هتك الستار عما فى رسالة الكندىّ الحِمَار من عُوَار ج3

وفى الإصحاح الأول من سفر "صموئيل الأول" نقرأ مثالا آخر من سلوك بنى إسرائيل مع الآخرين فى أمور الحرب والعقاب: "1وَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «إِيَّايَ أَرْسَلَ الرَّبُّ لِمَسْحِكَ مَلِكًا عَلَى شَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ. وَالآنَ فَاسْمَعْ صَوْتَ كَلاَمِ الرَّبِّ. 2هكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ مَا عَمِلَ عَمَالِيقُ بِإِسْرَائِيلَ حِينَ وَقَفَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ صُعُودِهِ مِنْ مِصْرَ. 3فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا». 4فَاسْتَحْضَرَ شَاوُلُ الشَّعْبَ وَعَدَّهُ فِي طَلاَيِمَ، مِئَتَيْ أَلْفِ رَاجِل، وَعَشَرَةَ آلاَفِ رَجُل مِنْ يَهُوذَا. 5ثُمَّ جَاءَ شَاوُلُ إِلَى مَدِينَةِ عَمَالِيقَ وَكَمَنَ فِي الْوَادِي. 6وَقَالَ شَاوُلُ لِلْقَيْنِيِّينَ: «اذْهَبُوا حِيدُوا انْزِلُوا مِنْ وَسَطِ الْعَمَالِقَةِ لِئَلاَّ أُهْلِكَكُمْ مَعَهُمْ، وَأَنْتُمْ قَدْ فَعَلْتُمْ مَعْرُوفًا مَعَ جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ صُعُودِهِمْ مِنْ مِصْرَ». فَحَادَ الْقَيْنِيُّ مِنْ وَسَطِ عَمَالِيقَ. 7وَضَرَبَ شَاوُلُ عَمَالِيقَ مِنْ حَوِيلَةَ حَتَّى مَجِيئِكَ إِلَى شُورَ الَّتِي مُقَابَِلَ مِصْرَ. 8وَأَمْسَكَ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيقَ حَيًّا، وَحَرَّمَ جَمِيعَ الشَّعْبِ بِحَدِّ السَّيْفِ. 9وَعَفَا شَاوُلُ وَالشَّعْبُ عَنْ أَجَاجَ وَعَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالثُّنْيَانِ وَالْخِرَافِ، وَعَنْ كُلِّ الْجَيِّدِ، وَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يُحَرِّمُوهَا. وَكُلُّ الأَمْلاَكِ الْمُحْتَقَرَةِ وَالْمَهْزُولَةِ حَرَّمُوهَا. 10وَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى صَمُوئِيلَ قَائِلاً: 11«نَدِمْتُ عَلَى أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ شَاوُلَ مَلِكًا، لأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ وَرَائِي وَلَمْ يُقِمْ كَلاَمِي». فَاغْتَاظَ صَمُوئِيلُ وَصَرَخَ إِلَى الرَّبِّ اللَّيْلَ كُلَّهُ. 12فَبَكَّرَ صَمُوئِيلُ لِلِقَاءِ شَاوُلَ صَبَاحًا. فَأُخْبِرَ صَمُوئِيلُ وَقِيلَ لَهُ: «قَدْ جَاءَ شَاوُلُ إِلَى الْكَرْمَلِ، وَهُوَذَا قَدْ نَصَبَ لِنَفْسِهِ نَصَبًا وَدَارَ وَعَبَرَ وَنَزَلَ إِلَى الْجِلْجَالِ». 13وَلَمَّا جَاءَ صَمُوئِيلُ إِلَى شَاوُلَ قَالَ لَهُ شَاوُلُ: «مُبَارَكٌ أَنْتَ لِلرَّبِّ. قَدْ أَقَمْتُ كَلاَمَ الرَّبِّ». 14فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «وَمَا هُوَ صَوْتُ الْغَنَمِ هذَا فِي أُذُنَيَّ، وَصَوْتُ الْبَقَرِ الَّذِي أَنَا سَامِعٌ؟» 15فَقَالَ شَاوُلُ: «مِنَ الْعَمَالِقَةِ، قَدْ أَتَوْا بِهَا، لأَنَّ الشَّعْبَ قَدْ عَفَا عَنْ خِيَارِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ لأَجْلِ الذَّبْحِ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. وَأَمَّا الْبَاقِي فَقَدْ حَرَّمْنَاهُ». 16فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «كُفَّ فَأُخْبِرَكَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ إِلَيَّ هذِهِ اللَّيْلَةَ». فَقَالَ لَهُ: «تَكَلَّمْ». 17فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «أَلَيْسَ إِذْ كُنْتَ صَغِيرًا فِي عَيْنَيْكَ صِرْتَ رَأْسَ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ وَمَسَحَكَ الرَّبُّ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، 18وَأَرْسَلَكَ الرَّبُّ فِي طَرِيق وَقَالَ: اذْهَبْ وَحَرِّمِ الْخُطَاةَ عَمَالِيقَ وَحَارِبْهُمْ حَتَّى يَفْنَوْا؟ 19فَلِمَاذَا لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ، بَلْ ثُرْتَ عَلَى الْغَنِيمَةِ وَعَمِلْتَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ؟». 20فَقَالَ شَاوُلُ لِصَمُوئِيلَ: «إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ لِصَوْتِ الرَّبِّ وَذَهَبْتُ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي أَرْسَلَنِي فِيهَا الرَّبُّ وَأَتَيْتُ بِأَجَاجَ مَلِكِ عَمَالِيقَ وَحَرَّمْتُ عَمَالِيقَ. 21فَأَخَذَ الشَّعْبُ مِنَ الْغَنِيمَةِ غَنَمًا وَبَقَرًا، أَوَائِلَ الْحَرَامِ لأَجْلِ الذَّبْحِ لِلرَّبِّ إِلهِكَ فِي الْجِلْجَالِ». 22فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاشِ. 23لأَنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ. لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ رَفَضَكَ مِنَ الْمُلْكِ».24فَقَالَ شَاوُلُ لِصَمُوئِيلَ: «أَخْطَأْتُ لأَنِّي تَعَدَّيْتُ قَوْلَ الرَّبِّ وَكَلاَمَكَ، لأَنِّي خِفْتُ مِنَ الشَّعْبِ وَسَمِعْتُ لِصَوْتِهِمْ. 25وَالآنَ فَاغْفِرْ خَطِيَّتِي وَارْجعْ مَعِي فَأَسْجُدَ لِلرَّبِّ». 26فَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «لاَ أَرْجعُ مَعَكَ لأَنَّكَ رَفَضْتَ كَلاَمَ الرَّبِّ، فَرَفَضَكَ الرَّبُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ». 27وَدَارَ صَمُوئِيلُ لِيَمْضِيَ، فَأَمْسَكَ بِذَيْلِ جُبَّتِهِ فَانْمَزَقَ. 28فَقَالَ لَهُ صَمُوئِيلُ: «يُمَزِّقُ الرَّبُّ مَمْلَكَةَ إِسْرَائِيلَ عَنْكَ الْيَوْمَ وَيُعْطِيهَا لِصَاحِبِكَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. 29وَأَيْضًا نَصِيحُ إِسْرَائِيلَ لاَ يَكْذِبُ وَلاَ يَنْدَمُ، لأَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانًا لِيَنْدَمَ». 30فَقَالَ: «قَدْ أَخْطَأْتُ. وَالآنَ فَأَكْرِمْنِي أَمَامَ شُيُوخِ شَعْبِي وَأَمَامَ إِسْرَائِيلَ، وَارْجعْ مَعِي فَأَسْجُدَ لِلرَّبِّ إِلهِكَ». 31فَرَجَعَ صَمُوئِيلُ وَرَاءَ شَاوُلَ، وَسَجَدَ شَاوُلُ لِلرَّبِّ. 32وَقَالَ صَمُوئِيلُ: «قَدِّمُوا إِلَيَّ أَجَاجَ مَلِكَ عَمَالِيقَ». فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَجَاجُ فَرِحًا. وَقَالَ أَجَاجُ: «حَقًّا قَدْ زَالَتْ مَرَارَةُ الْمَوْتِ». 33فَقَالَ صَمُوئِيلُ: «كَمَا أَثْكَلَ سَيْفُكَ النِّسَاءَ، كَذلِكَ تُثْكَلُ أُمُّكَ بَيْنَ النِّسَاءِ». فَقَطَعَ صَمُوئِيلُ أَجَاجَ أَمَامَ الرَّبِّ فِي الْجِلْجَالِ. 34وَذَهَبَ صَمُوئِيلُ إِلَى الرَّامَةِ، وَأَمَّا شَاوُلُ فَصَعِدَ إِلَى بَيْتِهِ فِي جِبْعَةِ شَاوُلَ. 35وَلَمْ يَعُدْ صَمُوئِيلُ لِرُؤْيَةِ شَاوُلَ إِلَى يَوْمِ مَوْتِهِ، لأَنَّ صَمُوئِيلَ نَاحَ عَلَى شَاوُلَ. وَالرَّبُّ نَدِمَ لأَنَّهُ مَلَّكَ شَاوُلَ عَلَى إِسْرَائِيلَ".
والآن فلنقارن ما صنعه الرسول الكريم مع اليهود بما تأمرهم به شريعتهم أن يصنعوه مع الأمم الأخرى فى أمور أهون مما فعلوه مع المسلمين بمراحل ومراحل بحيث لا يوجد فى الواقع أى وجه للمقارنة لا بين الجُرْمَيْن ولا بين العقابين. ومع هذا يتباكى الأفاق كالنساء نفاقا وتظاهرا بالرقة والشفقة، وإنما هو الكيد لمحمد عليه الصلاة والسلام ولدينه! ولقد يقال إن عيسى عليه السلام لم يكن يعاقب أحدا، بل كان يدعو للتسامح. لكن ينبغى ألا ننسى أنه عليه السلام لم يكن فى يده أية سلطة حتى يقال إنه كان يتبع سياسة العفو، إذ العفو لا يكون إلا عن قدرة، وهو لم يكن يملك أية سلطة تخوّله معاقبة الجناة والمعتدين، لأنه لم يكن حاكما ولا حتى قاضيا، بل كان مجرد داعية. ومع هذا فقد قال بصريح اللفظ إنه إنما أُرْسِل بالسيف والنار وإثارة البيت الواحد بعضه على بعض. كل ما فى الأمر أنه لم يكن قد مر وقت كاف لتحوله وأتباعه من تلقى الأذى إلى الرد عليه بمثله كما تقضى الطبيعة البشرية وأوضاع العمران وقوانينه فى كل مكان وزمان، وإلا فسدت الأرض وطغى فيها المجرمون وتكبروا وبَغَوْا وقتلوا الأبرياء وسرقوهم واغتصبوا أموالهم وممتلكاتهم واعتدَوْا على نسائهم وأخرجوهم من بلادهم وبيوتهم كما يحلو لهم. ولقد صبر النبى محمد وأتباعه فى مكة على مدى ثلاثة عشر عاما لا ثلاثة فقط كما هو الوضع فى حالة عيسى، عليهما جميعا الصلاة والسلام، كما أن النبى العربى لم يكن ينتقم لنفسه قط، فهو أكبر من ذلك تماما، بل كان يعمل على حماية الدولة الناشئة والأمة البازغة التى تنوشها الرياح وتتعاروها السيوف والسهام والرماح من كل جانب، وبخاصة من قِبَل الخونة الغدارين من يهود، أولئك الذين عاملهم أعظم معاملة وسوى بينهم وبين المسلمين وأمّنهم على أنفسهم وأموالهم ودينهم ومعابدهم واحترم إنسانيتهم وحريتهم، إلا أنهم أثبتوا أنهم لا يتعلمون الدرس أبدا، فأخذوا منذ اللحظة الأولى يتآمرون عليه ويحرّضون المشركين على حربه ويسخرون منه ومن دينه، وهو يغضى عنهم، وإذا اضْطُرّ لمعاقبتهم اكتفى، فى حالة الجريمة الفردية، بالتخلص من المجرم وحده فى هدوء كيلا يثير فتنة أكبر، وينتهى كل شىء فى السر كما كان المجرم يرتكب خيانته فى السر، أما فى حالة الجريمة الجماعية فكان يكتفى بإخراجهم من بين أَظْهُر المسلمين إلى مكان آخر وحرمانهم من بعض أموالهم... إلى أن وقعت الواقعة فى غزوة الأحزاب واقترفوا جريمة الخيانة العظمى السافرة وخططوا مع الأحزاب للقضاء عليه وعلى الدين الذى جاء به والدولة التى بناها بشِقّ الأََنْفُُس، فلما سقطوا حوكموا. وبالمناسبة فهم الذين اختاروا قاضيهم بأنفسهم، وهو سعد بن معاذ، فكان أن حكم عليهم بقتل حَمَلة السلاح منهم، أى المتآمرين الذين كانوا يعملون على تدمير الدولة والأمة الناشئة، أما الأولاد والنساء فيُسْبَوْن. وهو، كما ترى، حكم أخف كثيرا جدا مما تأمرهم به شريعتهم فى معاقبة الأمم الأخرى على أشياء لا تساوى شيئا بجانب ما اجترحوه من جرائم شنيعة! ولو كان الرسول قد عاملهم بشريعتهم لكان قد استأصلهم منذ البداية بمجرد اجتراح أى واحد منهم جريمة فى حق المسلمين، لكنه عليه السلام صبر عليهم طويلا وسامحهم كثيرا وعاقبهم فى البداية عقوبات هينة أقرب إلى التدليل منها إلى ما كانوا يؤمنون به ويمارسونه فى دينهم من عقاب. فلم التباكى الكاذب إذن والتظاهر الثعلبى الخبيث بالشفقة على المجرم واتهام صاحب الحق بالقسوة؟ ألا إن هذا لَقَلْبٌ للوضع برُمّته رأسا على عقب، ووضعٌ للهزل فى موضع لا يصلح فيه الهزل فى قليل أو كثير، إذ نحن أمام مصير دولة وأمة، وفى حروبٍ عَوَانٍ ومؤامرات بشعة خسيسة تريد أن تقضى على الأخضر واليابس، لا فى مباراة للتسلية!
