا بمنطقه وبنصوص كتابه! أما قوله إنه لا يريد أن يضادّ أمر الله ويضرب الأعداء بالسيف ويقتلهم ويسلبهم فليس لى من تعقيب عليه إلا أن أقول له: أمعقول أنك تجهل العهد القديم وما فيه من أمر باستئصال الآخرين وحرق بيوتهم وإبادة أولادهم ونسائهم وحيواناتهم؟ أم تقول إن هذا ليس كلام الله؟ إذن ففيم إيمانك به؟ أم تراك تقول إن الأنبياء الذين أَتَوْا بهذا الكلام قد أَتَوْا به من لَدُنْ أنفسهم؟ ولكن إذا كانوا قد أَتَوْا به من لَدُنْ أنفسهم، فلماذا ترك الله هذا الكلام فى كتابه؟ أم تراه لم يَرْضَه؟ فلماذا لم يأمرهم بحذفه ويعاقبهم على هذه المبادرة غير المطلوبة ولا الحميدة؟ أم ماذا؟ وعلى كل فإن عمر المسيح فى عالم الدعوة لم يتجاوز، كما قلنا، ثلاثة أعوام. ولا يستطيع أحد أن يزعم بأنه كان سيستمر على السكوت أمام أذى الأعداء لو أن عمره امتد وزاد أتباعه وأصبح مسؤولا عن هؤلاء الأتباع وعن نظام حياتهم وعن توفير الأمن والأمان والغذاء والكساء لهم، وإلا كان مقصّرا غاية التقصير فى ذات حقهم، وبخاصة أنه أعلن أنه ما جاء إلا بالسيف وبإثارة البيت الواحد بعضه على بعض!
وهذا كله لو كان القرآن كما يقول عنه الأخرق الأحمق! أمّا، وكتاب الله الكريم يقول شيئا مغايرا تماما لما يدعى ذلك المنافق، فمعنى هذا أنه يردد أكاذيب ومفتريات لا صلة بينها وبين الواقع الذى يفقأ عينه ودبره المنتن. وإلى القراء الأعزاء البيان بحكم القرآن فى قضية الجهاد: ونبدأ بالنظر فى معنى كلمة "الجهاد"، ففى "لسان العرب" مثلا أن "الجَهْد والجُهْد: الطاقة. تقول: اجْهَدْ جَهْدَك. وقيل: الجَهْد المشقة، والجُهْد الطاقة. الليث: الجَهْدُ ما جَهَد الإِنسان من مرض أَو أَمر شاق. الأَزهري: الجَهْد بلوغك غاية الأَمر الذي لا تأْلو على الجهد فيه. تقول: جَهَدْت جَهْدي واجْتَهَدتُ رأْيي ونفسي حتى بلغت مَجهودي. قال: وجَهَدْت فلانا إِذا بلغت مشقته وأَجهدته على أَن يفعل كذا وكذا. ابن السكيت: الجَهْد الغاية. قال الفراء: بلغت به الجَهْد أَي الغاية، وجَهَدَ الرجل في كذا، أَي جَدَّ فيه وبالغ. والاجْتِهاد والتجَاهُد: بذل الوسع والمجهود، وهو افتعال من الجهد. والجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أَو اللسان أَو ما أَطاق من شيء". وواضح أن الجهد هو المشقة، وأن الجهاد هو أن يشق الإنسان على نفسه ويبذل كل ما فى طاقته لا يدخر وسعا. هذا هو المعنى اللغوى، وهو لا ينحصر فى شىء بعينه كما ترى، بل يعم كل ما يؤديه البشر من أعمال، فهل فى القرآن أو فى أحاديث النبى محمد ما يدل على أن الجهاد فى الإسلام ينحصر فى القتال وأن الغاية منه هى إكراه الآخرين بقوة السيف على الدخول فيه رغم أنوفهم وعكس اقتناعهم؟
لننظر أولا فى القرآن المجيد، فماذا نجد؟ لقد ورد "الجهاد" فى عدد من السياقات والمعانى المختلفة: فمنها مثلا قوله تعالى فى سورتى "العنكبوت" و"لقمان" على التوالى يوصى المسلم بأبويه خيرا ويشدد عليه فى الإحسان لهما حتى لو حاولا بكل ما عندهما من جهد أن يصداه عن دينه ويعيداه إلى الشرك الذى لا يقبله عقله ولا يرتاح إليه ضميره: "وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)"، "وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)". ولا أظن أن هناك عاقلا يقول إن "الجهاد" هنا هو قتال غير المسلم لإكراهه على ترك دينه والتحول عنه إلى دين محمد عليه الصلاة والسلام، أو إنه قتال الوالدين لابنهما بالسيف كى يترك الإسلام ويرتد إلى الكفر والعياذ بالله، بل المعنى فى الآيتين هو بذل الوالدين كل ما عندهما من جهد فى التأثير على ابنهما وصَدِّه عن دين الله. وصيغة "فاعَلَ" هنا تعنى أن كلا الطرفين يبذل جهده فى مواجهة الآخر: المشرك لفتنة