هتك الستار عما فى رسالة الكندىّ الحِمَار من عُوَار

رساله تافهه  يطنن بها المنصرون
د ابراهيم عوض

فى عَسَّةٍ من عَسّاتى التى لا تتوقف خلال المشباك وقعتُ فى بعض المواقع النصرانية على رسالتين دينيتين جداليتين منشورتين معا: الأولى من مسلم اسمه عبد الله بن إسماعيل الهاشمى إلى مسيحى يسمى عبد المسيح بن إسحاق يدعوه فيها إلى الإسلام، والثانية رد من هذا إلى ذاك يفند فيها الإسلام ويتطاول على الرسول الكريم ويبين له أن النصرانية أفضل من الدين الذى أتى به سيد الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام وأن المسيح إله نزل من عليائه وتجسد فى شكل بشر ليفدى العالم من خطيئته، على حين أن محمدا ما هو إلا نبى كذاب. وكان الهاشمى والكندى صديقين عربيين يعيشان فى أيام الخليفة العباسى المأمون بن هارون الرشيد، الذى يمت إليه عبد الله بن إسماعيل بآصرة القربى، ويشتغل فى خدمته عبد المسيح بن إسحاق على ما يقول ناشرو الرسالتين. ومن يقرأ ما كتبه هؤلاء الناشرون وما قدم به المستشرق وليام موير لرسالة الكندى فى ترجمتها الإنجليزية التى قام بها، يدرك مدى اعتزاز المبشرين بما كتبه الكندى ونظرهم إليه على أنه شىء متفرد ومتفوق على كل ما يشبهه من رسائل جدلية، إذ تثير فى وجه المسلم شبهات وبراهين لا يمكنه الرد عليها حسب تصورهم. ويمكن القارئَ العزيزَ أن يطالع هذا الكلام فى مقدمة وليام موير لرسالة الكندى المنشورة فى عدد من المواقع التبشيرية، وكانت فى الأصل ورقة ألقاها أمام الجمعية الاسيوية الملكية فى بريطانيا فى أوائل ثمانينات القرن التاسع عشر. وقد استفزتنى الرسالتان إلى قراءتهما ودراستهما بهدوء، فكان هذا الكتاب الذى بين يدى القارئ والذى يبين أن نَقْب هؤلاء الضالين المضلين طلع على شُونَة، فرسالة الكندى رسالة متهافتة أشد التهافت كما سوف يرى بنفسه. ومعنى هذا أن كلامهم عن خطورة رسالة الكندى هو أضغاث أحلام لا حقائق صلبة. كيف؟ تعالوا نطالع معا ما حبّره كاتوبى الظريف، لا حرمنى الله منه ولا من خفة دمه وسحر جماله الذى ليس على أحد! آمين يا رب العالمين!
1- وأول ما يثور فى الذهن عند مطالعة هاتين الرسالتين هو السؤال التالى: منذ متى كان الأصدقاء الحميمون على شاكلة الهاشمى والكندى يتحاورون فى الدين كتابة، وهم يتقابلون فى كل وقت، ويمكنهم النقاش شفاها؟ إن أقصى ما يمكن أن يقع هو قيام طرف ثالث بتسجيل ما دار فى أية مناقشة شفوية بينهما كما فى كثير من كتب المناظرات والمحاورات، مثل كتاب: "الإمتاع والمؤانسة" لأبى حيان التوحيدى، وبعض الصفحات فى كتب الجاحظ، لا أن يكتب كل منهما رسالة وكأنهما عدوّان لا يستطيعان أن يتفاهما دون عراك وتشاتم، أو شخصان متباعدان لا يتقابلان أصلا، ومن ثم لا يمكن أن يتم حوار شفوى بينهما. والمفروض أن كلا منهما قد اطلع، من خلال المناقشات الشفوية، على ما فى ضمير الآخر وعرف ما يجنه من أفكار وآراء، وأدرك أنه من الصعوبة بمكان، إن لم يكن من الاستحالة فى ظل الظروف القائمة آنذاك، أن يتنازل عن شىء من هذه الأفكار أو الآراء، وإلا لكان قد ظهر فى خلال النقاش أنه مستعد لهذا التغيير، إن لم يكن قد تغير فعلا، وعندئذ لا داعى لكتابة مثل هذه الرسائل لأنها ستكون فى هذه الحالة "تطبيلا فى المطبَّل" كما يقولون فى الريف عن المسحِّراتى الذى يترك الأحياء التى لم يضرب طبلته فيها ويعيد التطبيل فى تلك التى سبق أن طبّلها وأيقظ سكانها ليتناولوا سَحُورهم، فما بالنا إذا كان الأمر يتعلق بالعقائد والأديان؟