9- ويتناول الكندى بعد ذلك ما أصاب الرسول الكريم فى غزوة أُحُدٍ من جروح، ويعدّها دليلا على أنه ليس نبيا، وإلا لكلّف الله ملائكته بوقايته من الأذى الذى أصابه. وهو كلام آخر مضحك، إذ إن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يدّع يوما أنه محصَّن من الأوجاع والآلام والجروح. كما أن نبى الله يحيى قد قُتِل وقُطِعت رأسه وقُدِّمَتْ رخيصة على صحنٍ إرضاء لراقصة عاهرة فى مشهد مأساوى مرعب كما نعلم جميعا، فلماذا لم يسأل الكندىُّ الأجربُ العقلِ والضميرِ نفسَه عن السبب الذى منع الملائكة من التدخل لحماية يحيى من هذا المصير البشع؟ ولماذا، ما دامت الملائكة لم تتدخل من أجله، لم ينف هو نبوته كما نفى نبوة محمد لمجرد إصابته بجروح فى أُحُد؟ على أنْ ليس يحيى هو وحده من بين الأنبياء الذى قُتِل، بل قُتِل أيضا زكريا بن برخيَّا بين الهيكل والمذبح. ومرة أخرى ليس زكريا ويحيى هما وحدهما من بين الأنبياء اللذين قُتِلا، بل قُتِل كذلك عيسى عليه السلام حسبما ورد فى الكتاب المقدس، وإن كنا نحن المسلمين لا نؤمن بذلك ونكفّر من يقول به. فلماذا لم يتساءل عن السبب فى أن الله لم يكلف ملائكته منع جريمة قتله صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا، وقد وقعت الجريمة ولم يحم الله عيسى، لم ينف عنه فطّاسُنا السخيفُ النبوةَ (والألوهية أيضا) مثلما أنكر على الرسول العظيم أن يكون نبيا لمجرد إصابته ببعض الجروح فى معركة حربية لا تُعَدّ الجروح التى أصابته أثناءها شيئا ذا بال على الإطلاق؟ نعم بعض الجروح التى ليست بشىء فى مقابل الصلب والقتل والشتم والبصق والضرب بالحربة فى الجنب والسخرية المرة فى حالة عيسى عليه الصلاة والسلام، ومن ثم صياحه الرهيب الذى يقطع نياط القلوب. ومرة أخرى ليس عيسى ويحيى وزكريا هم وحدهم من بين الأنبياء الذين قُتِلوا، بل قُتِل أنبياءُ آخرون غيرهم طبقا لكلام المسيح الذى سبَّ فيه بنى إسرائيل وهددهم بمصير أسود من قرن الخروب كما جاء فى الكلام المنسوب إليه صلى الله عليه وسلم: ""9وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَتُزَيِّنُونَ مَدَافِنَ الصِّدِّيقِينَ، 30وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمَا شَارَكْنَاهُمْ فِي دَمِ الأَنْبِيَاءِ. 31فَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ قَتَلَةِ الأَنْبِيَاءِ. 32فَامْلأُوا أَنْتُمْ مِكْيَالَ آبَائِكُمْ. 33أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟ 34لِذلِكَ هَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَحُكَمَاءَ وَكَتَبَةً، فَمِنْهُمْ تَقْتُلُونَ وَتَصْلِبُونَ، وَمِنْهُمْ تَجْلِدُونَ فِي مَجَامِعِكُمْ، وَتَطْرُدُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ، 35لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ. 36اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا كُلَّهُ يَأْتِي عَلَى هذَا الْجِيلِ! 37«يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! 38هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا. 39لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَني مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!»" (متى/ 24)! وهو ما قاله أيضا القرآن الكريم حين تحدث، فى أكثر من موضع منه، عن قتل اليهود للنبيين بغير حق. أما محمد فقد تكفل الله بعصمته من الناس كما ورد فى الآية السابعة والستين من سورة "المائدة"، فلم يستطع أحد أن يَخْلُص إليه رغم كثرة الحروب التى خاضها، ورغم كثرة المتآمرين عليه من منافقين ويهود ومشركين كراهيةً منهم للنور الباهر الذى أتى به، ورغم أنه لم يكن يتحصن وراء الأسوار ولا كان يتخذ الجلاوزة ليصدوا عنه الناس.
يقول الدكتور نظمى لوقا، بشىء من التصرف، فى كتابه: "وامحمداه" (دار الحمامى للطباعة/ القاهرة/ 1960م/ 37- 38)، الذى خصصه للدفاع عن سيد الأنبياء والمرسلين ضد أمثال الكندى المنافق الكذاب إن "منطق المفترين على الرسول العربى هو بعينه منطق الأكذوبة: اكذب ثم اكذب. لا تحصر همك فى  مستوى واحد من الافتراء. لا تقتصد فى المزاعم. هل يسخطك أن يؤمن ناس بصدق محمد؟ لا تكن غشيما يا صاح! لا تكتف بتجريح رسالته، ولا تقف عند القول بأنه ليس برسول، يل ليكن مرماك أبعد من هذا. ليكن مرماك تشويه سمعته باعتباره إنسانا من البشر، فمن ليس كفئا للاحترام من حيث هو رجل من آحاد الناس لن يكون كفئا لحمل أمانة الرسالة والنهوض بشرف الهداية. قل فى شخص محمد وأَعِدْ، ولا تتحرج ولا تقتصد، ولا تتقيد بدليل، ولا تأبه بتفنيد، واسْتَغِلَّ غفلة الغافلين وجهالة الجاهلين وتحيز المغرضين، فلا مأرب لك فى نصرة إلا نصرتهم. لن يسألوك على الباطل برهانا، وحسبك ما تشقى به سخائمهم إفكا وبهتانا"!
10- ومن بين تلك الأكاذيب التى يرددها الأفاقون أعداء محمد عليه الصلاة والسلام ويتشبث بها صاحبنا الكندى كما يتشبث الكلب الأجرب بعظمة بين أسنانه لا يتركها أبدا، زواجه صلى الله عليه وسلم من ابنة عمته السيدة زينب بنت جحش أم المؤمنين. يقول المجرم الأفاق: "فأما ما كان بينه وبين زينب بنت جحش امرأة زيد فإني أكره ذكر شيء منها إجلالاً لقدر كتابي هذا عن ذكرها، غير أني آتي بشيء مما حكاه في كتابه الذي يقول إنه نزل عليه من السماء إذ يقول: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ واللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَّوَجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهُ مَفْعُولاً مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (سورة الأحزاب/ 37- 38)". ظريفٌ والله هذا الأفاق! لقد بلغ من حيائه أنه لا يريد أن يتكلم فى هذا الموضوع، وكأنه يتجنب مسألة مفحشة لا يصح تناولها على الملإ، وليس زواجا طبيعيا شرعيا ليس فيه شىء البتة مما يُسْتَحَى منه، اللهم إلا عند الشواذ: شواذ العقل والضمير والجسد، إذ ماذا فى زواجه عليه الصلاة والسلام من زينب؟ وماذا فى الآية القرآنية التى ساقها هنا؟ لا شىء. نعم لا شىء بالمرة، وإلا لما تورع أن يبدئ فى الأمر ويعيد، من الصباح للمساء، ومن المساء للصباح! وأكمل أنا الأمر فأقول: إنهم يكذبون فيقولون أولا: كيف يقدم محمد على التزوج من امرأة ابنه؟ رغم أن زينب لم تكن زوجة ابنه، لسبب بسيط جدا، وهو أنه لم يكن له آنذاك ابن أصلا ولا كان له فى أى يوم من الأيام ابن بلغ مبلغ الأزواج، لأن أولاده الذكور ماتوا كلهم وهم أطفال صغار. إلا أن الأفاقين المنافقين الذين سيشويهم الله شيًّا فى نار الجحيم يتابعون الجاهليين على فهمهم وظنهم أن وضع الابن بالتبنى هو نفسه وضع الابن الحقيقى. وحتى لو كان الأمر كذلك لقد نزل القرآن قبل تلك الحادثة بما يمحو ذلك الفهم الجاهلى ويبين للمسلمين أنه لا يحق للمسلم أن يستلحق به ولدا ليس من صلبه، بل لا بد أن ينسب ذلك الولد إلى أبيه. فإذا سددنا هذه الثغرة ولم يجدوا بابا يَلِجُون منه إلى الزراية على عميد النبيين عادوا فقالوا: ولكنه كان يشتهيها، ولذلك أخذها من زيد. وهذا أيضا كذب مبين وتدليس شنيع، فإنه عليه السلام لم يأخذها من زيد، بل حين سمع من زيد أنه ينوى طلاقها قال له: "أمسك عليك زوجك، واتق الله". لكن زيدا مضى فطلقها لأن العشرة بينهما أصبحت مستحيلة، إذ لم تكن زوجته تحبه وتجد غضاضة فى أن يكون زوجها عبدا سابقا ومن قبيلةٍ أقلَّ شرفا من قبيلتها. سيقولون إن محمدا رآها ذات يوم فى مباذلها، وقد ذهب يسأل عن زيد فوقعت فى نفسه موقعا. ونحن نقول: فليكن ما تقولونه صحيحا، ولكن ماذا كان رد فعله صلى الله عليه وسلم عندما رآها فى مباذلها؟ هل دخل وراءها البيت فى غياب الزوج ليتمتع ولو بالحديث معها على انفراد؟ والجواب: أبدا، فهذا لم يحدث. إذن ماذا فعل؟ يقولون إنه انصرف وهو يردد بينه وبين نفسه: سبحان مقلب القلوب! ونسأل نحن بدورنا: وماذا فى هذا؟ أليس ذلك دليلا على إيمانه بربه حتى إنه ليذكره فى ذلك الموقف الذى لا تَرَوْن فيه من دليل إلا أنه رجل شهوانى؟ وهكذا يظلون يثيرون الاتهامات ويفترعون الأقاويل، ونحن وراءهم نسألهم عن دلالة كل شىء ينسبونه إليه صلى الله عليه وسلم إلى أن يتضح للقارئ أن الأمر لا يعدو أن يكون زوبعة فى فنجان. ونحن نزيدهم من الشعر بيتا بل أبياتا ونقول: وحتى لو كانت قد وقعت من نفسه موقعا، فماذا فى ذلك؟ ماذا فى أن يرى الرجل منا امرأة جميلة فتقع من نفسه موقعا؟ أوكان يتجسس عليها أو يعمل على اللقاء بها وهى تتمنع عليه؟ أوكان يراودها عن نفسها؟ أوشرع يخطط عقب ذلك لينال منها فى الحرام ما يبغيه الرجل من المرأة؟ أأرسل إليها يستقدمها إلى بيته وزنى بها؟ أتآمر على رجلها وقتله بدم بارد وضمها إلى حريمه غير شاعر بأية خالجة ندم كأى بلطجى حقير؟ أبدا أبدا. إذن ما الذى فى تصرف النبى عليه السلام فى ذلك الموضوع  مما يمكن تناوله بلسان المنتقد؟ لا شىء، لا شىء بالمرة! أما قوله تعالى: "وتخشى الناس، والله أحق أن تخشاه"، فهو خوفه صلى الله عليه وسلم من كلام العرب حديثى العهد بالجاهلية أن يقولوا إنه تزوج امرأة ابنه، لكن كان للسماء موقف آخر، إذ لا بد أن يبدأ أحد الأشخاص بكسر هذا الحظر الذى أكسبه الزمن رسوخا لا يقبل المراء، فشاءت السماء أن يكونه محمد، فنفذّه عليه السلام على مرارته. وفى "فتح البارى" لابن حجر: "عن السدي بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يزوِّجها زيدَ بن حارثة مولاه فكرهت ذلك. ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوّجها إياه، ثم أعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بعد أنها من أزواجه فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا: "تزوج امرأة ابنه"، وكان قد تبنى زيدا".