المسلم عن دينه، والمسلم للاستمساك بدينه والحفاظ عليه وعدم الضعف أمام ضغط والديه، مع إحسان صحبتهما رغم ذلك كله. والآيات السابقة على آية سورة "العنكبوت" مباشرة تشير إلى مدى النَّصَب والمعاناة اللذين كان المسلمون يتعرضون لهما آنذاك: "الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)". والمعنى أن للإيمان ضريبته المكلفة، وأن الأمر ليس مجرد شقشقة باللسان، بل هناك الفتن الفادحة. والمؤمن الحقيقى هو الذى يصبر ويجاهد ويتمسك بإيمانه لا يفرّط فيه مهما تكن شدة تلك الفتن.
وفى سورة "العنكبوت" أيضا نقرأ قول الحق تبارك وتعالى: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)". وهذه السورة، كما هو معلوم، سورة مكية. أى نزلت قبل أن يكون هناك قتال بين المسلمين والكفار، ومن ثم فالجهاد هنا لا يعنى إلا صبر المسلم على ما كان يلقاه على أيدى المشركين من أذى وضر، والاستمساك بدينه فى وجه هذا البلاء وعدم التفريط فيه تحت أى ظرف من الظروف. وكثيرا ما كان الصحابة يشكون للنبى ما ينزل بهم من جهد، يريدون أن يردّوا على الإساءة بمثلها، لكنه صلى الله عليه وسلم كان ينصحهم بالصبر والتحمل إلى أن يجعل الله لهم من ذلك العناء فرجا ومخرجا. ومن نفس الوادى الآية الثانية والخمسون من سورة "الفرقان": "وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً (32) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً (34)... وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) ... وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (50) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)".
وواضح هنا أيضا أن الجهاد لا يعنى القتال، إذ "الفرقان" هى إحدى سور القرآن المكى، ولم يكن المسلمون قد سُمِح لهم بَعْدُ أن يردّوا العدوان بمثله، بل كان الشعار آنذاك هو الصبر والإغضاء على الأذى كما تَقَدَّم بيانه. لكن لما زاد الأمر عن حده ولم يعد هناك مفر من المواجهة بعد أن قدّموا كل ما يمكنهم تقديمه من التسامح والعفو ولم يأت شىء من ذلك بثمرة، كان لا بد لهم من قتالِ مَنْ قاتلهم وضَرْبِ من يضربهم، فالعين بالعين، والسن بالسن، والبادئ أظلم. وهذه هى الحياة، وإلا أكل القوىُّ الوقحُ الحيىَّ المسالم. لكن ليس فى القرآن أى كلام عن إجبار الآخرين على اعتناقه، فالإسلام لم يعرف ما عرفته الكنيسة من التسلط على العقول وترويع الآخرين والتفتيش فى ضمائرهم وتعذيبهم وتحريقهم حتى يدخلوا فى دينها، وذلك رغم ما تتشدق به الكنيسة من كلام جميل عن التسامح المطلق الذى يوجب على صاحبه أن يدير خده الأيسر لمن يصفعه على خده الأيمن... إلى آخر هذا الكلام الذى لا يصلح لدنيا البشر إلا لوقت معلوم وفى ظروف خاصة، ويقتصر على خلافات الأفراد داخل المجتمع الواحد، وإلا كانت كارثة. وفى القرآن آيات متعددة توصى بالصبر وعدم الرد على السيئة بمثلها، وآيات أخرى تخير المسلم بين الرد والعفو، مع تحبيب الأخير له. وهو ما يدل على أنه لا فرق بين الإسلام والنصرانية فى تحبيب العفو إلى البشر، ولكن إلى حين. ومرة أخرى ينبغى ألا ننسى أن المسيح عليه السلام لم يمكث بعد أن جاءه الوحى أكثر من ثلاث سنوات، على حين أن نبينا صلى الله عليه وسلم قد مكث فى مكة يصبّر أتباعه لا ثلاث سنوات وحسب، بل ثلاثَ سنواتٍ وفوقها عَشْر. كما أن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يكن حاكما على دولة ولا تحت يده أمة هو مسؤول عنها وعن مصيرها مثلما حدث مع النبى بعد الهجرة إلى المدينة، وإلا أفيستطيع أحد أن يزعم أنه كان سيجرى على هذه السنّة إلى أبد الآبدين؟ فمن الذى قال إذن: ما جئت لأُلْقِىَ سلاما بل سيفا؟ إنه المسيح نفسه وليس أحدا آخر سواه.