2- الثانية هى ما قدم به الناشرون لهاتين الرسالتين، فقد قالوا: "في القرن التاسع الميلادي، في زمن الخليفة (العباسى) عبد الله المأمون (سنة 247هـ و861م)، كتب مسلم تقي هو عبد الله بن إسماعيل الهاشمي رسالة لصديق له مسيحي، هو عبد المسيح بن إسحق الكِنْدي، يدعوه فيها إلى الإسلام. وكان عبد الله معروفًا بالتقوى وشدة القيام بفروض الإسلام، كما كان عبد المسيح مشهورًا بتقواه وتمسّكه بالمسيحية، كما كان في خدمة الخليفة مقرَّبًا إليه. وقد ذكر الرسالتين أبو ريحان محمد بن أحمد البيروني في كتابه: "الآثار الباقية عن القرون الخالية". وقد قيل إن أمر الرسالتين بلغ الخليفة المأمون، فأمر بإحضارهما وقُرِئتا عليه. فلم يزل ناصتًا حتى جاء إلى آخرهما فقال: ما كان دعاه إلى أن يتعرض لما ليس من عمله حتى أجاز كتاف نفسه؟ فأما النصراني فلا حُجّة لنا عليه، لأن الأمر لو لم يكن عنده هكذا لما أقام على دينه. والدين دينان: أحدهما دين الدنيا، والآخر دين الآخرة. أما دين الدنيا فالدين المجوسي وما جاء به زرادشت، وأما دين الآخرة فهو دين النصارى وما جاء به المسيح. وأما الدين الصحيح فهو التوحيد الذي جاء به صاحبنا، فإنه الدين الجامع الدنيا والآخرة". وجاء فى ذلك التقديم أيضا: "كان في زمن عبد الله المأمون أحد نبلاء الهاشميين، وأظنه من ولد العباس، قريب القرابة من الخليفة، معروفٌ بالنسك والورع والتمسك بدين الإسلام وشدة الإغراق فيه والقيام بفرائضه وسننه، مشهور بذلك عند الخاصة والعامة. وكان له صديق من الفضلاء ذو أدب وعلم، كِنْدي الأصل مشهور بالتمسك بدين النصرانية، وكان في خدمة الخليفة وقريبًا منه مكانًا. فكانا يتوادّان ويتحابان ويثق كل منهما بصاحبه وبالإخلاص له. وكان أمير المؤمنين المأمون وجماعة أصحابه والمتصلون به قد عرفوهما بذلك، وهما عبد الله بن إسماعيل الهاشمي، وعبد المسيح بن إسحق الكِنْدي". وهو نفس ما قاله ناشرو الطبعة الإنجليزية لرسالة الكندى سنة 1887م، تلك الطبعة التى قدم لها وليام موير أحد عتاولة الاستشراق فى عصره. وهذا نص ما كتبوه على الغلاف الخارجى: "THE APOLOGY OF AL KINDY, WRITTEN AT THE COURT OF AL MÂMÛN (Circa A.H. 215; A.D. 830), IN DEFENCE OF CHRISTIANITY AGAINST ISLAM. With an essay on its Age and Authorship read before the Royal Asiatic Society by SIR WILLIAM MUIR, K.C.S.I. LL.D. D.C.L.; PRINCIPAL EDINBURGH UNIVERSITY; AUTHOR OF "THE LIFE OF MAHOMET," "ANNALS OF THE EARLY CALIPHATE," ETC. SECOND EDITION. PUBLISHED UNDER THE DIRECTION OF THE TRACT COMMITTEE. LONDON: SOCIETY FOR PROMOTING CHRISTIAN KNOWLEDGE, NORTHUMBERLAND AVENUE, CHARING CROSS, W.C.; 43, QUEEN VICTORIA STREET, E.C.  26, ST. GEORGE''S PLACE, HYDE PARK CORNER, S.W. BRIGHTON : 135, NORTH STREET. NEW YORK: E. & J. B. YOUNG & CO. 1887"