أما الذى لابد من محاسبته وفضحه ولَوْك سيرته فى العالمين فهو مَنْ كتب مؤلفو العهد القديم عنه ما يلى: "1وَكَانَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ، فِي وَقْتِ خُرُوجِ الْمُلُوكِ، أَنَّ دَاوُدَ أَرْسَلَ يُوآبَ وَعَبِيدَهُ مَعَهُ وَجَمِيعَ إِسْرَائِيلَ، فَأَخْرَبُوا بَنِي عَمُّونَ وَحَاصَرُوا رِبَّةَ. وَأَمَّا دَاوُدُ فَأَقَامَ فِي أُورُشَلِيمَ. 2وَكَانَ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ أَنَّ دَاوُدَ قَامَ عَنْ سَرِيرِهِ وَتَمَشَّى عَلَى سَطْحِ بَيْتِ الْمَلِكِ، فَرَأَى مِنْ عَلَى السَّطْحِ امْرَأَةً تَسْتَحِمُّ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيلَةَ الْمَنْظَرِ جِدًّا. 3فَأَرْسَلَ دَاوُدُ وَسَأَلَ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ وَاحِدٌ: «أَلَيْسَتْ هذِهِ بَثْشَبَعَ بِنْتَ أَلِيعَامَ امْرَأَةَ أُورِيَّا الْحِثِّيِّ؟». 4فَأَرْسَلَ دَاوُدُ رُسُلاً وَأَخَذَهَا، فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ، فَاضْطَجَعَ مَعَهَا وَهِيَ مُطَهَّرَةٌ مِنْ طَمْثِهَا. ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا. 5وَحَبِلَتِ الْمَرْأَةُ، فَأَرْسَلَتْ وَأَخْبَرَتْ دَاوُدَ وَقَالَتْ: «إِنِّي حُبْلَى». 6فَأَرْسَلَ دَاوُدُ إِلَى يُوآبَ يَقُولُ: «أَرْسِلْ إِلَيَّ أُورِيَّا الْحِثِّيَّ». فَأَرْسَلَ يُوآبُ أُورِيَّا إِلَى دَاوُدَ. 7فَأَتَى أُورِيَّا إِلَيْهِ، فَسَأَلَ دَاوُدُ عَنْ سَلاَمَةِ يُوآبَ وَسَلاَمَةِ الشَّعْبِ وَنَجَاحِ الْحَرْبِ. 8وَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «انْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ وَاغْسِلْ رِجْلَيْكَ». فَخَرَجَ أُورِيَّا مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ، وَخَرَجَتْ وَرَاءَهُ حِصَّةٌ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ. 9وَنَامَ أُورِيَّا عَلَى بَابِ بَيْتِ الْمَلِكِ مَعَ جَمِيعِ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَلَمْ يَنْزِلْ إِلَى بَيْتِهِ. 10فأَخْبَرُوا دَاوُدَ قَائِلِينَ: «لَمْ يَنْزِلْ أُورِيَّا إِلَى بَيْتِهِ». فَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «أَمَا جِئْتَ مِنَ السَّفَرِ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تَنْزِلْ إِلَى بَيْتِكَ؟» 11فَقَالَ أُورِيَّا لِدَاوُدَ: «إِنَّ التَّابُوتَ وَإِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا سَاكِنُونَ فِي الْخِيَامِ، وَسَيِّدِي يُوآبُ وَعَبِيدُ سَيِّدِي نَازِلُونَ عَلَى وَجْهِ الصَّحْرَاءِ، وَأَنَا آتِي إِلَى بَيْتِي لآكُلَ وَأَشْرَبَ وَأَضْطَجعَ مَعَ امْرَأَتِي؟ وَحَيَاتِكَ وَحَيَاةِ نَفْسِكَ، لاَ أَفْعَلُ هذَا الأَمْرَ». 12فَقَالَ دَاوُدُ لأُورِيَّا: «أَقِمْ هُنَا الْيَوْمَ أَيْضًا، وَغَدًا أُطْلِقُكَ». فَأَقَامَ أُورِيَّا فِي أُورُشَلِيمَ ذلِكَ الْيَوْمَ وَغَدَهُ. 13وَدَعَاهُ دَاوُدُ فَأَكَلَ أَمَامَهُ وَشَرِبَ وَأَسْكَرَهُ. وَخَرَجَ عِنْدَ الْمَسَاءِ لِيَضْطَجِعَ فِي مَضْجَعِهِ مَعَ عَبِيدِ سَيِّدِهِ، وَإِلَى بَيْتِهِ لَمْ يَنْزِلْ. 14وَفِي الصَّبَاحِ كَتَبَ دَاوُدُ مَكْتُوبًا إِلَى يُوآبَ وَأَرْسَلَهُ بِيَدِ أُورِيَّا. 15وَكَتَبَ فِي الْمَكْتُوبِ يَقُولُ: «اجْعَلُوا أُورِيَّا فِي وَجْهِ الْحَرْبِ الشَّدِيدَةِ، وَارْجِعُوا مِنْ وَرَائِهِ فَيُضْرَبَ وَيَمُوتَ». 16وَكَانَ فِي مُحَاصَرَةِ يُوآبَ الْمَدِينَةَ أَنَّهُ جَعَلَ أُورِيَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّ رِجَالَ الْبَأْسِ فِيهِ. 17فَخَرَجَ رِجَالُ الْمَدِينَةِ وَحَارَبُوا يُوآبَ، فَسَقَطَ بَعْضُ الشَّعْبِ مِنْ عَبِيدِ دَاوُدَ، وَمَاتَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا. 18فَأَرْسَلَ يُوآبُ وَأَخْبَرَ دَاوُدَ بِجَمِيعِ أُمُورِ الْحَرْبِ. 19وَأَوْصَى الرَّسُولَ قَائِلاً: «عِنْدَمَا تَفْرَغُ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَ الْمَلِكِ عَنْ جَمِيعِ أُمُورِ الْحَرْبِ، 20فَإِنِ اشْتَعَلَ غَضَبُ الْمَلِكِ، وَقَالَ لَكَ: لِمَاذَا دَنَوْتُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ لِلْقِتَالِ؟ أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ مِنْ عَلَى السُّورِ؟ 21مَنْ قَتَلَ أَبِيمَالِكَ بْنَ يَرُبُّوشَثَ؟ أَلَمْ تَرْمِهِ امْرَأَةٌ بِقِطْعَةِ رَحًى مِنْ عَلَى السُّورِ فَمَاتَ فِي تَابَاصَ؟ لِمَاذَا دَنَوْتُمْ مِنَ السُّورِ؟ فَقُلْ: قَدْ مَاتَ عَبْدُكَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا».22فَذَهَبَ الرَّسُولُ وَدَخَلَ وَأَخْبَرَ دَاوُدَ بِكُلِّ مَا أَرْسَلَهُ فِيهِ يُوآبُ. 23وَقَالَ الرَّسُولُ لِدَاوُدَ: «قَدْ تَجَبَّرَ عَلَيْنَا الْقَوْمُ وَخَرَجُوا إِلَيْنَا إِلَى الْحَقْلِ فَكُنَّا عَلَيْهِمْ إِلَى مَدْخَلِ الْبَابِ. 24فَرَمَى الرُّمَاةُ عَبِيدَكَ مِنْ عَلَى السُّورِ، فَمَاتَ الْبَعْضُ مِنْ عَبِيدِ الْمَلِكِ، وَمَاتَ عَبْدُكَ أُورِيَّا الْحِثِّيُّ أَيْضًا». 25فَقَالَ دَاوُدُ لِلرَّسُولِ: « هكَذَا تَقُولُ لِيُوآبَ: لاَ يَسُؤْ فِي عَيْنَيْكَ هذَا الأَمْرُ، لأَنَّ السَّيْفَ يَأْكُلُ هذَا وَذَاكَ. شَدِّدْ قِتَالَكَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَخْرِبْهَا. وَشَدِّدْهُ».26فَلَمَّا سَمِعَتِ امْرَأَةُ أُورِيَّا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ أُورِيَّا رَجُلُهَا، نَدَبَتْ بَعْلَهَا. 27وَلَمَّا مَضَتِ الْمَنَاحَةُ أَرْسَلَ دَاوُدُ وَضَمَّهَا إِلَى بَيْتِهِ، وَصَارَتْ لَهُ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا. وَأَمَّا الأَمْرُ الَّذِي فَعَلَهُ دَاوُدُ فَقَبُحَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ". ومع ذلك فإن الأفاقين الكذابين لا يجدون فى سلوك داود هنا ما يمكن أن يؤاخَذ عليه، ويجدون فى السلوك الطاهر النقى الذى صدر عن محمد العيب كل العيب! أليس الله قد غفر لداود وأصبح قريبا منه سبحانه كما يقولون ويبررون؟ لكن لماذا لم يغفر الله لمحمد هو أيضا هذا الــ... هذا الماذا؟ والله لا أدرى، فإنه لم يرتكب شيئا يمكن أن يؤاخَذ عليه أيا ما تكن الزاوية التى ننظر منها إليه! أم ترى الإله الذى تؤمنون به أيها الأوغاد إلها مخلول العقل، فهو يغفر للمجرم القرارى مستبيح الأعراض الوالغ فى الدماء البريئة الوفية، ولا يتسامح مع الرجل الذى يتزوج بامرأة على سنة الله ورسوله ويخشاه ولا ينسى ذكره أبدا فى أى موقف من المواقف؟ يا حرام! فانظر أيها القارئ إلى أولئك المجرمين الوقحين وكيف تلتوى ضمائرهم التواء لا يمكن إصلاحه أبدا! وأخيرا فلست أظننى فى حاجة إلى أن أقول إن المسلمين لا يثقون بما يقوله مخترعو العهد القديم فى حق نبى الله داود، بل يَرَوْنه شُنْعًا لا يُقْبَل أبدا بل كفرًا بَوَاحًا، بَيْدَ أننى أردت أن آخذ الكذابين المنافقين بما فى كتابهم مما لا يمكنهم المجادلة فيه! هذا، ولا أتكلم عن يهوذا وامرأة ابنه الحقيقى وزناه بها وليس زواجه منها، ولا عن مضاجعة لوط لابنتيه بعد أن سقتاه خمرا ونامتا معه الواحدة بعد الأخرى وحبلهما منه، ولا عن نشيد الأناشيد الذى نظمه فى زعمهم القذر مثلهم سليمان بن داود (ومن شابه أباه فما ظلم!)  مما يعجز تماما أبو نواس ونزار قبانى أن يكتبا شعرا مثله فى العهر والفحش والإغراء بالفجور، ولا ولا ولا، فالله حليم ستار.
11- ومن زينب إلى عائشة الصِّدّيقة بنت الصِّدّيق رضى الله عن الجميع رضى واسعا وذأم عن رحمته كل كِنْدىّ أو مدّعٍ للكندية لئيم خبيث نبيث، ونقرأ ما قاله النجس الدنس عما سماه بــ "هنات (الرسول الكريم) مع عائشة وما كان من أمرها مع صفوان بن المعطل السلمي في رجوعهم من غزوة المصطلق، بتخلُّفها عن العسكر معه وقدومه بها من الغد نحو الظهيرة راكبة على راحلته يقودها، وما قذفها به عبد الله بن أُبَيّ بن سلول وحسان بن ثابت ومسْطَح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر وزيد بن رفاعة وحمنة بنت جحش أخت زينب، وتبليغ علي بن أبي طالب إليه كلام المتكلمين وعيب العائبين، قائلاً: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثيرة. فلم يلتفت صاحبك إلى ذلك كله لشدة إعجابه بها، لأنه لم يكن في مَنْ نكح مِن نسائه بِكْرٌ غيرها ولا أحدث سنًّا منها، فكان لها من قلبه مكان. فرضي بما كان من ذلك الأمر كله، وهذا كان سبب انعقاد تلك العداوة بين عائشة وبين علي إلى آخر حياتهما. ثم قال صاحبك بنزول براءتها في سورة النور من قوله: إن الذين جاءوا بالإفك عُصْبة منكم". ونتساءل: وماذا فى أن تأتى عائشة متخلفة عن القافلة بعد مضىّ الرَّكْب، وفى ظنهم أنها فى هودجها، وكانت قد ذهبت لقضاء حاجتها بعيدا عن المعسكر ولم يتنبه القائمون على جملها إلى أنها لم تعد بعد، فساقوا أمامهم الجمل ومَضَوْا مع بقية المعسكر، فلما رجعت عائشة ولم تجد أحدا بقيت مكانها وغلبها النوم ولم تشعر إلا ورجلٌ ينبهها فقامت من رقدتها، وكان هذا الرجل هو صفوان بن المعطَّل السلمى، الذى كان يشتغل ساقةً للقافلة، ولما عرف أنها أم المؤمنين تراجع بعيدا حتى ركبت راحلته وأخذ الاثنان طريقهما إلى المدينة؟ أترى الكندى الكلب كان يريد من عائشة أن ترفض العودة مع صفوان وتبقى وحدها فى الصحراء إلى أن تطلع الشمس عليها وتموت من شدة الحر إلى أن يصل إلى النبى فيخبره الخبر فيترك النبى أصحابه ويذهب بنفسه لإحضارها حتى لا تُتَّهم مرة أخرى بمن يرسله لإحضارها؟ أم كان هذا الوغد الذى سبق أن قال إنه لا بد من شاهدين أو ثلاثة شهود عدول فى الأمور التى تحتاج إلى الشهادة يريد من الرسول أن يعاقب عائشة دون دليل؟ وهل كل من أتت مع واحد كانت زانية؟ أكانت عائشة تبقى مؤمنة بالنبى لو كانت زنت وأبرأها القرآن؟ لقد اقترح الرسول على زوجاته أن يسرّحهن لما طلبن منه أن يوسّع عليهن فى النفقة مثل سائر زوجات المسلمين، لكنهن جميعا، وأولهن عائشة، رفضن أن يتركنه رغم جشب عيشهن معه. جاء فى "وفيات الأعيان" لابن خلكان: "قالت عائشة رضي الله عنها: لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخيّر نساءه قال لي: أتختارين الله ورسوله والدار الآخرة أو الحياة الدنيا وزينتها؟ قلت: اللهُ ورسولُه أحب إليّ والدارُ الآخرة. ثم قلت له: أخبرت أحدًا قبلي؟ قال: لا. قلت: لا تخبرهن. فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله بعثني نذيرا، ولم يبعثني مُعْنِتًا ولا متعنتًا". وكانت عائشة رضى الله عنها تغار عليه أعنف الغيرة من شدة حبها له، فكيف يمكن أن تكون قد خانته؟ أمن الممكن أنّ مَنْ تحب زوجها كل هذا الحب الذى تشى به غيرتها فى القصتين التاليتين تطاوعها نفسه أن تخونه؟ جاء فى صحيح النسائى روايةً عن عائشة: "فقدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتجسسته، فإذا هو راكع، أو ساجد، يقول: سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت. فقلت: بأبي وأمي! إنك لفي شأن، وإني لفي شأن آخر". وفى "صحيح مسلم" روايةً عنها أيضا: "لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع. فلم يلبث إلا ريثما ظن أنْ قد رقدت فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدا. فجعلتُ درعي في رأسي واختمرتُ وتقنعتُ إزاري. ثم انطلقتُ على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفتُ، فأسرع فأسرعتُ، فهرول فهرولتُ، فأحضر فأحضرتُ، فسبقتُه فدخلتُ. فليس إلا أن اضطجعتُ فدخل فقال: ما لك يا عائش؟ حَشْيَا رابِيَةً! (يشير إلى نهجها وتسارع أنفاسها من شدة الهرولة والإحضار حتى تسبقه إلى البيت، فكأنها تعانى ربوا). قالت: قلت: لا شيء. قال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير. قالت: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! فأخبرته. قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم. فلهدني في صدري لهدة أوجعتني. ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، نعم. قال: فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني، فأخفاه منك، فأجبته، فأخفيته منك. ولم يكن يدخل عليك وقد وضعتِ ثيابك. وظننتُ أن قد رقدتِ، فكرهت أن أوقظك، وخشِيت أن تستوحشي، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم. قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون"، وفى "صحيح النسائى" مثله. وفى "التذكرة الحمدونية" لابن حمدون: "رُوِيَ عن عائشة رضي عنها أنها قالت: كنت نائمة مع النبي صلّى الله عليه وسلم ليلة النصف من شعبان ثم انتبهت، فإذا النبي صلّى الله عليه وسلم ليس عندي، فأدركني ما يدرك النساءَ من الغيرة فلففت مِرْطي. أما ولله ما كان خزًّا ولا قزًّا ولا قطنًا ولا كتانًا. قيل: فما كان يا أم المؤمنين؟ قالت: كان سَدَاته من شعر، ولُحْمَته من أوبار الأبل، قالت: فحبوتُ إليه أطلبه، فألفيته كالثوب الساقط على وجهه من الأرض وهو يقول: سجد لك خيالي وسوادي، وآمن بك فؤادي، وهذه يدي وما جنيت بها على نفسي. أنت عظيم ترجى لكل عظيم، فاغفر الذنب العظيم. فقلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، إنك لفي شأن، وإني لفي شأن. فرفع رأسه ثم عاد ساجدا فقال: أعوذ بوجهك الذي أضاءت له السموات السبع والأرضون السبع من فجاءة نقمتك، وتحويل عافيتك، ومن شر كتاب قد سبق، وأعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك. لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. فلما انصرف من صلاته تقدمت أمامه حتى دخلت البيت ولي نَفَسٌ عال. فقال: مالك يا عائشة؟ فأخبرته الخبر، فقال: ويح هاتين الركبتين! ماذا لَقِيَتا هذه الليلة؟ ومسح عليهما". وفى "العقد الفريد" لابن عبد ربه مثل ذلك. وفى "صحيح البخارى" عن عائشة: "ما غِرْتُ على امرأةٍ ما غِرْتُ على خديجة من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها. قالت: وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه عز وجل، أو جبريل عليه السلام، أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب". وفى "صحيح مسلم" عنها أيضا رضى الله عنها: "ما غِرْتُ على امرأة ما غرت على خديجة، ولقد هلكتْ قبل أن يتزوجني بثلاث سنين، لما كنت أسمعه يذكرها. ولقد أمره ربه عز وجل أن يبشرها ببيت من قصب في الجنة. وإن كان ليذبح الشاة ثم يهديها إلى خلائلها". وفى "نهاية الأرب فى فنون الأدب" للنويرى تفصيل أكثر: "عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ما غِرْتُ على امرأة ما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، ولكن ذلك لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، وإن كان ليذبح الشاة فيتتبع بذلك صدائق خديجة يهديها لهن. وعنها رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن عليها الثناء، فذكرها يوما من الأيام فأدركتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزا قد أبدلك الله خيرا منها؟ فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: "لا والله ما أبدلني الله خيرا منها، آمنتْ بي إذ كفر الناس، وصدّقتْني إذ كذّبني الناس، وواستْني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء". قالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بسيئة أبدا". ثم كيف كان من الممكن رضاها بالبقاء بعده دون زواج عشرات السنين، ودون أن يكون لها ولد منه يشغلها عن الزواج والرجال، لو كانت قد زنت وبرّأها، بما يدل على أنه لم يكن يُوحَى إليه بل كان يؤلف القرآن كذبا وزورا؟ بل قبل ذلك كله كيف تم الاتفاق بين عائشة وصفوان على الميعاد زمانا ومكانا، وهما لم يكونا يتراءيان؟ وكيف ضمنا ألا يقع شىء من شأنه أن يضلّ هو عن مكانها فى الصحراء فتبقى وحيدة هناك طوال الليل ثم حتى يبزغ الصباح وتشتد حرارة الشمس، وما أدراك ما اشتداد حرارة الشمس فى البادية حيث لا شجرة أو جدار يستظل الإنسان به! أم كيف ضمنا ألا يفاجئهما أحد فى ذلك الوضع المخزى؟ وقبل ذلك كله هل يمكن أن تقدم على هذه المعرة فتاة حرة كريمة كعائشة تربت فى بيت أبى بكر الطاهر العفيف الذى لم تنله ريبة قط ولا حتى فى الجاهلية، ودعنا من أنها انتقلت إلى بيت النبوة حيث يتنزل الوحى على زوجها الذى تؤمن به وتحبه وتتفانى فى مرضاته؟ تبا لكم أيها الأنذال! إن مشكلتكم أنكم تقيسون الشريفات النبيلات على ما تعرفون من سلوككم وسلوك النجسات من نسائكم. 