وعلى هذا فإن قوله عز شأنه فى آخر سورة "الحج": "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)" لا يمكن أن يكون معناه شيئا آخر غير بذل الوسع لإرضاء الله فى كل أمر يستطيعه الإنسان. والأمور التى يستطيعها الإنسان ويرضى ربه بها لا تنتهى، لأنها تشمل كل أمور الحياة من زراعة وتجارة وصناعة وتعليم ودراسة وقراءة وكتابة وسياسة وسفارة وطِبَابة ونجارة وسباكة وخراطة وحدادة، وكذلك قتال العدو المغير بطبيعة الحال كأمريكا وبريطانيا ودول الغرب التى تعاونهما الآن. فعلى المسلم أن يجاهد فى ترقية حياته وحياة أمته وحياة الإنسانية كلها. ولا شك أن كسل المسلم الآن وعدم تنبهه إلى قيمة الجهاد هو الذى أدى به إلى هذا المأزق العسير المؤلم الذى يئنّ منه فى هذه الأيام النَّحِسات، وهو يستحقه إلى حد كبير لأنه أضاع الفرصة تلو الفرصة على مدى قرون كاملة حتى انتهى به الأمر إلى وضعه البائس الحالى الذى جَرّأ عليه أعداءه تلك الجرأةَ المهينةَ التى نبلوها ونذوق كأسها المرة كاملة كل يوم والتى سيكون حساب الأمة عنها فى غاية العسر يوم القيامة، ولاتَ ساعةَ مَنْدَم.
فإذا تحولنا بوجوهنا إلى أحاديث سيد المرسلين ألفينا النصوص الشريفة التالية: ففى صحيح البخارى نقرأ هذا الحديث الذى يجيب فيه الرسول الكريم على سؤال لعائشة يتعلق بحكم اشتراك النساء فى القتال مع الرجال: "قلت: يا رسول الله، ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور. فقالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم". فها هنا نراه صلى الله عليه وسلم يعد الحج من الجهاد، بل أحسن الجهاد وأجمله. وفى صحيح البخارى أيضا: "قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أجاهد؟ قال: لك أبوان؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهِدْ". وهنا كذلك يعدّ النبى عليه السلام قيام الابن بحاجة والديه جهادا فى سبيل الله. وفى مسند أبى دواود: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم"، وهو ما يدل على أن جهاد الأعداء لا يكون بالقتال فقط، بل بالمال وبالكلمة أيضا كالذى كان يفعله حسان بن ثابت، فإنه كان يجاهد بشعره وفنه. وفى ابن عساكر: "قيل لابن عباس: قد قَدِم حسّان اللعين. قال ابن عباس: ما هو بلعين! قد جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ولسانه". أى أن ما يفعله واحد مثلى الآن بقلمه (أو بالأحرى: بــ"كاتوبه"، إذ لم أعد أكتب بالقلم بل بالكاتوب مباشرة)، يدخل فى باب الجهاد، وإن كان الأجر متوقفا على أن أكون مخلصا فى علمى لا أبتغى فيه السمعة ورئاء الناس وأن أكون قد بذلت أقصى جهدى حتى تبين لى أن هذا الأسلوب هو الأسلوب السليم وليس مجرد حماسة هوجاء لا عقل لها ولا هدف واضح أمامها، وهذا أمر لا يبت فيه إلا الله سبحانه. وفى صحيح الترمذى: "المجاهد من جاهد نفسه"، أى كف عن