وهذا كلام لا يدخل عقل صبى ولا امرأة عجوز مخرفة، لأنه لو كان هذا الهاشمى وذلك الكندى معروفين على النحو الذى يذكره التقديم لكانت كتب التراث امتلأت بخبر تلك المناظرة، وبخاصة أن النصرانى قد نال فيها من الرسول والعرب والمسلمين نَيْلاً وقحًا شنيعًا بخلاف ما زعمه وليام موير فى ص 16 من مقدمة النشرة الإنجليزية للرسالة من أن الكندى إنما تحدث عن الرسول باحترام مع تفنيده ادعاءات محمد بعنف، وانتقاده الإسلام بمنتهى القسوة. وهذا نص كلامه كما جاء فى الأصل الإنجليزى: "While our Apologist speaks respectfully of the person of Mahomet, he vigorously denounces his claims as a prophet, and attacks the whole system of Islam with uncompromising severity "، وهو كلام كاذب، فقد قال الكندى عن رسول الله عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات مثلا مخاطبا الهاشمى: "صاحبك أعرابي جلْف، فخَطَر خاطرٌ في قلبه فسجَعه بلسانه وصار به إلى قومٍ بَدْوٍ فتقرَّب به إليهم، وهم يشهدون في كتابهم أن الأعراب أشدّ كفرًا ونفاقًا"، وهذا مجرد مثال ليس إلا. نعم لو كان هذا الهاشمى وذلك الكندى معروفين على النحو الذى يذكره التقديم لكانت كتب التراث امتلأت بخبر تلك المناظرة، ولكان انبرى للرد على الكندى الوقح السافل وتطيين عيشته وعيشة أهله كثير من الكتاب. وهذا إن سكتت السلطات أصلا عن هذه السفاهة والسفالة ولم تؤدّبه الأدب الشرعى الذى ينبغى أن يتلقاه كل مجرم زنيم. أما أن يصمت الجميع ويكفأوا على الخبر ماجورا فهذا ما لا يمكن أن يكون، وبخاصة أن هناك كتبا كثيرة جدا فى الأدب الجدالى حبرتها يراعات المفكرين المسلمين كالجاحظ وابن حزم والقرطبى والغزالى والجوينى وابن تيمية، فضلا عن أحبار اليهود وقساوسة النصارى الذين أسلموا ولم يعتّموا أن أَدْلَوْا هم أيضا بدلوهم بوصفهم من أهل البيت العارفين بخباياه المطلعين على أسراره، الجديرين بأن تكون كلمتهم أشد وقعا وأصوب للهدف. فكيف يمكن أن نتخيل سكوت الكتّاب ورجال الحاشية المأمونية عن الرد على ذلك العلج السفيه؟ أو كيف يمكن أن نصدق أن المأمون، سيد العالم فى وقته، قد علم بأمر هذه الرسالة وسكت عن سفالة الكافر المجرم التى سوّدها فلم يسوِّد عيشته لو كان له وجود حقيقى، ولم تكن الرسالتان منسوبتين زورا لشخصين لم يكن لهما حقيقة، وإنما كتبهما شخص آخر لم يصرح باسمه، ولم يكن يعيش فى عصر المأمون بتاتا كما سوف يتبين بعد قليل؟ بل كيف يمكن أن نصدق تسمية المأمون لرسول الله بـــ"صاحبنا" فى قوله: "وأما الدين الصحيح فهو التوحيد الذي جاء به صاحبنا"! إن هذا لهو المستحيل بعينه!
ذلك أن كاتب الرد المعلن هو شخص اسمه "عبد المسيح بن إسحاق الكندى"، كان قد تلقى رسالة من شخص مسلم يدعى: "عبد الله بن إسماعيل الهاشمى"، فكتب ردا عليها نال فيها من العرب والرسول والإسلام نيلا تجاوز كل الحدود، ولم يترك شيئا فى الإسلام دون أن يتناوله بالتحقير، وهذا الـ"عبد المسيح" لا وجود له فى كتب التراث بأى حال، اللهم إلا إشارة عارضة فى كتاب البيرونى: "الآثار الباقية عن القرون الخالية" ذكر فيها شيئا المفروض أن الكندى قد قاله فى كتابه عن الصابئة، وهذا كل ما هنالك. أمّا مَنِ الكندى هذا فلا أحد يعرف، حتى لقد ظن المستشرق ساخاو (ناشر الطبعة الإنجليزية من كتاب البيرونى: "الآثار الباقية عن القرون الخالية" عام 1879م بعنوان "The Chronology of Ancient Nations") أنه هو الكندى الفيلسوف، وهذا موجود فى الملاحظات الملحقة فى آخر الكتاب (الملاحظة رقم 187 الموجودة فى صفحة 419 على وجه التحديد)، وإنْ علّق وليام مُوِير (ص 6 من مقدمته لترجمة الرسالة المنسوبة للكندى) بأن ذلك غير ممكن لأن الكندى الفيلسوف كان مسلما لا نصرانيا، ومن ثم لا يُعْقَل أن يكون هو كاتب الرسالة التى تهاجم الإسلام وتنتصر للنصرانية.