أليس من الأفضل للأوغاد أن يشغلوا أنفسهم بدلا من ذلك بقبلات بولس التى كان يرسلها إلى أفواه الأخوات النصرانيات؟ ثم ماذا عن نسبة مؤلفى الأناجيل عيسى عليه السلام إلى يوسف النجار وتأكيد أمه أنه ابن يوسف فعلا ومناداة الناس جميعا له بأنه ابن يوسف كما رأينا من النصوص التى مرت آنفا؟ أوليس الإقرار سيد الأدلة كما يقولون فى القانون؟ ودعنا من اتهام اليهود الصريح لمريم بالزنا والقول بأن عيسى ابن سِفَاح، أستغفر الله! وإنما حملنى على هذا القول رغم أننا لا نؤمن بشىء من هذا السفه المنحط قلة أدب الكلب المتخفى وراء اسم الكندى وتطاوله على عرض عائشة، وهو يعرف أن من كانت حجته من البَيْض فلا ينبغى أن يقذف الجبال الشُمّ الرواسخ بالبَيْض. وكانت العلامة فى حالة مريم متوفرة، ألا وهى وجود الحمل والولادة، بخلاف عائشة، التى لم يكن هناك علامة فى حالتها بالمرة، بل كانت مجرد شائعات مسمومة لأن أحدا لم يأخذ عليها شيئا. وأختم بما رواه ابن عساكر فى "تبيين كذب المفترى" بشأن ابن الباقلانى عندما أرسله عضد الدولة سفيرا إلى قيصر ليناظر المطارنة بناءً على طلب قيصر. قال ابن عساكر: "وقيل إنه دخل يوما فرأى عنده بعض مطارنته ورهبانيته، فقال له مستهزئا: كيف أنت؟ وكيف الأهل والأولاد؟ فقال له الملك، وقد عجب من قوله: ذَكَر من أرسلك في كتاب الرسالة أنك لسان الأمة ومتقدم على علماء الأمة! أما علمت أننا ننـزّه هؤلاء عن الأهل والولد؟ فقال الباقلاني: أنتم لا تنـزهون الله سبحانه وتعالى عن الأهل والأولاد وتنـزهونهم؟ فكأن هؤلاء عندكم أقدس وأجلّ وأعلى من الله سبحانه وتعالى؟! فوقعت الهيبة في نفس الرومي. وقال: بلغني أن طاغية الروم قال له، وقصد توبيخه: أَخْبِرْني عن قصة عائشة زوج نبيكم وما قيل فيها. فقال له القاضي أبو بكر: هما اثنتان قيل فيهما ما قيل: زوج نبينا، ومريم ابنة عمران. فأما زوج نبينا فلم تلد، وأما مريم فجاءت بولد تحمله على كتفها. وكلٌّ قد برّأها الله مما رُمِيَتْ به. فانقطع الطاغية ولم يُحِرْ جوابا". إننا، بطبيعة الحال، لا نقول ما قاله كتبة الأناجيل ونسبوه إلى مريم والناس جميعا من حولها، كل ما هنالك أننا نبين للأغبياء أن بيوتهم هائرة تتراقص وتتخلع بحيث إن نفخة واحدة من الهواء تسقطها على الأرض، فإذا هى تراب منثور. فلينشغلوا بأنفسهم إذن بدلا من الكفر والتطاول على أشرف خلق الله وزوجته!
وفى "صحيح البخارى" روايةً عن عائشة رضى الله عنها:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا أَقْرَع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فأقرع بيننا في غزاة غزاها، فخرج سهمي فخرجتُ معه بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أُحْمَل في هودج وأنزل فيه. فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقَفَلَ ودَنَوْنا من المدينة آذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنُوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرَّحْل فلمست صدري، فإذا عِقْدٌ لي من جَزْع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. فأقبل الذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه. وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يَغْشَهُنّ اللحهم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم، حين رفعوه، ثقل الهودج فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السن. فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عِقْدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأممت منزلي الذي كنت به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليّ. فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني. وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته فوطئ يدها فركبتُها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرِّسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول. فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا، والناس يُفِيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، وإنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تِيكُمْ؟ لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت. فخرجت أنا وأم مِسْطَح قِبَل المناصع، مُتبَرَّزِنا، لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكُنُف قريبا من بيوتنا، وأَمْرُنا أَمْرُ العرب الأول في البرية أو في التنزه. فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرتْ في مِرْطها فقالت: تَعِس مِسْطَح! فقلت لها: بئس ما قلت! أتسبّين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: يا هَنَتَاه، ألم تسمعي ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم فقال : كيف تِيكُمْ؟ فقلت: ائذن لي إلى أبويّ. قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قِبَلهما. فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت أبويّ، فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بُنَيّة، هوِّني على نفسك الشأن، فوالله لَقَلّما كانت امرأةٌ قَطّ وضيئةٌ عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرْن عليها. فقلت: سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا؟ قالت: فبتُّ الليلة حتى أصبحتُ لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثم أصبحت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة ابن زيد حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله: فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيرا. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسَلِ الجارية تَصْدُقْك. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: يا بريرة، هل رأيت شيئا يريبك؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق إنْ رأيتُ منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين فتأتي الدواجن فتأكله. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أُبَيّ بن سَلُول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا. وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي. فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه: إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمَرْتَنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحميّة، فقال: كذبت، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أُسَيْد بن الحضير فقال: كذبتَ لَعَمْرُ الله، والله لنقتلنّه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيان: الأوس والخزرج حتى همّوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت. وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. فأصبح عندي أبواي قد بكيت ليلتين ويوما حتى أظن أن البكاء فالق كبدي. قالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي. فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يُوحَى إليه في شأني شيء. قالت: فتشهّد ثم قال: يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنتِ بريئة فسيبرئك الله، وإن كنتِ ألممتِ بشيء فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قَلَص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال. قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدّقتم به. ولئن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك. ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقنّ. والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : "فصبرٌ جميلٌ، والله المستعان على ما تصفون". ثم تحولت إلى فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله. فوالله ما رام مجلسَه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أُنْزِل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجُمَان من العرق في يومٍ شاتٍ. فلما سُرِّيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة، احمدي الله، فقد برّأك الله. فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى: "إن الذين جاؤوا بالإفك عُصْبَةٌ منكم... الآيات". فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ينفق على مِسْطَح بن أثاثة لقرابته منه: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال لعائشة. فأنزل الله تعالى: "ولا يَأْتَلِ أولو الفضل منكم والسَّعَة... إلى قوله: ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم". فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: يا زينب، ما علمت؟ ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري. والله ما علمت عليها إلا خيرا. قالت: وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع".
وهنا كلمة لا بد من قولها، ألا وهى أنه لو كان محمد نبيا كذابا يخترع القرآن اختراعا ويزعم أنه يوحَى إليه من السماء وبرّأ عائشة كذبا كما يزعم الخنزير المستتر تحت اسم الكندى فلا بد أن يكون له من بين أتباعه من يعرفون حقيقته ويتفاهمون معه ويتعاونون على أساس من هذه المكاشفة، إذ لا يعقل أن يقوم وحده بهذه الكذبة الكبيرة دون أن يكون معه من يساعدونه أو دون أن يكتشف حقيقة أمره أحد من أولئك الأتباع الذين كانوا يُعَدّون فى آخر حياته بعشرات الألوف! ومن ثم لقد كان التصرف المنتظر من مثل هذا النبى الكذاب أن يكلف واحدا من هؤلاء أن يقتل ابن المعطل انتقاما مما لوث به شرفه. بيد أنه عليه السلام لم يفعل، فما معنى ذلك؟ كذلك لو كان ابن المعطل قد ارتكب ما اتهمه به المنافقون الأوساخ ثم برّأه القرآن، أفكان يظل على إسلامه وتصديقه بمحمد؟ أو كان يستمر بعد ذلك فى الغزو وتعريض نفسه للقتل فى سبيل ذلك الرجل الذى يعرف أنه كذاب، إذ برأه هو وعائشة مع أنهما قد ارتكبا الفاحشة التى برأهما منها؟ لكننا ننظر فنجد عجبا عجيبا، إذ قد ظل ابن المعطل يشترك فى الغزوات مجاهدا فى سبيل الله تصديقا بمحمد وحبا لدينه وتحمسا لنشره فى العالمين، وبقى كذلك حتى كتب الله له الشهادة فى فتح الجزيرة سنة سبع عشرة أو تسع عشرة كما جاء فى "تاريخ الرسل والملوك" للطبرى وفى "تاريخ الإسلام" للذهبى وغيرهما، أو إلى أن تُوُفِّىَ سنة ستين كما قرأت فى "كتاب معرفة الصحابة": "حدثنا أبو عبد الله الأصبهاني ثنا الحسن بن الجهم ثنا الحسين بن الفرج ثنا محمد بن عمر قال وكان صفوان بن المعطل يكنى أبا عمرو، وأسلم قبل غزوة المريسيع، وشهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها الخندق والمشاهد كلها، وكان مع كرز بن جابر الفهري في طلب العُرَنِيّين الذين أغاروا على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الجدر. ومات صفوان بن المعطل بشمشاط سنة ستين". وفى "الاستيعاب فى معرفة الأصحاب" لابن عبد البر: "يقال: إنه أسلم قبل المريسيع وشهد المريسيع. قال الواقدي: شهد صفوان بن المعطل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق والمشاهد كلها بعدها، وكان مع كرز بن جابر الفهري في طلب العُرَنِيّين الذين أغاروا على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو عمر: كان يكون على ساقة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف بَعْدُ عن غزوةٍ غزاها. وقال سلمة عن ابن إسحاق: قُتِل صفوان بن المعطل في غزوة أرمينية شهيدًا، وأميرهم يومئذ عثمان بن أبي العاص سنة تسع عشرة في خلافة عمر. وقيل إنه مات بالجزيرة في ناحية شمشاط ودفن هناك، والله أعلم. ويقال إنه غزا الروم في خلافة معاويه فاندقت ساقه ولم يزل يطاعن حتى مات، وذلك سنة ثمان وخمسين، وهو ابن بضع وستين. وقيل: مات سنة تسع وخمسين في آخر خلافة معاوية". فماذا يقول الخنزير الكندى والذين يفرحون بالكتاب المنسوب له فى الهجوم على رسول الله وتكذيبه؟ لن يقولوا شيئا لأن أمثالهم من الخنازير الأدناس لا يبحثون عن الحق، بل كل همهم هو تلويث الشرفاء الذين يفضحون خرافاتهم وأساطيرهم ووثنياتهم! أما عائشة أفكانت تظل على تصديقها بزوجها، الذى انكشف أمره حين برّأها، وهى تعرف أنها ليست بالبريئة؟ أفكانت تسارع إلى الإعلان عن تمسكها به عندما خيّرها هى وبقية زوجاته بالبقاء فى عصمته على خشونة العيش أو تسريحهن سراحا جميلا ليتمتعن بالدنيا وزينتها بعيدا عنه؟ ألم تكن تلك فرصة العمر لتتخلص عائشة من رجلها البغيض الذى لا يملأ عينيها وتقترن بآخر يشبع عواطفها؟ افكانت تظل على وفائها له وتقبل أن تبقى طول عمرها الذى امتد لعشرات السنين دون زواج كما يأمرها القرآن الذى كانت تعرف أنه قرآن مزوَّر فلا تهرب وتلحق بالروم أو فارس مثلا وتمارس حياتها الطبيعية هناك كما فعل جبلة بن الأيهم حين لم تعجبه مبادئ الإسلام فى المساواة فلحق بالروم فى عهد الفاروق؟ رُدَّ أيها الخنزير! أما والله إنك لست برجل، لا أنت ولا من يبتهجون بولوغك فى أعراض النبلاء الكرام فى كتابك النجس مثلك! أستغفر الله أنْ نزلتُ إلى هذا الدرك الأسفل كى أناقش مثل هذا الحلوف ذى الخطم الوسخ الذى لا يعرف  إلا تشمم أكوام القمامة! هذا، ولن أذكر أن صفوان بن المعطل كان رجلا حصورا كيحيى بن زكريا عليه السلام، أى ليس له أرب فى النساء! ثم أكان رسول الله يُبْقِى لحظة على رأس الضلال والنفاق ابن سلول، الذى تولى كِبْر الإفك عليه لعنات الله، ولا ينتهز فرصة عَرْض ابنه المسلم المخلص عليه أن يقتل أباه ويخلّص المسلمين من شره؟ لكننا ننظر فنجده عليه السلام يرد هذا الاقتراح ويخبر الابن الكريم أنه سيحسن صحبة أبيه. ومرة أخرى لا يقف نبل رسول الله عند هذا الحد، إذ نعرف أنه عندما مات ذلك الوغد تقدم رسول الله ليصلى عليه (بعد أن أرسل له عباءته ليكفَّن فيها بناء على طلبه وهو يُحْتَضَر) لولا أن القرآن نزل حاسما ينهاه عليه الصلاة والسلام أن يصلى على مثل ذلك المجرم. أفلو كان الرسول نبيا كذابا وزوجا مغموزا فى عِرْضه، أكان يتصرف هذا التصرف العجيب فى نبله وتسامحه وشموخه تجاه من فضحه بين الناس وسبب له القلق الفظيع لمدة شهر حتى نزلت آيات سورة "النور" التى تبرئ عائشة، أو فلنقل: حتى فكر فى أن يذيع بين الناس الآيات التى زوّرها فى تبرئة عائشة؟ وأخيرا فإنه ما من أحد ممن سئلوا فى هذه الفتنة قال فى حق الصديقة بنت الصديق شيئا ينال منها، بل كلهم شهدوا لها بالخير والنقاء كما رأينا، وأقصى ما قاله على بن أبى طالب، كى يريح النبى من قلقه، أن النساء كثيرات، وأن من الممكن سؤال الجارية التى كانت تخدم عائشة، وهذا كل ما هنالك. ثم هل رأى أحد من الذين أثاروا الفتنة وطيروا الشائعات شيئا مما أفاضوا فيه؟ أهكذا تهون أعراض الناس، فضلا عن أن تكون الأعراض المنتهكة هى أعراض صفوة الكرام الطيبين؟ خِزْى الله عليكم أيها الكلاب!