الشهوات وقام بواجب الطاعة لله سبحانه وبذل وسعه فى عمله وشمر عن ساعد الجِدّ فى ساح العمل والإنتاج، ولم يركن إلى الكسل أو الغش أو الاحتكار أو أسلوب سلق البيض، بل صبر على تكاليف الإتقان والتدقيق والإبداع والسعى فى طلب العلم، فإن كل هذه مشقات تكرهها النفس عادة ولا تريد أن تتجشم فيها شيئا من التعب لو أمكن، فبيّن النبى عليه السلام أن الجهاد الحقيقى هو جهاد النفس بصَبْرها على تأدية الواجب، ومَنْعها من مقارفة المعصية، وما أكثر الواجبات، وما أكثر المعاصى! ومما رواه ابن تيمية من الأحاديث الشريفة قوله صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هجر السيئات، والمجاهد من جاهد نفسه لله". فقد جعل النبى الجهاد هو جهاد النفس، وهذا هو ما قلناه ونقوله، وهو لا يلغى الجهاد الذى هو قتال العدو بالسيوف والبنادق والمدافع والصواريخ والدبابات وما أشبه، بل يشمله فيما يشمل، إذ هو لون من مجاهدات النفس قد يكون أفضلها فى بعض الأحيان، وقد يكون غيره أفضل منه، وقد تكون ألوان الجهاد كلها متساوية، وكل ذلك حسبما تقتضيه الظروف، إلا أنه ليس اللون الوحيد على أية حال. ومثله ما رواه الحافظ العراقى من قوله عليه السلام: "المهاجر من هجر السوء، والمجاهد من جاهد هواه". وفى الصحيح الجامع للألبانى: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسُنّته ويتقيدون بأمره. ثم إنها تَخْلُفُ من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". وفى صحيح الترمذى: "إن من أعظم الجهاد كلمةَ عدلٍ عند سلطانٍ جائر"، وهو مما ينقص أمة الإسلام اليوم إلى حد كبير، إذ كلنا (إلا من رحم الله، وقليل ما هم) نخشى السلطان الجائر، وكثير منا ينافقونه ويُورِدونه ويُورِدون أنفسَهم والأمةَ كلها معهم موارد الهلكة كالذى نحن فيه الآن.
إذن فالجهاد ليس هو القتال ضربة لازب، كما أنه لا يعنى قتال الآخرين بغية إكراههم على اعتناق الإسلام، والدليل على هذا هو قوله سبحانه وتعالى من سورة "البقرة": "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)". فمن البيّن الذى لا يمكن الجدال فيه أن الإسلام لا يقرّ العدوان من جانب المسلمين أبدا، بل يقيم تعامله مع المشركين على أساس من مواقفهم: فإن قاتلوا المسلمين فعلى المسلمين مقاتلتهم، وإن كفوا أيديهم عنهم سكت المسلمون كذلك... وهكذا. وفى قوله جل جلاله من سورة "الأنفال": "إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)" نبصر بكل وضوح واطمئنان أن المشركين إذا غدروا بالمسلمين ولم يوفوا بما عقدوه معهم من عهد كان للمسلمين أن يقاتلوهم ويقتلوهم، فإذا جنحوا للسلم وجب على المسلمين الجنوح إليها والتوكل على الله، وإذا شعروا أن هناك نية غدر فأقصى ما يستطيعونه أن يعالنوهم بأنه لا معاهدة بينهم منذ اليوم: هكذا بكل وضوح، ودون مبادلةٍ لغَدْرهم بغَدْرٍ مثله.