ومع هذا فإن لويس شيخو الكذاب، وهو معروف بوقاحته وجمود وجهه وغِلَظ جلده حتى لقد جعل كل شعراء الجاهلية الوثنيين نصارى مما أثار عليه بلديّه الكاتب اللبنانى النصرانى الساخر مارون عبود فتهكم على هذا التعميد العجيب الذى يُسْتَخْدَم فيه الحبر بدلا من الماء، هذا الـ"شيخو" الكذاب يمضى فى الغَىّ والتنطع فيزعم أن الكندى كاتب الرسالة هو فعلا الكندى الفيلسوف المعروف، ثم يتمادى فى بطلانه قائلا إنه نصرانى وإن أباه كان يتولى الكوفة للمهدى والرشيد الخليفتين العباسيين، وكأن من الممكن أن يتولى نصرانى فى تلك الأيام ولاية فى الدولة الإسلامية، فضلا عن أن تكون تلك الولاية هى الكوفة التى تقع قريبا من دست الحكم فى بغداد. ومع هذا كله لا يكتفى المتنطع بذلك، بل يضيف أن عبد المسيح بن إسحاق هو من أنسباء هذا الفيلسوف يعقوب بن إسحاق. فانظر، بالله عليك أيها القارئ، لهذه البجاحة التى لا مثيل لها فى الأولين والآخرين، وتعجب ما حلا لك التعجب، فلن تقضى من ذلك العجب حتى لو ظللت تتعجب إلى يوم الدين! ولو كان الكندى الفيلسوف رجلا نكرة، أو كان عليه خلاف كأن يكون نصرانيا هو أو أبوه مثلا ثم أسلم، إذن لكان هناك بعض العذر لشيخو الكذاب، أما أن يكون الكندى مسلما من سلالة مسلمين فى سلسلة طويلة تمتد راجعة فى التاريخ إلى عصر النبى عليه السلام بحيث يكون جده البعيد صحابيا من صحابة رسول الله، فهذا ما يقطع كل عذر لذلك الكذاب الذى لا يعرف وجهه شيئا اسمه الحياء. وهذا يعطيك فكرة عن الأساليب المداورة التى يلجأ إليها هؤلاء القوم الذين مرودوا على التحريف والتكذيب والتزييف طَوَال تاريخهم، وبالذات بعد أن جاء رسول الله بالإسلام، نكايةً منهم فيه صلى الله عليه وسلم وفى دينه، وهيهات! ولنلاحظ كذلك أن شيخو لم يذكر لنا من أين استقى ما قاله عن عبد المسيح ذاك، وهذا أمر طبيعى، فهو من بُنَيّات خياله السقيم ليس إلا، إذ ليس لذلك الرجل ذكر فى كتب التراث كما قلت آنفا.
وهذا نص ما كتبه شيخو الكذاب فى كتابه: "مجانى الأدب فى حدائق العرب" عن الكندى الفيلسوف: "هو يعقوب بن إسحاق الكندي النصراني. وكان شريف الأصل بصريًا، وكان أبوه إسحاق أميرًا على الكوفة للمهدي والرشيد. ويعقوب هذا أوحد عصره في فنون الآداب، وشهرته تغني عن الأطناب. وكان له اليد الطولى بعلوم اليونان والهند والعجم متفننًا عالمًا بالطب والمنطق وتأليف اللحون والهندسة والهيئة والفلسفة، وله في أكثر هذه العلوم تآليف مشهورة. ولم يكن في العرب من اشتهر عند الناس بمعاناة علم الفلسفة حتى سموه: "فيلسوفًا" غير يعقوب. وكان معاصرًا لقسطا بن لوقا الفيلسوف البعلبكي النصراني، واستوطن بغداد وأخذ عن أبي معشر البلخي. ومن أنسباء يعقوب هذا عبد المسيح بن إسحاق الكندي، وله رسالة مشتهرة فنّد فيها اعتراضات ابن إسماعيل الهاشمي على النصرانية ذكرها أبو الريحان البيروني في تاريخه". والحق أن هذا الكذاب يكذب تلك الكذبة البلقاء البجحة دون خجل، فالكندى الفيلسوف مسلم لم يقل أحد قط إنه نصرانى غيره، علاوة على أن المهدى والرشيد لا يمكن أن يوليا نصرانيا ولاية، فضلا عن أن تكون ولاية الكوفة. كما أن عبد الله الهاشمى كان بعد المأمون بزمن طويل، وهو ما سنعرفه بعد قليل كما قلنا، فلا شأن له بذلك الخليفة إذن!