12- وهنا يتكلم الكذاب المدلِّس عن تعدد زوجات النبى، وسوف نتريث من هذا الموضوع أمام نقطتين: الأولى زعمه أشياء يظن أنها تسىء إلى النبى عليه السلام لم تحدث أصلا، والثانية قوله إنه ما من نبى قبل محمد قد عدد زوجاته. فأما الأولى فمنها قوله إن أم سلمة، عندما عرض عليها الرسول الزواج، قد تحججت بأن أهلها لن يَرْضَوْا به زوجا. وهو افتراء رخيص يؤكد مع غيره من الافتراءات التى لا تنتهى من جانبهم عليه صلى الله عله وسلم أن القوم كَذَبَةٌ جامدو الوجه غليظو الجلد لا يستحون ولا يحسّون على دمهم. ذلك أن شيئا من هذا لم يحدث على الإطلاق. ثم مَنْ مِنَ المسلمين فى ذلك الوقت لم يكن يشعر بأن إصهاره إلى النبى عيه السلام هو الشرف كل الشرف؟ أويظن عاقل أنه كان هناك مسلم وقتذاك يمكن أن يرى نفسه أفضل من رسول الله؟ لقد أتى أبو سفيان ابنته أم حبيبة أم المؤمنين فى بيتها بالمدينة يحاول أن يخرج من المأزق الذى وجد نفسه فيه بعد كسر قريش لعهد الحديبية، فما كان منها إلا أن طوت عنه فراش رسول الله، ثم جبهته بالسبب الذى حداها أن تصنع هذا، إذ تظاهر بأنها قد تكون فعلت ذلك لأنها تَرْبَأ به أن يمسّه فراش الرسول، بيد أنها صكته فى وجهه قائلة إنها بالعكس تربأ بفراش رسول الله أن يمسه هو. وهذا مجرد مثال. وقد رأينا كيف أن أمهات المؤمين، حين عرض عليهن رسول الله أن يخترن الله ورسوله والدار الآخرة أو يخترن الدنيا والتوسعة فى النفقة ويسرّحهن سراحا جميلا، كان اختيارهن جميعا دون تلجلج أو إبطاء هو الله وسوله والدار الآخرة. الوحيدة التى أساءت فى ردها على رسول الله حين عرض عليها الزواج طبقا لإحدى الروايات هى أسماء بنت النعمان الجونية، التى ندمت وبقيت طول عمرها نادمة على هذا الموقف الأحمق الذى اتخذته، وكانت شؤما على قومها الذين آسفهم ذلك التصرف منها. ومع هذا فإن رسول الله لم يمسها بأى سوء ولا حقن فى قلبها بسبب ذلك الموقف منها شيئا، بل متّعها وسرّحها بإحسان وردّها إلى أهلها معززة مكرمة. ولو كان طالب دنيا أو قليل الشخصية لنكّل بها وبقومها وأنزل بهم من التعذيب ما يجعل منهم عبرة للناس جميعا. وهذه إحدى روايتى الحديث الخاص بزواجه بها، وهى عن أبى أُسَيْد، وتجرى هكذا: "تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء بنت النعمان الجونية فأرسلني فجئت بها، فقالت حفصة لعائشة: اخضبيها أنت، وأنا أمشطها، ففعلتا. ثم قالت لها إحداهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول: أعوذ بالله منك. فقال بكمّه على وجهه فاستتر به، وقال: عُذْتِ بمعاذ، ثم خرج عليَّ فقال: يا أبا أسيد، ألحقها بأهلها ومتِّعْها برازقيين. فكانت تقول: ادعوني الشقية". أما الرواية التى قالت له فيها: "وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟" والتى لم يورد الكندى سواها فيُفْهَم منها بكل وضوح أنه عليه السلام كان قد تزوجها، فكيف يقول لها رغم ذلك كما جاء فى تلك الرواية: هبينى نفسك؟ أيطلب منها أن تهبه نفسها، وقد كانت زوجته فعلا؟ وكيف يقول لها: هبينى نفسك، وقد كان بمستطاعه تدبير مهر لها، إذ كانت المهور آنذاك، وبخاصة مهور النبى، قليلة لا تكلف صاحبها عنتا؟ ثم هل كان الرسول عليه السلام من السُّوقة؟ وهل كانت الجونية ملكة؟ فملكةً على من؟ الحق أنه لم يكن هناك ملكات عربيات آنذاك أصلا، فكيف تكون هى ملكة؟ بل هل كان أبوها ملكا؟ كلا، إذن فكيف تقول له إنها ملكة، ثم لا تقف عند هذه الدعوى، بل تضيف إليها أنه سوقة؟ بل كيف يمكن أن تخطئ فى حقه عليه السلام، وقد كان العرب، أو جزء كبير منهم، يطيعونه حاكما عليهم؟ وهل بلغ بها الجهل أو الحماقة أن تغفل عن هذا كله وتقول إنه سُوقَة، اللهم إلا إذا كانت جلافة البداوة قد استولت عليها استيلاء؟ لكن هل هذا ممكن، وبخاصة أن أحدا من العرب، رجلا كان أو امرأة، لم يقل فى حقه عليه السلام شيئا من ذلك؟ ولكن من هى فى نهاية المطاف حتى تشعر تجاه رسول الله بما لم يشعر به أبو بكر ولا أبو سفيان ولا عمر أو بناتهن؟ خلاصة الكلام أن فى النفس من هذه الرواية أشياء لا يسهل الرد عليها بحال، وبخاصة أنها تناقض الأولى التى تقول إن بعض أمهات المؤمنين قمن على تهيئتها للرسول، أما هنا فإنه عليه السلام يراها فى أحد البساتين بعيدا عن نسائه. أى أن الأمر لم يكن قد وصل إلى درجة تهيئتها له صلى الله عليه وسلم. كما أن صاحب "فتح البارى" يورد رواية لابن سعد بأنه عليه السلام "اتفق مع أبيها على مقدار صداقها وأن أباها قال له: إنها رَغِبَتْ فيك وخُطِبَتْ إليك". وقد وجدتُ فى "البداية والنهاية" لابن كثير أنه عليه الصلاة والسلام "فارق أخت بني الجون الكندية من أجل بياض (أى بهاق) كان بها". ‏وبالمناسبة فهناك اختلافات حول اسمها، وحول بعض التفاصيل الخاصة بقصتها، وقال ابن الأثير فى حوادث السنة الستين للهجرة فى كتابه: "الكامل": "وفيها توفيت الكلابية التي استعاذت من النبي صلى الله عليه وسلم، حين تزوجها ففارقها، وكانت قد أصابها جنون". وهذا كله لا يساعد على الاطمئنان إلى ما تشبث به الكندى الكلب فى شأنها من رواية هى مجرد رواية واحدة بين رواياتٍ أُخَر كما نرى.
أما الظروف التى أحاطت بزواجه من أم سَلَمة فإليكها أيها القارئ، ومنها يتبين أن الكندى كذابٌ أَشِرٌ. يقول ابن الجوزى فى "زاد الميعاد": "ثم تزوج أمَّ سلمة هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية، واسم أبي أمية حذيفة بن المغيرة، وهي آخر نسائه موتا. وقيل: آخرهن موتا صفية. واختُلِف فيمن وَلِيَ تزويجها منه: فقال ابن سعد في "الطبقات": وَلِيَ تزويجَها منه سلمةُ بن أبي سلمة دون غيره من أهل بيتها. ولما زوج النبيُّ صلى الله عليه وسلم سلمةَ بن أبي سلمة أمامةَ بنت حمزة، التي اختصم فيها علي وجعفر وزيد، قال: هل جزيتُ سلمة؟ يقول ذلك لأن سلمة هو الذي تولى تزويجه دون غيره من أهلها. ذكر هذا في ترجمة سلمة، ثم ذكر في ترجمة أم سلمة عن الواقدي: حدثني مجمع بن يعقوب عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن أبي سلمة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أم سلمة إلى ابنها عمر بن أبي سلمة فزوّجها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ غلام صغير. وقال الإمام أحمد في "المسند": حدثنا عفان حدثنا حماد بن أبي سلمة حدثنا ثابت قال: حدثني ابن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أم سلمة أنها لما انقضت عِدّتها من أبي سلمة بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: مرحبا برسول الله صلى الله عليه وسلم. إني امرأةٌ غَيْرَى، وإني مُصْبِيَة، وليس أحد من أوليائي حاضرا... الحديث. وفيه: فقالت لابنها عمر: قم فزوِّجْ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فزوَّجه. وفي هذا نظر، فإن عمر هذا كان سنّه لما تُوُفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين. ذكره ابن سعد، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة أربع، فيكون له من العمر حينئذ ثلاث سنين، ومثل هذا لا يزوِّج. قال ذلك ابن سعد وغيره. ولما قيل ذلك للإمام أحمد: قال من يقول إن عمر كان صغيرا؟ قال أبو الفرج بن الجوزي: ولعل أحمد قال هذا قبل أن يقف على مقدار سنه. وقد ذكر مقدارَ سنّه جماعةٌ من المؤرخين: ابن سعد وغيره. وقد قيل: إن الذي زوجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنُ عمها عمر بن الخطاب. والحديث: قم يا عمر فزوِّجْ رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونَسَبُ عمر ونَسَبُ أم سلمة يلتقيان في كعب، فإنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، فوافق اسمُ ابنِها عمر اسْمَه، فقالت: قم يا عمر فزوِّج رسول الله صلى الله عليه وسلم. فظن بعض الرواة أنه ابنها فرواه بالمعنى وقال: "فقالت لابنها"، وذهل عن تعذر ذلك عليه لصغر سنه. ونظيرُ هذا وَهْمُ بعض الفقهاء في هذا الحديث وروايتهم له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا غلام فزوج أمك. قال أبو الفرج ابن الجوزي: وما عرفنا هذا في هذا الحديث. قال: وإن ثبت فيحتمل أن يكون قاله على وجه المداعبة للصغير، إذ كان له من العمر يومئذ ثلاث سنين، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها في سنة أربع، ومات ولعمر تسع سنين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفتقر نكاحه إلى وَلِيّ". وفى "الإصابة" لابن حجر: "عن أم سلمة قالت: لما انقضت عِدّة أم سلمة خطبها أبو بكر فلم تتزوجه فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطبها عليه، فقالت: أَخْبِرْ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم أني امرأة غَيْرَى وأني امرأة مُصْبِية، وليس أحد من أوليائي شاهد. فقال: قل لها: أما قولك: "غَيْرَى" فسأدعو الله فتذهب غيرتك، وأما قولك: "إني امرأة مُصْبِيَة" فستُكْفَيْنَ صبيانك، وأما قولك: "ليس أحد من أوليائي شاهد" فليس أحد من أوليائك، شاهد أو غائب، يكره ذلك. فقالت لابنها عمر: قم فزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فزوَّجَه". وفى "نصب الراية" للزيلعى: "قالت أم سلمة: لما انقضت عِدّتي من أبي سلمة أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمني بينه وبيني حجاب فخطب إليّ نفسي، فقلت: يا رسول الله، إني امرأة أدبر مني سني، وإني أم أيتام، وإني امرأة شديدة الغيرة. فقال عليه السلام: أمّا ما ذَكَرْتِ من غيرتك فسيدفعها الله، وأما ما ذكرت من أيتامك فعلى الله وعلى رسوله. قالت: فأذنتُ له في نفسي فتزوجني". هذا ما جاء فى زواجه صلى الله عليه وسلم بأم سلمة، فأين تعللها بأن أهلها لا يوافقون على أن يكون عليه السلام لها زوجا؟ وكيف تقول له صلى الله عليه وسلم ذلك، وهى التى كانت تتوق أن تكون من أهل البيت كما روت بنفسها؟ ففى "شرح السنة" للبغوى مثلا: "عن أم سلمة قالت: في بيتي أُنْزِلَتْ "إنما يريد الله ليُذْهِب عنكم الرِّجْسَ أَهْلَ البيت". قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة وعليّ والحسن والحسين، فقال: هؤلاء أهل بيتي. قالت: فقلت: يا رسول الله، أمَا أنا من أهل البيت؟ قال: بلى إن شاء الله". وفى "صحيح الترمذى" عن عمر بن أبي سلمة: "لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما يريد الله ليُذْهِب عنكم الرِّجْسَ أهلَ البيت ويطهِّركم تطهيرا" في بيت أم سلمة فدعا فاطمة وحسنا وحسينا فجلّلهم بكساء، وعليٌّ خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال: اللهم، هؤلاء أهل بيتي، فأَذْهِبْ عنهم الرجس وطهِّرْهم تطهيرا. قالت أم سلمة :وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أنتِ على مكانك، وأنتِ على خير".