وبنفس العين ينبغى أن نقرأ قوله عز شأنه فى مفتتح سورة "التوبة": "بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاَّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)". فالكلام هنا أيضا عن المشركين الذين كانت بينهم وبين المسلمين عهود فنقضوها ولم يَرْعَوْا فيها ولا فيهم إلاًّ ولا ذمةً، فكان على المسلمين أن يعاملوهم بذات اللغة التى لا يفهمون سواها، وذلك بعدما جرب المسلمون معهم ألوان التسامح حتى باخت المسألة ولم يعد لها من معنى. ورغم ذلك ينبغى ألا يفوتنا الأمر القرآنى فى هذه الآيات بإجارة المشرك الذى يستجير فى هذه الظروف المتوترة بالمسلمين وحمايته إلى أن يسمع كلام الله فى جو هادئ فلا تكون له أية حجة فى غدره بما بينه وبينهم من معاهدات بعد هذا، ثم عليهم فوق ذلك أن يوصّلوه إلى مضارب قبيلته آمنا مطمئنا. فما الذى يراد من المسلمين بعد ذلك كله؟ أيجب عليهم أن يضربوا للخائن الغادر تعظيم سلام ويقيموا له تمثالا ويجعلوا من غدره مثالا أعلى وذكرى ينبغى أن تُحْتَرَم؟
كذلك فشريعة الكتاب المقدس لا تعرف فى تلك الحالة إلا الاستئصال التام لكل ذى روح، بشرا كان أو حيوانا، لا دفع الجزية والإبقاء على حياة الأعداء واحترام عقائدهم. يقول الإصحاح العشرون من سفر التثنية: "16وَأَمَّا مُدُنُ هؤُلاَءِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا فَلاَ تَسْتَبْقِ مِنْهَا نَسَمَةً مَّا، 17بَلْ تُحَرِّمُهَا تَحْرِيمًا: الْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، كَمَا أَمَرَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، 18لِكَيْ لاَ يُعَلِّمُوكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا حَسَبَ جَمِيعِ أَرْجَاسِهِمِ الَّتِي عَمِلُوا لآلِهَتِهِمْ، فَتُخْطِئُوا إِلَى الرَّبِّ إِلهِكُمْ"، والمقصود بالتحريم هنا هو الاستئصال. وفى الإصحاح الخامس عشر من سفر صموئيل الأول: "1وَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «إِيَّايَ أَرْسَلَ الرَّبُّ لِمَسْحِكَ مَلِكًا عَلَى شَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ. وَالآنَ فَاسْمَعْ صَوْتَ كَلاَمِ الرَّبِّ. 2هكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ مَا عَمِلَ عَمَالِيقُ بِإِسْرَائِيلَ حِينَ وَقَفَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ صُعُودِهِ مِنْ مِصْرَ. 3فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا»". وبالمناسبة فمصر هذه الأيام تغلى، أقصد أن شرفاءها (شرفاءها فقط) يغلون بل تحترق قلوبهم على الجنود والضباط والمدنيين المصريين الذين قتلوا فى سيناء عقب هزيمة 1967م المخزية وبعد استسلام الجيش المصرى فى عهد البطل خالد الذكر (!) جمال عبد الناصر، الذى يتصور بعض السُّذَّج أنه لو كان حيًّا الآن لكان لقَّن إسرائيل والولايات المتحدة درسا لا تنسيانه. وهذا التصرف من جانب اليهود لا يمكن فهمه على وجهه السليم إلا فى ضوء نصوص العهد القديم الإجرامية المتوحشة. جاء فى مقال منشور فى 12/ 3/ 2007م بجريدة "المصريون" بعنوان "رحبت بتصريحات أبو الغيط واعتبرتها إيجابية- إسرائيل تدرس دفع تعويضات لذوي ضحايا مجزرة الأسرى في حرب 67" عن المجزرة التى تم فيها قتل 250 جنديا مصريا فى سيناء رغم  استسلامهم بعد هزيمة 1967م أن "الكثيرين من الجنود (الإسرائيليين) المتورطين في المجزرة التي عرضتها القناة الأولى بالتلفزيون الإسرائيلي في 26 فبراير الماضي اعترفوا بأنهم قتلوا الجنود المصريين مدفوعين بشهوة الانتقام، وتطبيقا لتعليمات عسكرية من قادتهم. وقالوا