وفى "الفهرست" لابن النديم نقرأ فى ترجمة الكندى الفيلسوف ما يلى: "هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن كندة وهو ثور بن مرتع بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن الهميسع بن زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب، فاضل دهره وواحد عصره في معرفة العلوم القديمة بأسرها، ويسمى: فيلسوف العرب. وكتبه في علوم مختلفة مثل المنطق والفسفة والهندسة والحساب والأرثماطيقى والموسيقى والنجوم وغير ذلك. وكان بخيلا، إنما وصلنا ذكره بالفلاسفة الطبيعيين إيثارًا لتقديمه لموضعه في العلم. ونحن نذكر جميع ما صنفه في سائر العلوم إن شاء الله تعالى"، فهو مسلم بن مسلم بن مسلم بن مسلم، أى مسلم أصيل فى الإسلام كما هو واضح.
وفى "القانون فى الطب" لابن سينا نقرأ عن الكندى أيضا: "يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها. وكان أبوه إسحاق بن الصباح أميرًا على الكوفة للمهدي وللرشيد. وليعقوب بن إسحاق الكندي من الكتب: كتاب الفلسفة الأولى فيما دون الطبيعيات والتوحيد. كتاب الفلسفة الداخلة والمسائل المنطقية والمعتاصة وما وافق الطبيعيات. رسالة في أنه لا تُنَال الفلسفة إلا بعلم الرياضيات. كتاب الحث على تعلم الفلسفة. رسالة في كمية كتب أرسطوطاليس. كتاب في قصد أرسطوطاليس في المقولات. رسالته الكبرى في مقياسه العلمي، وغيرها كثير".
وفى "طبقات الأطباء" لابن أبى أصيبعة: "يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها، وهو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكبر بن الحرث الأصغر بن معاوية بن الحرث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كندة بن عفير بن عدي بن الحرث ابن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وكان أبوه إسحاق بن الصباح أميرًا على الكوفة للمهدي والرشيد، وكان الأشعث بن قيس من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم، وكان قبل ذلك ملكًا على جميع كندة، وكان أبوه قيس بن معدي كرب ملكًا على جميع كندة أيضًا عظيم الشأن، وهو الذي مدحه الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة، بقصائده الأربع الطوال التي أولاهن: "لعمرك ما طول هذا الزمن". والثانية: "رحلت سمية غدوة أجمالها". والثالثة: "أأزمعت من آل ليلى ابتكارا؟". والرابعة: "أتهجر غانية أم تلم؟". وكان أبوه معدي كرب بن معاوية ملكًا على بني الحرث الأصغر بن معاوية في حضرموت، وكان أبوه معاوية بن جبلة ملكًا بحضرموت أيضًا على بني الحرث الأصغر، وكان معاوية بن الحرث الأكبر وأبوه الحرث الأكبر وأبوه ثور ملوكًا على معبد بالمشقر واليمامة والبحرين. وكان يعقوب بن إسحاق الكندي عظيم المنزلة عند المأمون والمعتصم وعند ابنه أحمد، وله مصنفات جليلة ورسائل كثيرة جدًّا في جميع العلوم".
وفى "أخبار العلماء" للقفطى: "يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكبرين الحارث الأصغر بن معاوية بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرقع بن كندة بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كيلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، أبو يوسف الكندي المشتهر في الملة الإسلامية بالتبحر في فنون الحكمة اليونانية والفارسية والهندية، المتخصص بأحكام النجوم وأحكام سائر العلوم، فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها. وكان أبو إسحاق بن الصباح أميرًا على الكوفة للمهدي والرشيد، وكان جده الأشعث بن قيس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قبل ذلك ملكًا على جميع كندة، وكان أبوه قيس بن معدي كرب ملكًا على جميع كندة أيضًا عظيم الشأن وهو الذي مدحه أعشى قيس بقصائده الأربع الطوال...".