وبالنسبة لزينب بنت جحش فقد زعم الكندى الكلب أن رسول الله "بعث إليها نصيبها من اللحم ثلاث مرات، فردَّته في وجهه فهجرها وهجر نساءه بسببها". ولا ندرى من أين له بهذا الكلام، فإنه لم يحدث بتاتًا، والملعون إنما يجرى على سنة قومه فى التزوير والتزييف. كما ذكر أن هذه الحادثة كانت سببا فى أن رسول الله قد حلف ألا يدخل على زوجاته شهرًا، "فلم يصبر فدخل لتسعة وعشرين يومًا"، متعمدا هذا الكلب تجاهل أن الشهر كان فعلا تسعة وعشرين يوما، فالشهور القمرية تتراوح بين تسعة وعشرين وثلاثين يوما كما هو معروف، لكن الكلب الكذاب يتجاهل ذلك لغرض فى نفسه خبيث. وعلى أية حال فلا داعى أيها الكذاب أن تكون حنبليا إلى هذا الحد، فذمتك تبلع الجمل، فلماذا تتظاهر كذبا بالغيرة على اسم الله وتتهم رسول الله بالحنث فى قسمه؟ وهَبْه حنث فى قسمه، إن له فى الكفّارة لمخرجا. وها هى ذى بعض الأحاديث التى تلقى الضوء على زينب رضى الله عنها ومدى تعلقها برسول الله واستمساكها بالدين الذى جاء به والقِيَم التى دعا إليها، أما ما يتقايؤه هذا الخنزير فمكانه مواسير المجارى. جاء فى "تخريج الكشاف" للزيلعى "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخِيَرة..."، فقالا: رضينا برسول الله. فأنكحها إياه وساق إليها مهرها ستين درهما وحمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مُدًّا من طعام وثلاثين صاعا من تمر". وفى "صحيح البخارى" عن أنس رضى الله عنه: "نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش، وأطعم عليها يومئذ خبزا ولحما، وكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تقول: إن الله أنكحني في السماء". وفى "صحيح الترمذى": "نزلت هذه الآية في زينب بنت جحش: "فلما قضى زيد منها وطَرًا زوَّجناكها". قال: فكانت تفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقول: زوّجكن أهلوكن، وزوّجني الله من فوق سبع سماوات". وفى"البحر الزَّخّار" للبزار "أن عُمَر كبَّر على زينب بنت جحش أربعًا، ثم أرسل إلى أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يُدْخِل هذه قبرها؟ فقلن: من كان يدخل عليها في حياتها. ثم قال عمر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أسرعكن بي لحوقا أطولكن يدا. فكن يتطاولن بأيديهن، وإنما كان ذلك لأنها كانت صَنَاعًا تعين بما تصنع في سبيل الله". وفى "فتح البارى": "عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه: أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا. قالت عائشة: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى تُوُفِّيَتْ زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقة. وكانت زينب امرأة صناعة باليد، وكانت تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله". وفى "الترغيب والترهيب" للمنذرى عن أبى هريرة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه عام حِجّة الوداع: هذه (أى هذه الحِجّة) ثم ظهور الحُصُر. قال: وكن كلهن يحججن إلا زينب بنت جحش وسودة بنت زمعة رضي الله عنهن، وكانتا تقولان: والله لا تحركنا دابة بعد إذ سمعنا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم". وفى "صحيح الترمذى": "وكانت عائشة تقول: أما زينب بنت جحش فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا (تقصد أنها لم تقل أثناء فتنة الإفك إلا خيرا، ولم تسمح لمنافسة الضرائر أن تتغلب على دينها وصدقها)".
ولكى يعرف القراء مدى عراقة الكندى الخنزير فى الكذب والبهتان وأنه لم يكن هناك لحم ولا دجاج فى هجر الرسول لأمهات المؤمنين، ولا خصوصية لزينب فى الأمر كما زعم الأفّاك الأفّاق، أسوق لهم ما رواه البخارى فى تلك الواقعة، فعن ابن عباس قال: "لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، اللتين قال الله تعالى : "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما" حتى حجَّ وحججتُ معه، وعدل وعدلت معه بإداوة فتبرز ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ، فقلت له: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى: "إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما؟ قال: واعجبا لك يا ابن عباس! هما عائشة وحفصة. ثم استقبل عمر الحديث يسوقه قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم فينزل يوما وأنزل أنا، فإذا نزلتُ جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من وحيٍ أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك. وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخِبْتُ على امرأتي فراجعتني، فأنكرتُ أن تراجعني. قالت: ولـِمَ تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل. فأفزعني ذلك وقلت لها: قد خاب من فعل ذلك منهن. ثم جمعتُ عليَّ ثيابي، فنزلت فدخلت على حفصة فقلت لها: أيْ حفصة، أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم. فقلت: قد خِبْتِ وخَسِرْتِ! أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلكي؟ لا تستكثري النبي صلى الله عليه وسلم ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك، ولا يَغُرّنّكِ أنْ كانت جارتك أوضأ منك وأَحَبَّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يريد عائشة. قال عمر: كنا قد تحدثنا أن غَسّان تنعل الخيل لغزونا، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته، فرجع إلينا عِشَاءً فضرب بابي ضربا شديدا، وقال :أثَمَّ هو؟ ففزعتُ فخرجتُ إليه، فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم. قلت: ما هو؟ أجاء غَسّان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأَهْوَل. طلّق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه. فقلت: خابت حفصة وخسرت. قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون. فجمعتُ عليَّ ثيابي، فصليت صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم مشربة له واعتزل فيها، ودخلتُ على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ ألم أكن حذرتك هذا؟ أطلَّقكن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا أدري. هاهو ذا معتزل في المشربة. فخرجت فجئت إلى المنبر، فإذا حوله رهط بيكي بعضهم، فجلست معهم قليلا، ثم غلبني ما أجد فجئت المشربة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر. فدخل الغلام فكلم النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فقال: كلمت النبي صلى الله عليه وسلم وذكرتُك له فصَمَتَ. فانصرفتُ حتى جلستُ مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت فقلت للغلام: استأذن لعمر. فدخل ثم رجع فقال: قد ذكرتك له فصَمَتَ. فرجعتُ فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فجئت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم رجع إليّ فقال: قد ذكرتك له فصمت. فلما ولّيْتُ منصرفا إذا الغلام يدعوني، فقال: قد أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم. فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثّر الرمال بجنبه، متكئا على وسادة من أدمٍ حَشْوها ليف. فسلمتُ عليه ثم قلت وأنا قائم: يا رسول الله، أطَلّقْتَ نساءك؟ فرفع إليّ بصره فقال: لا. فقلت: الله أكبر! ثم قلت وأنا قائم أستأنس: يا رسول الله، لو رأيتَني وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قلت : يا رسول الله، لو رأيتَني ودخلتُ على حفصة فقلتُ لها: ولا يَغُرَّنّكِ أنْ كانت جارتك أوضأ منك وأَحَبّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يريد عائشة. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسُّمةً أخرى، فجلست حين رأيتة تبسَّم، فرفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت في بيته شيئا يردّ البصر غير أُهُبٍ ثلاثة، فقلت: يا رسول الله، ادع الله فلْيوسِّع على أمتك، فإن فارس والروم قد وُسِّع عليهم وأُعْطُوا الدنيا، وهم لا يعبدون الله. فجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وكان متكئا فقال: أو في هذا أنت يا ابن الخطاب؟ إن أولئك قوم عجّلوا طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت: يا رسول الله، استغفر لي. فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعا وعشرين ليلة، وكان قال: ما أنا بداخلٍ عليهن شهرا، من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله. فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له عائشة: يا رسول الله، إنك قد أقسمت ألا تدخل علينا شهرا، وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أَعُدّها عَدًّا. فقال: الشهر تسع وعشرون. فكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة. قالت عائشة: ثم أنزل الله تعالى آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه فاخترتُه، ثم خير نساءه كلهن فقلن مثل ما قالت عائشة".
ومما يتعلق بتعدد زوجات النبى صلى الله عليه وسلم قول الخنزير يتساءل على سبيل الإنكار والاستنكار: "إذا كان صعبًا على الرجل أن يخدم امرأة واحدة ويرضيها ولا يُسخِط خالقه، فكيف يكون حال من يريد أن يصرف عنايته إلى رضى خمس عشرة امرأة وأَمَتين، مع ما أنت عارف من شغله من تدبير الحروب وتوجيه الطلائع لشنّ الغارات؟ فمتى يتفرغ للصوم والصلاة والعبادة وجمع الفكر وصرفه إلى أمور الآخرة، وما شاكل ذلك من أعمال الأنبياء؟". ثم يضيف قائلا: "ولست أشك في أنه لا نبي قبله ابتدع مثل هذا!". وهذا وذاك كذب مفضوح وسخف ورقاعة، لماذا؟ أولا لأن تساؤله لا معنى له إلا أن النبى لم يكن عنده وقت للصلاة والصيام والجهاد وما إلى ذلك، مع أن حياته كلها ذكر لربه وصلاة ومناجاة وصيام وجهاد واشتغال بأمور المسلمين. وله فى هذا الباب عجائب مدهشة، إلا أن الرقيع الكندى يريد أن يتجاهل حقائق التاريخ التى لا تقبل المماراة. ثم من قال إن المرأة عدوة بطبيعتها لله وللدين بحيث إنه لا يمكن المتزوج أن يرضى ربه؟ ومن قال إن الرجال لا يستطيعون إلا أن يخضعوا لنسائهم ولا يمكنهم أن يستقلوا بشخصياتهم؟ أهذه نظرة رجل طبيعى للمرأة؟ إن المرأة لكالرجل فى أنها يمكن أن تكون مؤمنة متدينة أو لا. كذلك فمن الممكن أن تكون مطيعة لزوجها بارة به أو عاصية له ناشزة عليه. أما فى النقطة الثانية فليس له عندنا إلا أن نقول: يا كذاب يا قرارى، لقد كان لكل من إبراهيم ويعقوب وداود مثلا أكثر من زوجة، وسليمان كانت له عشرات النساء. وأنت بكل تأكيد تعلم ذلك كما تعرف نفسَك الخبيثة النجسة، فكيف تزعم أنك لا تظن أن ثمة نبيا قبله كان يصنع هذا؟ ألا إنك لكذابٌ وقح! ثم لقد كان محمد، كما قلنا، صوّاما قوّاما رحيما كريما وصّالا للرحم لا ينسى أبدا من كانت له به علاقة ذات يوم، مثل مرضعته ثويبة وابنها ومرضعته حليمة السعدية وابنتها وصواحب خديجة، كما كان دائم الجهاد والنَّصَب فى سبيل الله. وفوق ذلك كان يقوم بواجباتٍ ألزم بها نفسه لا تُصَدَّق لنبلها السامق الشاهق. ومن هذه الواجبات أنه، وهو الحاكم الأعلى والرسول الأعظم، كان ينزل القبر ليدفن بيده الكريمة الفقراء من موتى المسلمين. لقد كان صلى الله عليه وسلم المثال الأعلى لأصحابه والمسلمين من بعدهم فى ميدان الخُلُق والسلوك والتقوى والمشاعر الكريمة المرهفة. وهنا يتحجج الخنزير الكندى بالرهبانية الكاذبة التى كان من أثرها أن انتشر الزنا والفجور بين الرهبان والراهبات، وكذلك لواط القساوسة بالغلمان فى الأديرة والكنائس حسبما نسمع ونقرأ عن تلك الفضائح التى انفجرت فى السنين الأخيرة فى أوربا وغير أوربا. ثم متى كان الزواج مذمة إلا إذا كان الشخص شاذا؟ وإلا فلم خلق الله النساء؟ ألكى نضعهن فى أصص الورد ونشمهن؟ فالزواج هو هذا الشم لهن والاستمتاع بهن. فدعك من رهبانيتك الكاذبة الخاطئة التى دفعت بابوات روما إلى الخنا حتى بأخواتهن، لعنة الله على كل عُتُلٍّ زنيم!