إن بن أليعاز شارك بنفسه في عمليات مطاردة الجنود المصريين المنسحبين وقتلهم بدم بارد حيث كان يرغمهم على النوم على الأرض على وجوههم بعد تقييد أيديهم من الخلف ثم يطلق عليهم الرصاص من خلف الرأس. وأشاروا إلى أن الأوامر الصادرة إليهم من بن أليعازر كانت تقضي بإطلاق الرصاص على الجنود المصريين العُزْل حتى بعد أن كانوا يرفعون إيديهم مستسلمين". ويزيد الأستاذ جمال أسعد القبطى الأمر تفصيلا فيقول فى نفس الجريدة فى اليوم التالى تحت عنوان "دم الأسرى في رقابنا جميعا": "هل اكتشفنا مؤخرا أن إسرائيل دولة عنصرية استعمارية تخالف القانون الدولي، ليس في سلوكها فحسب، ولكن في نشأتها ذاتها كدولة تخالف قرارات مجلس الأمن؟ وهل هناك جديد في قضية قتل وسحق إسرائيل للأسرى المصريين في حربي 56، 67 بعد إذاعة الفيلم الإسرائيلي في القناة الأولى للتليفزيون الإسرائيلي باسم روح شاكيد "الصفوة"؟ نقول لكل من ينسى أو يتناسى أن قضية الأسرى المصريين في إسرائيل لم تكن هذه المرة الأولى التي أثيرت فيها بمناسبة ذلك الفيلم، ولن تكون الأخيرة. فقد أثيرت تلك القضية عام 1996 وعام 2000 عند الانتفاضة الفلسطينية الثانية من خلال منظمات شعبية وسياسية. كما أن تلك القضية الهامة والحساسة والتي تمس شرف العسكرية المصرية وكيان المواطن المصري نتيجة لتلك الممارسات الإسرائيلية الحقيرة في حق أسرانا قد تم رصدها وتسجيلها. كما توجد وثائق وسجلات لدى القوات المسلحة المصرية ولدى منظمات العمل الأهلي وحقوق الإنسان، وذلك من خلال رصد ومقابلة وشهادات واعترافات الأسرى المصريين العائدين والناجين من المجازر الإسرائيلية. وذلك بما لا يدع مجالا لأي شك في تلك الممارسات اللاإنسانية في حق أسرانا. فلا فيلم روح شاكيد ولا اعترافات بن إليعزر أضافت جديدا في هذا الموضوع، غير أن هذا الفيلم يعتبر نوعا من الاعتراف المباشر على اقتراف تلك المجازر والتي من الواجب استعمالها واستغلالها أحسن استغلال في فضح وكشف تلك الجرائم. فالقضية أكبر من إعدام 250 أسير لا يحملون سلاحا بل لا يرتدون ملابس عسكرية. فالممارسات الإسرائيلية في حق أسرانا تجاوزت كل الحدود وانتهكت كل الأعراف وأسقطت كل القوانين، فقد تم قتل الأسرى بالمئات في مذابح بشرية ودفنهم أحياء ودهسهم تحت جنازير الدبابات وإعدام كل من يطلب قطرة ماء بالرصاص وضربهم بالنابالم في وجوههم. بل وصل الأمر بأنه كان يُطْلَب من الأسير أن يحفر قبره بنفسه، ثم يتم إطلاق النار عليه وهو في القبر، ثم يتم دفنه قبل أن تفارق روحه الحياة. والغريب في الأمر أن تلك الممارسات الفظيعة ليست نتاج اعترافات أسرى مصريين أو من خلال مصادر مصرية فقط، ولكن الأهم أن تلك الممارسات قد تم الاعتراف بها من قِبَل فاعليها من العسكريين الإسرائيليين مثل شارون زيف، الذي اعترف بأنه قد قذف قنبلة في شاحنة ممتلئة بالمصريين، وعاموس فئمان، الذي قال: طاردنا المصريين وقتلناهم بلا أي قواعد. ناهيك عن التجارة بأعضاء الأسرى المصريين في أوروبا وإسرائيل. فهل يوجد سلوكيات أحقر من هذا في حق المقاتل المصري الأسير الذي من المفترض أن يحميه القانون الدولي واتفاقات جنيف الأربعة عام 1949 والتي تعتبر أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم؟ مع العلم أن نظرة سريعة على تلك الاتفاقات تجد أن إسرائيل قد اقترفت من الجرائم ما لا يحصى مثل القتل العمد، التعذيب، المعاملة غير الإنسانية، إجراء تجارب بيولوجية على أشخاص غير مسلحين، الحرمان من الحق في محاكمة منصفة وعادلة، وانتهاك الكرامة الإنسانية وغيرها غيرها من اتهامات. فماذا بعد؟ وما هي الأسباب الواضحة والخفية في وجود هذا التقاعس لإثارة تلك القضية وإحياؤها مصريا ودوليا؟ وهل هناك علاقة فعلا بين عدم الجدية في الحصول على حقوقنا من إسرائيل تجاه تلك القضية وبين ما يسمى بمعاهدة السلام؟ وهذا واضح بدليل أنه حتى هذه اللحظة فالذي يثير تلك القضية في أوقات متفرقة هي المنظمات الشعبية والأهلية، ولا نرى موقفا جادا من الخارجية أو الحكومة غير الإستدعاءات والاستفسارات. وهل منعت معاهدة السلام إسرائيل من أن تمارس تلك الممارسات اللاإنسانية والغير قانونية؟ والغريب أن وزيرة خارجية إسرائيل تقول أننا الآن في سلام مع مصر فلا يجب أن ننظر إلى قضايا قديمة مضى عهدها. وبالرغم من عدم تقادم تلك القضايا فإننا نسأل السيدة الوزيرة: هل أسرانا هم أقل رتبة من أسراكم؟ أم أنتم شعب الله المختار؟ وإذا كان ما فات مات فلماذا طالبتم وما زلتم تطالبون وتستغلون ما يسمى بالهولوكوست ضد ألمانيا وأوروبا؟ ولماذا قد حصلتم على نحو 800 مليار دولار تحت بند ما يسمى بالتعويض المادي؟ وهذا غير المكاسب السياسية التي لا تقدَّر مثل حصولكم على وثيقة ما يسمى بتبرئة اليهود من دم المسيح من الكنيسة الكاثوليكية، وكذلك تهديدكم سياسيا للعالم كله بتلك المحرقة حتى أصبح الآن هناك قوانين تخدم ما يسمى بالإساءة للسامية، وكأن اليهود هم وحدهم الساميون. ولماذا نذهب بعيدا، ونسأل أيضا: ماذا تفعل إسرائيل حيال أسراها؟ ولماذا قامت بشن الحرب السادسة الإسرائيلية ضد لبنان بحجة استرداد أسيرين قام حزب الله بأسرهما؟ وماذا كانت نتيجة تلك الحرب؟ وما هي الخسارة اللبنانية في مقابل أسيرين ما زالا أحياء؟ وكم دفع الفلسطينيون دما وأرواحا ومنازلا مقابل أسير واحد لم يمس بأذى؟ فلا شك أن اتفاقيات السلام لا تعني شيئا بالنسبة لإسرائيل، فهي لا يعنيها ولا يهمها سوى أن تكون نموذجا للدولة العنصرية، عميلة لأي قوى كبرى في المنطقة. فهل السلام المصري الإسرائيلي منع تلك الدول من التجسس على مصر؟ فلماذا التحجج بهذا السلام البارد والذي هو يعني الحكومات وليس الشعوب؟ ولماذا لا نتعامل مع إسرائيل بمثل ما تعاملنا؟ وهنا نقول: ماذا فعلت إسرائيل حينما قام بعض الجنود المصريون بضرب بعض الإسرائيليين؟ قامت الدنيا ولم تقعد وحصلت إسرائيل على تعويضات واعتذارات. وماذا حصلنا نحن عندما قام جنود إسرائيليون بقتل جنود مصريين؟ وهنا لا تقول أنها صدفة وبدون قصد. فهل نعلم ماذا تدرس إسرائيل لطلابها، وفي ضوء السلام هذا؟ وماذا تدّعي من أكاذيب وافتراءات على مصر وتاريخ مصر؟ وهل نعلم أن عقيدة هؤلاء تعتبر أن قتل الأسرى المصريين واجبا مقدسا لأنهم أبناء عاهرات مثلما جاء في جريدة "الفجر"؟ وهنا فما حدث في حق أسرانا قد فاق كل الحدود وتجاوز كل الآفاق، ومصر لن تخضع لأي أحد تحت أي معاهدة. وكرامة المصري هي أهم ما يملك. ودَوْر الحكومة، أيّ حكومة، هو الحفاظ على المواطن وكرامته. فهل يمكن البدء فورا في اتخاذ قرارات تحفظ حقوقنا وتعيدها إلينا؟ هل من حملة منظمة للعالم كله ضد تلك الممارسات؟ أين حقوق الإنسان؟ وأين المنظمات الدولية والقوانين الدولية؟ أم أن تلك المنظمات وهذه القوانين لا تتحرك ولا تفعل إلا للإسرائيلي أو الأمريكي أو الأوروبي، ولا تحل للعربي أو الشرقي؟ فلماذا لا يتم سحب السفير المصري من إسرائيل؟ وكيف كانت تلك الدعوة للقاتل السفاح بن إليعزر، والأجهزة تعلم فعلته الخسيسة؟ لمصر حقها. لا ولن يضيع طالما هناك شعب يعتز بكرامته، ولن يضيع حق وراءه مطالب. ولن يحفظ كرامتنا إلا نحن. وقضية الأسرى لن تموت مهما تم التغطية عليها أو التعتيم حولها

Open source productions