فهذا نسب الكندى، وهو كما ترى نسب معروف ليس عليه أدنى خلاف، ومظنّة أن يكون شيخو جاهلا بهذا النسب مستحيلةٌ تمام الاستحالة، فهو من مؤرخى الأدب العربى، علاوة على أنه يعرف والد الكندى وعمله وولايته على الكوفة أيام المهدى والرشيد، بما يدل على أنه يعرف كل شىء عن الرجل بما فى ذلك نسبه، لأن كلام المؤرخين عن والد الكندى إنما ورد فى تضاعيف الكلام عن نسبه كما رأينا. فتأمل أيها القارئ هذه الأساليب القذرة التى يلجأ إليها بعض الناس فى حربهم ضد الإسلام، ثم يرمون المسلمين بعد هذا بكل بجاحة بعيوبهم هم، ولا يخجلون!
وكى يتبين القارئ كم كان شيخو الكذاب مُلِمًّا بالتراث العربى الإلمام الذى يستحيل معه أن يكون على جهل بدين رجلٍ كالكندى الفيلسوف الذى طارت شهرته فى الآفاق حتى لقد سَمَّوْه: "المعلّم الثانى" بعد أرسطو المعلم الأول ننقل له النص التالى فى التعريف بشيخو، وهو بقلمه لا بقلم أحد آخر، إذ قال معرفا بنفسه فى كتابه: "تاريخ الآداب العربية": "الأب لويس شيخو مدير مجلة المشرق، له مصنفات مختلفة منها دينية ولاهوتية كالبرهان الصريح في لاهوت السيد المسيح، ومجموعة مقالات دينية لقدماء كتبة النصرانية، وتراجم بعض القديسين كالقديس يوحنا الدمشقي والقديس بطرس كانيزيوس والطوبوي بلرمينوس، وأولياء الله في لبنان، والتعبد لطفولية السيد المسيح. ومنها جدالية كالأناجيل القانونية وأناجيل الزور، ومحاورات جدالية، وردود مختلفة على التنير، والمجلات الوطنية، وكشف أسرار الشيعة الماسونية. ومنها فلسفية كمجموعة مقالات فلسفية لقدماء الفلاسفة، ومقالات في النفس، والضمير والتساهل الديني، والألفاظ السحرية. ومنها كتابية في شرح مشاكل واردة في الأسفار المقدسة وتفنيد آراء فاسدة فيها. ومنها تاريخية كبيروت أخبارها وآثارها وكتاريخ جزيرة العرب حاضرًا، وتاريخ الحرب الكونية، وتاريخ النصرانية وآدابها في عهد الجاهلية، وتاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر وفي الربع الأول من القرن العشرين، والمخطوطات العربية لكتبة النصرانية، وتاريخ أساقفة طور سينا، وتاريخ الطباعة في الشام وفلسطين والعراق، ووصف مخطوطات المكتبة الشرقية (خمسة أجزاء)، وتاريخ الرهبانية اليسوعية، والطائفة المارونية، وتاريخ النهضة الأدبية في حلب، وتاريخ القصادة الرسولية في الشام، وابن العبري تاريخه وآثاره. ونشر من التواريخ تاريخ بيروت وأمراء الغرب لصالح بن يحيى، وتاريخ شاكر بن الراهب، وتاريخ سعيد بن بطريق مع ملحقه لسعيد بن يحيى الإنطاكي، وتاريخ محبوب المنبجي، وتاريخ طبقات الأمم لأبي القاسم صاعد الأندلسي، وتاريخ حوادث لبنان ودمشق سنة 1860. وله في اللغة كتاب نزهة الطرف في مختصر الصرف، والوسائل لترقية اللغة العربية واللغة العامية بازاء اللغة الفصيحة. ونشر من كتب اللغة الألفاظ الكتابية للهمذاني، وفقه اللغة للثعالبي، وتهذيب الألفاظ لابن السكيت، وكتاب الكتاب لابن درستويه، والبلغة في شذور اللغة، وغراماطيق عربي في اللاتينية مع منتخبات ومعجم. وفي الأدبيات الشعرية كتاب شعراء النصرانية في عهد الجاهلية ثم بعد الإسلام، ونشر دواوين الخنساء والخرنق والسمؤل والمتلمس وسلامة بن جندل وأبي العتاهية ومراثي شواعر العرب وحماسة البحتري. وله في الأدبيات النثرية والمنتخبات ترقية القارئ، ومرقاة المجاني، ومجاني الأدب مع شروحه، وأطرب الشعر وأطيب النثر، والأحداث الكتابية، والتشابيه النصرانية في شعراء الجاهلية، وأطيب الفكاهات في أربع روايات، وروضة الأحداث في أطايب الأحداث، ونشر منها كليلة ودمنة عن أقدم نسخة مؤرخة، وكتاب فضائل الكلاب لابن المرزبان، وقانون وزارة بني عثمان أصاف نامه. وله أسفار وسياحات شتى كسفره من بيروت إلى الهند وأسفاره إلى حمص وحماة وحلب ودمشق وجبيل مع ذكر آثار كل مدينة. وكتب فنية كمقالة الضوء لأرسطو، والآلات المنغمة لمورستوس، والآلات المزمرة لبني موسى، والمكحلة للصقلي.