13- ويعود خنزيرنا مرة أخرى لإثارة موضوع العلامات التى على أساسها تتميز النبوة الصادقة من النبوة الزائفة، حاصرًا تلك المهمة العظيمة فى الإنباء بالغيب، وبذلك يقلب المائدة على سطحها ويرفع أرجلها إلى الأعلى متصورا بحماقته وجهله وحقده وضيق عطنه أنه يعدل المائل. ولقد سبق أن بينا أن النبى، أىَّ نبى، ليس ضارب ودع أو قارئ فنجان، بل هو مُرَبٍّ ومصلحٌ وقائدٌ وهادٍ، وهذا ما نفهمه من سيرة نبينا والتاريخ الجليل الخطير الذى تركه خلفه، أما إذا كان هناك نبوة من نوع آخر، نوع لا فرق بينه ولا بين الكهانة والعرافة وفتح المندل و"نبيّن زين" فهذا أمر لا صلة له بما نحن فيه، وليبحث ذلك الخنزير عن ناس آخرين يحدثهم بحديثه ذاك المتخلف مثله! ومع هذا فإن نبينا الكريم، وإنْ تكرر فى القرآن تأكيده بأنه لا يعلم الغيب، قد أخبر أصحابه وأمته فى القرآن والحديث كليهما بكثير من الغيوب التى وقعت كما قال، لكنها غيوب تاريخية ذات شأن خطير فى مسيرة الأمم والحضارات، وليست مسائل تافهة كضياع حمار أو سرقة بقرة. ألم يقل إن الروم سوف ينتصرون على الفرس فى بضع سنين؟ ألم يقل إن المسلمين سيفتحون القسطنطينية؟ ألم يقل إن دينه سوف ينتصر على الأديان كلها وإنه سيُزْوَى له ما بين المشرق والمغرب وإن راعى الغنم فى بلاد العرب سوف يسير بها فى البادية لا يخشى عليها إلا الله والذئب، وإن المسلمين سوف يدخلون المسجد الحرام رغم كل ما كان بينهم وبين قريش حامية حمى الوثنية ومانعتهم من الحج والعمرة؟ ألم يقل حين رأى فى إحدى غزواته شبح إنسان من بعيد: كن أبا ذر...إلخ فكان ذلك الشخص هو أبا ذر فعلا؟ ألم يقل إنه سيأتى على أمته يوم يكونون فيه غُثَاءً كغثاء السيل وإن الأمم سوف تتداعى عليهم كأنهم قصعة طعام؟ ولقد قال ذلك، والإسلام فى عنفوان مده وقوته مما لم يكن يخطر معه على بال أحد أنه بعد أن يصبح أتباعه سادة أقوياء يسيطرون على العالم سوف يحورون ضعفاء يسربلهم الخزى والهوان كما هو حادث منذ بضعة قرون؟ ألم يذكر ما فى عسل النحل من شفاء وعلاج؟ ألم يتكلم عن تاريخ الكعبة والبيت الحرام بما لم يأت فى الكتب الأخرى كتابية أو غير كتابية؟ ألم يحك كيف أن إبراهيم وإسماعيل قد جددا الكعبة ورفعا قواعدها بما لم يأت فى العهد القديم؟ ألم يقل إنه ابن الذبيحين بما يدل على أن إسماعيل وليس إسحاق هو الذبيح، وهو ما يناقض كذب مؤلفى العهد القديم الذين لم يستطيعوا مع ذلك أن يصنفروا كذبهم فقالوا إن إسحاق هو ابنه وحيده، مع أن إسحاق لم يكن وحيد أبيه يوما بل إسماعيل؟ ومع ذلك لم تكن هذه هى المهمة التى اصطفى الله محمدا من بين البشر جميعا للنهوض بعبئها. نعم لقد فعل محمد هذا، لكنه زاد فنقّى ما فى الكتاب المقدس من خرافات وأساطير ووثنيات وتناقضات يعرفها كل من قارن بين القرآن وبين ذلك الكتاب. ثم زاد محمد مرة أخرى فأصبحت النبوة على يديه، بفضل الله، إصلاحا اجتماعيا وفكريا واقتصاديا وعسكريا وأخلاقيا وعقيديا. ثم زاد مرة ثالثة فطبق مبادئه ونجح فى هذا التطبيق وانتشر دينه فى الآفاق فى حياته ولم يتطرق الفساد إلى الكتاب الذى أتى به لدغدغة مشاعر الجمهور وتملق ميوله ونزواته كما حدث للكتب الأخرى. أولو كان محمد نبيا كاذبا، أكان دينه ينتشر هذا الانتشار الرهيب فى كل أرجاء العالم حتى ليدخل فيه الآن، وأتباعه فى عز ضعفهم وهوانهم، كل هذه الأعداد الرهيبة من مختلف المهن والميول والأمم، وبخاصة من بين رجال الدين الكتابيين وغير الكتابيين والعلماء والفنانين والسياسيين؟ وانظر إلى دين موسى كيف وقف نموه فلم يتزحزح إلا بطلوع الروح حتى إنه لا يزيد فى العالم كله عن بضعة عشر مليونا رغم مرور كل هاتيك القرون، أما دين عيسى فلم ينتشر إلا بعد أن حوره وشوهه بولس حتى يتلاءم مع رغبات الجمهور الوثنى الذى لا يريد الالتزام بالشريعة الموسوية، فأصبح دينا سائبا لا قوام له، مع بعض التشنجات التى لا تؤكّل عيشا ولا يلتزم بها أحد، اللهم إلا فى الثرثرة ليس إلا. وللحق ما كنا نريد أن نتطرق إلى هذا الكلام لولا أن صاحبنا الأحمق قد تعدى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلم يدع لنا فرصة للاختيار إلا أن نرد بما نؤمن به، ولم نكن نريد أن نتحدث فيه لمعرفتنا أن كل صاحب دين لا يحب أن يتناوله أحد بانتقاد.
14- والمضحك أن الخنزير الكندى يسوق البَلَه على الشيطنة فيقول إن المسيح أكبر من أن يكون نبيا، لأنه هو باعث الأنبياء. طبعا، والدليل على هذا التنطع هو أنه ما من نبى قبله إلا وصرح بأجلى بيان بأنه مرسل من لدن عيسى بن مريم، مما يعج به أسفار العهد القديم وكل كتب الأديان الأخرى. ولا أظن القارئ إلا متنبها إلى أننى إنما أسخر هنا من هذا العلج الأحمق الذى يحسب أن الناس جميعا قد سُلِبوا عقولهم وأَضْحَوْا يستعملون بدلا منها أقدامهم وأحذيتهم. ألم يقرأ ما قاله السيد المسيح عن الله إنه إلهه، وإنه لا يمكن أن يسجد إلا له؟ هل الله يسجد لنفسه؟ فلماذا لم يقل إنه لن يسجد لأحد غير ذاته بدلا من هذه اللخبطة التى لا يمكن أن يقدم عليها سوى شخص مخمور أو معتوه؟ حاشا لله، وأستغفر الله! 
15- ويستمر الخنزير فى المداورة الضالة فيتساءل: "هل أجرى محمد معجزات باهرات؟"، ثم يجيب قائلا إننا "نسمعه يقول: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالإيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَلُونَ (سورة الإسراء 17:59). أي لولا أن يكذبوا بآياتك كما كذبوا بالآيات التي جاءهم بها الأولون من قبلك، لأعطيناك الآيات! وأنت تعلم أن هذا جواب مرفوض، لا يقنع أحدًا"! ولا أدرى كيف يكون مثل هذا الجواب مرفوضا، وهذا هو الكتاب المقدس يتحدث عن معجزات لموسى وعيسى أمام الجماهير، فماذا كانت النتيجة؟ ألم يشغب بنو إسرائيل على موسى عليه السلام ويتمردوا على ما جاءهم به ويرتكسوا فى أوحال الوثنية كلما تاحت الفرصة؟ ألم يختف، عندما جدّ الجِدّ وقبض الرومان على السيد المسيح لصلبه كما يزعم مؤلفو الأناجيل، كل أولئك الذين شفاهم المسيح والذين شاهدوه يشفيهم، وكذلك الذين أشبعهم من الطعام فى العراء مع أنه لم يكن فى يده إلا خمس سمكات ليس إلا، وكأنهم فص ملح وذاب؟ هل نفعت تلك المعجزات قضية الإيمان؟ كلا ثم كلا، وهذا ما قاله القرآن، فما وجه الخطإ إذن؟ وبالمناسبة فقد قال ذلك للمشركين الذين كانوا يقترحون المعجزات على سبيل التحدى لا لكى يؤمنوا به، وإلا فقد صنع الرسول عددا من المعجزات للمسلمين دون أن يطلبوها منه أو يتعنتوا بها عليه ذكرتْها كتب السيرة والأحاديث. وهذا أيضا ما قاله السيد المسيح عليه الصلاة والسلام حين تحداه بنو إسرائيل بأن يعمل لهم آية، إذ قال لهم بنفس النبرة: "جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تُعْطَى له آية إلا آية يونان النبى" (متى/ 12/ 39، 46، و16/ 4، ولوقا/ 11/ 29)! أما بالنسبة لمحمد فانظر كيف آمن به عليه السلام كل تلك الملايين المُمَلْيَنَة من النصارى واليهود بدءا من عصره حتى الآن، ومن مختلف قطاعات الشعوب، ومنهم الأحبار والقساوسة والملوك والرؤساء والعلماء وكبار رجال القوم حتى من أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا فى العصر الحديث، وهو ما لم يحدث فى الجهة المعاكسة مثله! فهذا ما يقوله العقل والمنطق والفهم السليم المستقيم لا الذى يهرف به كل سخيف أقرع العقل والقلب والضمير! ثم ماذا تعنى المعجزة لمن لم يشاهدها، وهم الناس جميعا ما عدا القلة القليلة التى كانت حاضرة ساعة وقوعها؟ الحق أنها لا تعنى شيئا، إذ من السهل القول بأن الأمر لم يتم كما قال الرواة، وأن شيئا غير عادى لم يقع، وأن المسألة لا تعدو أن تكون تخرصات كذابين. كذلك فإن رسالة سيدنا محمد كانت تدشينا لعصر جديد من عصور الحضارة البشرية، ألا وهو عصر العلم والتثبت العقلى دون الاعتماد فى الأساس على المعجزات، وهو العصر الذى نعيش فيه الآن وسوف تظل البشرية تعيش فيه بمشيئة الله، وهذا ما يميز رسالة النبى محمد عليه الصلاة والسلام، إذ يمتلئ القرآن من أوله إلى آخره بالحث على استخدام العقل واطراح التعصب والابتعاد عن صوت العواطف المضللة وإقامة الإيمان على التفكير المجرد المستقيم والتأمل فى سنن الله وعجائبه التى تبدو لأصحاب العقول الصغيرة أمورا معتادة لا تستحق عناء الوقوف إزاءها ولا التبصر فى دلالتها على القدرة الإلهية المعجزة. وفى هذا يقول الدكتور نظمى لوقا فى الصفحة التاسعة والستين بعد المائة من الطبعة الأولى من كتابه: "محمد- الرسالة والرسول"، وكأنه يرد على الكندى الرقيع: "لا دعوى ولا ادعاء، ولا مظاهرة من الخوارق والبوارق، وإنما الهداية إلى ما تطمئن به النفس ويستريح إليه العقل"، وصدق ابن لوقا!   
14- ولا يشاء المنكوس الفطرة إلا أن يضيف كذبة أخرى إلى أكاذيبه التى لا تنتهى والتى يتنفسها من فمه الأبخر المنتن، فهو يدعى أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول للمسلمين في حياته ويوصيهم إذا مات ألاّ يدفنوه لأنه سيُرْفَع إلى السماء كما ارتفع المسيح، إذ هو أكرم على الله أن يتركه على الأرض أكثر من ثلاثة أيام! لكن متى قال الرسول الكريم ذلك، وهو الذى كان حريصا دائما على التشديد على بشريته وأنه ميت مثلما الناس جميعا ميتون وأن الشمس التى كسفت يوم موت ابنه إبراهيم لم تكسف مشاركة له فى الحزن على الغلام الميت، بل جريا على نواميس الله الأزلية؟ وها هو ذا القرآن، وها هى تلك الأحاديث بين أيدينا، فليدلنا الكذاب على أى نص فيهما يقول هذا الذى يزعم! إن ذلك الوغد يكذب بكل برود ووقاحة جريا على سنة قومه فى الكذب والتزييف! وفى موت الصحابى الذى أكل من الشاة المسمومة فى خيبر يتساءل الكندى: "لماذا لم يَدْعُ محمد ربه فيجيبه كعهدنا بالأنبياء المشفعين في إحياء الموتى؟ فإن إيليا النبي قد أحيا ابن الأرملة بصرفة (1ملوك 17)، وهكذا أليشع تلميذ إيليا أقام ابن الشونمية من الموت (2ملوك 4)". ونجيبه بأن عيسى إذن ليس أفضل من هذين النبيين، ومن ثم لا معنى للقول بأنه إله لأنه أحيا الموتى، وإلا فهما أيضا إلهان مثله. وثانيا لماذا لم يصنع عيسى ذلك أيضا عندما مات يحيى بن زكريا؟ كذلك فمن بين النصارى الملاحدة من يتهمون عيسى بأنه قد دبر مع من يقال إنه أعادهم إلى الحياة أن يتماوتوا فيتظاهر هو بأنه يحيى الموتى. أى أن معجزاته عليه السلام لم تحسم الأمر. وأخيرا ما الحكمة الخطيرة التى تعود بالنفع على البشرية فى أن نحيى ميتا دون سائر الموتى؟ وهل أدت تلك المعجزة إلى أية نتيجة كما قلنا؟ والإجابة هى: كلا، فها هو ذا المسيح عندما صُلِب حسب اعتقاد القوم قد انفض عنه، أوّلَ ما انفضّ، تلاميذه والموتى الذين أحياهم والبُرْص والعُمْى والممسوسون الذين شفاهم، لم ينفعه من ذلك شىء. ثم لماذا لم يحي نفسه؟ بل لماذا لم يُعْمِ عيون أعدائه عنه كما أعمى الله عيون أعداء نبيه محمد عند الهجرة وعند قيامهم عند فوّهة غار ثور؟
15- ونأتى الآن إلى كلام الخنزير عن الجانب التشريعى الذى يتخذه تعلةً لتكذيب النبى محمد عليه الصلاة والسلام، إذ يقول لخصمه المسلم الموهوم: "دعني أناقشك في ما جاء به صاحبك من الشرائع والأحكام، فنقول إن الشرائع والأحكام لن تخرج عن ثلاثة أوجه: وذلك إما أن يكون الحكم حكمًا إلهيًّا، وهو حكم التفضُّل الذي هو فوق العقل والطبيعة ويليق بالله جل اسمه لا بغيره، ولا يشبهه سواه. وإما أن يكون حكمًا طبيعيًّا قائمًا في العقل مولودًا في الفكر يقبله التمييز ولا ينكره، وهو حكم العدل. وإما أن يكون حكمًا شيطانيًّا، أعني حكم الجور، وهو ضد الحكم الإلهي وخلاف الحكم الطبيعي. فأما الحكم الإلهي الذي هو فوق الطبيعة فهو التفضُّل الذي جاء به المسيح مخلص العالم سيد البشر الذي شهد له صاحبك إذ يقول: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (سورة المائدة/ 46). وذلك أن المسيح قال في إنجيله الطاهر: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الإشْرَارِ والصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الإبْرَارِ والظَّالِمِينَ (متى 5:44 ، 45). فهذا هو الحكم الإلهي، وشرائعه فوق الطبيعة وأعلى من العقل الإنساني، وهو حكم التفضّل والرحمة والعفو والتشبُّه بفعل الله الرؤوف الرحيم. والنحو الثاني هو الحكم الطبيعي والشريعة القائمة في العقل الجاري مع الغريزة، وهو ما جاء به موسى النبي بقوله في حكمه ما معناه العين بالعين، والسن بالسن، والنفس بالنفس، والضربة بالضربة، والجراح قصاص. فهذا حكم الطبيعة الداخل في قانون العقل، وهو حكم العدل والنصفة: أن تأتي الناس بمثل ما أَتَوْا به إليك، وتفعل بهم كما فعلوا بك: إنْ خيرًا وإنْ شرًّا. وليس ذلك مضاهيًا للحكم الإلهي. والنحو الثالث هو الحكم الشيطاني الذي هو الجور والشر بعينه. فأي هذه الأحكام الثلاثة وأي شريعة جاء بها صاحبك؟ فإن قلت إنه جاء بالأحكام الإلهية قلنا لك قد سبقه المسيح إليها بستمائة سنة. وإن قلت إنه جاء بالأحكام الطبيعية وشرائع العقل وسنن العدل قلنا قد سبقه إلى ذلك موسى النبي. فهذان حكمان قد عرفنا أصحابهما وأقررنا بهما. بقي الحكم الثالث الذي هو حكم الشيطان وشريعة الجور. فهل تقول إنه جاء بالحكمين معًا (يعني حكم المسيح وحكم موسى) وشرحهما في كتابه قائلاً: النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن... إلخ كما قال موسى ثم أَتْبعه بقول المسيح: وإن غفرتم فإنه أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (سورة المائدة/ 8)؟ فأنت تعلم أن هذا كلام متناقض، كقول القائل: "قائم قاعد"، و"أعمى بصير"، و"صحيح سقيم" في حال واحدة. وإن أقررت كل واحد من هذين الحكمين وادَّعيته فلا يدعك أصحابهما لأنهم ورثوه فصار في أيديهم حقًّا مسلَّمًا لهم، ويقولون لك إنك متعدٍّ ظالم تروم أخذ إرثنا من أيدينا، مع إقرارك أنت أنه لنا. فإن حاولت أخْذه فأنت غاصبٌ لا حقَّ لك، بل آتِنا أنت بما في يدك وعندك مما ليس في أيدينا ولا عندنا لنعلم أنك صادق في ادّعائك. ولا أظنك ترضى لصاحبك أن يكون تابعًا للمسيح وموسى، وأنت تزعم فيه وتدَّعي من الحظوة والقدر والمنزلة عند رب العالمين، وتجترئ على الله وتقول: لولا صاحبك ما خُلِق آدم ولا كانت الدنيا"!