أما بالنسبة لعبد الله بن إسماعيل فنقرأ فى "تاريخ الإسلام" للذهبى  تحت عنوان "وفاة الهاشمي خطيب جامع المنصور": "وفيها (أى فى سنة 350 هـ) تُوُفِّيَ أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل الهاشمي خطيب جامع المنصور، وكان ذا قعدد في الأبوة، فإنه في طبقة الواثق، إذ هو عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى بن المنصور أبي جعفر". وفى "النجوم الزاهرة" لابن تغرى بردى أيضا أن عبد الله بن إسماعيل هذا توفى سنة 350هـ، وأنه كان خطيبا لجامع المنصور مثل أبيه، وأنه كان من بنى العباس، وفى طبقة هارون الواثق فى علو النسب. فإذا عرفنا أن المأمون وُلِد سنة 170هـ، ومات سنة 218هـ، تبين لنا أن بينه وبين الهاشمى هذا أكثر من قرن. ويبدو أن هذا الهاشمى كذلك من رواة الحديث، إذ ورد نفس الاسم فى عدد من روايات أسباب النزول فى كتاب الواحدى، وفى سلسلة بعض الأحاديث فى كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبى مثلا. ومع ذلك فإنى لا أظن أنه هو مؤلف الرسالة التى تدعو الكندى المزعوم إلى الإسلام للأسباب التى سوف يطّلع عليها القارئ فى هذا الكتاب.
3- ليس ذلك فقط، بل إن النص الذى ورد عند البيرونى واستشهد به هؤلاء المفترون الكذابون لَيدينهم إدانة باهظة، إذ هو يجرى على النحو التالى: "وكذلك حكى عبد المسيح بن اسحاق الكندى النصارى عنهم (أى الصابئة) فى جوابه عن كتاب عبد الله بن اسماعيل الهاشمى أنهم يُعْرَفون بذبح الناس، ولكن ذلك لا يمكنهم اليوم جهرا". وقد علق عليه وليام موير فى ص 17 من النشرة الإنجليزية للكتاب بأن هذا الكلام موجود فى ص 25 (وأحسبه يشير إلى نشرة جمعية ترقية المعارف المسيحية التى صدرت في لندن عام 1885م)، ونصه: "لا يكاتمون (أى الصابئة) ولا يسترون منها شيئًا غير القرابين التى يتخذونها من الناس، فإن ذبح الناس لا يتهيّأ لهم اليوم جهرًا، بل يحتالون فيه فيفعلونه سرًّا". لكن هذا الكلام، فى الواقع، غير موجود لا فى رسالة الكندى ولا فى رسالة الهاشمى الموجودتين بين يدينا الآن، فما معنى ذلك؟ معناه أن المسألة كلها مملوءة بالاضطراب وأن ما بين أيدينا من رسالة الكندى لم يكن هكذا فى الأصل، بل اعترته تغييرات، وربما لم تكن تحتوى على الكلام المنحط فى حق الرسول عليه السلام، بل هو من إضافات بعض الخنازير من المتأخرين، فضلا عن أن البيرونى لم يقل إنه رأى رسالة الهاشمى، بل كل ما هنالك أنه نقل نصا من رسالة الكندى فقط. وهكذا يتبين للقارئ الكريم أن الجريمة الكاملة لا وجود لها مهما تكن عبقرية المجرم، فما بالنا والمجرم هنا هو جنس المبشرين، وهم أكذب خلق الله، ولا يتورعون عن اللجوء إلى أخس الأساليب فى حرب الإسلام. وعلى كل فإن البيرونى هو من أهل القرن الرابع الهجرى، أى ليس كلامة حجة على أن الهاشمى والكندى كانا من معاصرى المأمون.