هذا ما قاله الخنزير السفيه: فأما عن النوع الأول من التشريع فتعليقنا عليه هو: أين كان ذلك الحكم طوال عمر البشرية قبل إتيان عيسى؟ أكان الله ناسيه ثم تذكره؟ أم كان الله لا يبالى بالبشر وشرائعهم إلى أن جاء عيسى؟ أم ماذا؟ ثم كيف يمكن تطبيق ذلك الكلام الذى لا يزيد عن أن يكون "طَقّ حَنَك"؟ إنه غير قابل للتنفيذ، ولم يطبَّق يوما قَطّ. ومن أقرب الأدلة على ذلك هذا الهجوم السفيه على الرسول. فلنفترض أنه عدو للنصارى، فكيف يشتمونه ويتطاولون عليه؟ ولماذا لا يحبونه ويباركونه ويُولُونه الخد الأيسر كما تقضى شريعتهم؟ الحق أننا لم نسمع يوما بأن نصرانيا قد صنع ما تأمره به هذه الأحكام، فما داعيها إذن؟ إنها، لو نُفِّذت، لكفيلة بتدمير المجتمعات البشرية والإملاء للمجرمين فى إجرامهم وغَيّهم. إنها تشجيع لهم كى يبغوا فى الأرض بغير الحق ويذلوا الأخيار ويقتلوهم ويسرقوهم وينكّلوا بهم ويعتدوا على أعراضهم ويغتصبوا حقوقهم. وأما تعليقنا على النوع الثانى من التشريع حسب تصنيفه فهو أنه لا معنى له إلا أن موسى قد أتى بالحكم المذكور من عند نفسه وأن شريعة الله لا تدخل العقل وليس فيها حكمة ولا يمكن تطبيقها، وهو كلام فى منتهى الخطورة والكذب. ومعنى هذا أيضا أن الله ترك موسى يشرّع من عند نفسه تشريعات لم يُرِدْها ولا يرضاها ثم تركه ينادى بها ويدعو إلى تنفيذها ويطبقها أتباعه قرونا قبل أن يأتى بتشريعاته هو التى لا يمكن تطبيقها ولا تؤدى إلا إلى الضرر. ثم إن عيسى نفسه لم يستطع تطبيقها، فقد كان يلعن ليل نهار بنى إسرائيل، بل كان يشتم حوارييه ويتهمهم فى إيمانهم. كما أن التلاميذ والمرضى والموتى الذين شفاهم قد انصرفوا وتركوه، عندما جد الجِدّ، لمصيره الشنيع دون أن يستجيبوا لا هم ولا السماء لصياحه وآلامه وهو فوق الصليب يتعذب حسب روايات القوم.
أما الشريعة الذى أتى بها محمد فهى شريعة الله سبحانه وتعالى التى تقدم مثلا عفو أولياء القتيل عن القاتل فى مقابل الدية أو أجر الآخرة إذا أرادوا، وتُؤْثِر الستر على الزانى والزانية إلا إذا استعلنا بفاحشتهما ولم يباليا، فعندئذ لا يبالى بهما المجتمع ويطبق عليهما العقوبة... وهكذا. ولسوف نزيد المسألة بعض التفصيل فنقول إن ذلك الخنزير فى آخر كلامه السابق عند حديثه عن النوع الثالث من الشريعة يسأل الهاشمى الموهوم متعنتا متهكما: "فهل تقول إنه (أى الرسول الكريم) جاء بالحكمين معًا (يعني حكم المسيح وحكم موسى) وشرحهما في كتابه قائلاً: النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن... إلخ كما قال موسى ثم أَتْبعه بقول المسيح: وإن غفرتم فإنه أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (سورة المائدة/ 8)؟ فأنت تعلم أن هذا كلام متناقض كقول القائل: "قائم قاعد"، و"أعمى بصير"، و"صحيح سقيم" في حال واحدة. وإن أقررت كل واحد من هذين الحكمين وادَّعيته فلا يدعك أصحابهما لأنهم ورثوه فصار في أيديهم حقًّا مسلَّمًا لهم، ويقولون لك إنك متعدٍّ ظالم تروم أخذ إرثنا من أيدينا، مع إقرارك أنت أنه لنا. فإن حاولت أخْذه فأنت غاصبٌ لا حقَّ لك، بل آتِنا أنت بما في يدك وعندك مما ليس في أيدينا ولا عندنا لنعلم أنك صادق في ادّعائك". وواضح أن كلامه كلام نظرى لا علاقة له بالواقع، فأولا نحن نعرف أن السيد المسيح لم يأت بتشريع يتعلق بجريمة القتل، فلا مجال للقول إذن بأن الرسول عليه السلام قد خلط بين تشريعه وتشريع موسى من قبله كما يزعم الكندى. ومع هذا فإنه عليه السلام لم يأت بتشريع موسى القاضى بقتل القاتل ضربة لازب، بل قسم القتل إلى قتل عمد، وفيه اختيارات ثلاثة: إما القصاص، وإما الدية، وإما العفو الكامل، وكثيرا ما يأخذ أولياء القتيل بالدية أو يعفون عفوا كاملا عن القاتل ولا يصرون على القصاص منه، وهذا أمر جديد لم يكن فى تشريع موسى كما هو معروف. وفوق هذا فقد شدد الإسلام فى مسألة القتل العمد وبين أنها عند الله كبيرة من الكبائر مصير مرتكبها جهنم، وبئس المصير، وهذا أيضا شىء جديد ليس فى الشريعة اليهودية، إذ لا كلام فيها عن الآخرة وثوابها وعقابها. وأما فى مسألة الزنا فلنلاحظ أن السيد المسيح لم ينسخ الرجم، بل كل ما قاله فى الحادثة الوحيدة اليتيمة التى عُرِضَتْ عليه، وهو يشير إلى الزانية التى أحضروها أمامه: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر. ومعنى هذا أنه لم يقل بالعفو عن الزانية، بل اشترط ألا يكون المقيمون للحد عليها قد ارتكبوا نفس الخطيئة. ومن الواضح أن أولئك المرائين القساة القلوب كانوا جميعا يمارسون تلك الفاحشة فنزل رد عيسى عليهم نزول الصاعقة فألجمهم وأشعرهم بالخزى جَرّاءَ مباغتته لهم فتركوها وانصرفوا. ولو أن واحدا أو اثنين أو أكثر ردوا على عيسى عليه السلام قائلين إنهم سوف يرجمونها لأنهم لم يجترحوا تلك الخطيئة، فماذا تراه قائلا آنذاك؟ لا أظن إلا أنه كان سيخلّى بينهم وبين تطبيق العقوبة الواردة فى التوراة، وإلا لآخذوه بكلامه، وهو أن من كان منهم بلا خطيئة فليرجمها. والعجيب أن نفرا من أمثال أولئك المرائين الأنجاس قد أَتَوُا النبى محمدا عليه الصلاة والسلام بزانيين يهوديين يريدون أن يجدوا عنده حلا آخر سوى الرجم (أى على عكس ما كانوا يريدون من عيسى!)، فسألهما عن حكم الزنا فى التوراة، فظنوا أنهم يستطيعون أن يخفوا عنه ما تقوله شريعتهم لأنهما كانا من أشرافهما ولم يكونا كالمرأة المسكنية التى أَتَوْا بها عيسى عليه السلام، بَيْدَ أن النبى أصر على أن تنفَّذ فيهما العقوبة التى تنص عليها الشريعة عندهم. جاء فى "صحيح مسلم" أن "رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود، فقال: ما تجدون في التوراة على من زنى؟ قالوا: نسوّد وجوههما ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما. قال: فَأْتُوا بالتوراة إن كنتم صادقين. فجاءوا بها فقرأوها، حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها. فقال له عبدالله بن سلام، وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: مُرْه فليرفع يده. فرفعها، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجِما". وفى حديث آخر أنه "مُرّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمَّمًا مجلودًا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم، فقال: أَنْشُدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نَشَدْتَني بهذا لم أخبرك. نجده الرجم، ولكنه كَثُرَ في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالَوْا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع. فجعلنا التحميم والجَلْد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم، إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. فأمر به فرُجِم، فأنزل الله عز وجل: "يا أيها الرسول لا يَحْزُنْك الذين يسارعون في الكفر... إلى قوله: إن أُوتِيتُم هذا فخذوه" (المائدة/ 41) يقول: ائتوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. فأنزل الله تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" (المائدة/ 44)، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" (المائدة/ 45)، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" (المائدة/ 47) في الكفار كلها".
والآن إلى ما يقوله التشريع الإسلامى فى تلك القضية بالتفصيل: لنقرأ أولاً الآيات التالية من سورة "النور": "قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)"، ومن الواضح أن الآيات الكريمة تتناول موضوعا جديدا لم يتطرق له موسى ولا عيسى عليهما السلام، وهو سد الذرائع التى قد يكون من شأنها تميهد السبيل لارتكاب الزنا، وكذلك الإعلان عن الغفران الإلهى للفتيات المكرهات على ممارسة البغاء دون أن يكون لهن القدرة على الرفض. كذلك فإن الإسلام يؤثر الستر فى هذه المسألة، ففى "الموطإ" أن رجلا من أسلم اسمه هزال أتى إلى رسول الله يُنْهِى إليه خبر ارتكاب فلان فاحشة الزنا، وربما ظن أنه بهذه الشهادة قد أتى عملا عظيما، فما كان من النبى الكريم الرحيم إلا أن قال له: "يا هزال لو سترته بردائك لكان خيرا لك". وكان الرسول، حين يأتيه الرجل معترفا بأنه واقع الفاحشة، يعمل بكل سبيل على التثبت من ارتكابه الزنا فِعْلاً لا توهُّمًا، فيقول له مثلا: لعلك قبَّلْتَ! لعلك فاخَذْتَ! هل أنت سكران؟ هل أنت مجنون؟ أملا منه عليه السلام فى أن يرجع فيتوب إلى الله وينتهى الأمر عند هذا الحد، لكن عندما يجده مصرا على أقواله ويَثْبُت لديه أنه فعلا قد مارس الحرام لا يجد مناصا فى هذه الحالة من تطبيق العقاب عليه، وإلا تميعت الأمور وفسد المجتمع. من ذلك الحديث التالى فى "صحيح مسلم": "جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله، طَهِّرْني. فقال: ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه. قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله! طَهِّرْني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك! ارجع فاستغفر الله وتب إليه. قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيم أطهّرك؟ فقال: من الزنى. فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبه جنون؟ فأُخْبِر أنه ليس بمجنون. فقال: أشرب خمرا؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أزنيت؟ فقال: نعم. فأمر به فرُجِم. فكان الناس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك! لقد أحاطت به خطيئته! وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز: أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده ثم قال: اقتلني بالحجارة. قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة. ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس، فسلم ثم جلس فقال: استغفروا لماعز بن مالك. قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد تاب توبة لو قُسِّمَتْ بين أمة لَوَسِعَتْهم. قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله! طَهِّرْني. فقال: ويحك! ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه. فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك. قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حبلى من الزنى. فقال: آنت؟ قالت: نعم. فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك. قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت. قال: فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت الغامدية. فقال: إذا لا نرجمها وندع لها ولدها صغيرا ليس له من يرضعه. فقام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه يا نبي الله! قال: فرجمها". ليس ذلك فحسب، إذ لا شك أن ما جاءت به الآيتان التاليتان من سورة "النور" هو أيضا شىء جديد لم تعرفه شريعة موسى حسبما وصلتنا فى العهد القديم ولا عرض لها عيسى، عليهما السلام: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3

Open source productions