4- وهذا يقودنا إلى النقطة الرابعة، وهى العصر الذى عاش فيه صاحبا الرسالتين لو كانا هما فعلا الهاشمى والكندى المذكورين: فأما عبد المسيح فكل ما وجدناه عنه هو زعم لويس شيخو الكذاب أنه من أنسباء الفيلسوف الكندى المشهور الذى جعله نصرانيا دون أدنى خجل، وهو طبعا كلام مرفوض جملة وتفصيلا لمخالفته حقائق التاريخ التى لا تجرى على هوى أحد، سواء كان هذا الأحد شيخو أو ميخو أو برابيخو، بل يجب على شيخو وغير شيخو العُنُوّ لها والخضوع أمام سطوتها دون التنطع ولو بكلمة واحدة. ولو كان عبد المسيح هذا ذا وجود تاريخى حقيقى، فأين يا ترى كتاباته الأخرى مادام صاحب أسلوب وقدرة على الجدل والوقاحة بالشكل الذى تعكسه رسالته؟ إن مثله لا يمكن أن يَبِيض هذه البيضة الوحيدة ثم يصوم عن البيض إلى الأبد، بل لا بد لمثله من مواصلة التأليف والدخول مع المسلمين فى جدالات أخرى، وبخاصة أن الكتب الإسلامية فى دراسة النصرانية وتخطئتها كثيرة متنوعة، ومن شأنها أن تستفز إلى الجدال كل صاحب قلم من أهلها، فإن لم يكن عبد المسيح أحد هؤلاء الذين تستفزهم تلك الكتابات فمن يا ترى سوف تستفزه؟ كما أن مثله لن يكتفى بالكتابة فى الدفاع عن دينه، بل سوف يكتب فى شرح عقيدته وعبادات ديانته للجمهور، وكذلك سوف يكتب عن تاريخها ورجالها وما إلى ذلك. فأين تلك الكتب؟ وأما بالنسبة لذلك الهاشمى فيقول ساخاو (ص 187) إنه لا يعرف شيئا عن عبد الله بن إسماعيل هذا. وقد حاولت أنا أن أصل إلى شىء يزيل تلك الظلمات المتراكبة حوله فلم أجد أحدا بهذا الاسم إلا رجلا فى القرن الرابع الهجرى لا الثانى الذى كان يعيش فيه المأمون العباسى. وهذا الرجل هو أحد رواة الأحاديث، وكان يشتغل خطيبا لجامع المنصور ببغداد كما سلف القول. أى أن كل ما قيل عن أنه من أقرباء المأمون، وأن ذلك الخليفة قد علم بما كان بينه وبين عبد المسيح المكذوب من جدال وقرّعه على التصدى لأمر لا يحسنه هو كلام فى الهجايص، لأنه من الناحية التاريخية مستحيل تمام الاستحالة، إذ يفصل بينه وبين المأمون قرن كامل حسبما رأينا، فهل من الممكن أن يتعاصر شخصان يفصل بينهما عشرة عقود؟ إن ذلك لا يمكن أن يقع إلا فى حالة واحدة هى أن يكون زاعم ذلك أحد أتباع الكتاب الذى يجعل الابن أكبر من أبيه بعامين كما فى سفر "أخبار الأيام الثانى" حسبما يعرف ذلك كل من له أدنى اتصال بالكتاب المقدس، إذ نقرأ فيه أن عُمْر ياهورام حين تولى الملك كان اثنتين وثلاثين سنة، ثم مات بعد ذلك بثمانى سنوات، فيكون عمره حين هلك أربعين سنة، ثم بعد أقل من ثلاثة أسطر نفاجأ بكاتب السفر يقول إن ابنه أخزيا، الذى تولى الملك بعده مباشرة، كان عمره آنذاك اثنتين وأربعين سنة. وليس لهذا من معنى إلا أن الولد أكبر من أبيه بسنتين (الإصحاح/ 21/ 20، و22/ 1- 2)!
5- ثم إن مثل الهاشمى الذى كان من رجال الحديث وخطيبًا لواحد من أكبر الجوامع فى بغداد ذلك العصر المتوهج بالثقافة والفكر الإسلامى لا يمكن أن يخطئ تلك الأخطاء العجيبة التى تشتمل عليها الرسالة المنسوبة له، ومنها قوله إنه قد افتتح رسالته إلى خصمه النصرانى بالسلام عليه والرحمة تشبُّها بسيده وسيد الأنبياء محمد رسول الله لأن الثقات، كما قال، قد رَوَوْا عنه أن هذه كانت عادته، وأنه كان إذا افتتح كلامه مع الناس يبادئهم بالسلام والرحمة في مخاطبته إياهم، ولا يفرّق بين الذمّي منهم والأمي، ولا بين المؤمن والمشرك. والحق أن النبى كان، مع احترامه لجميع البشر، لا يحييهم جميعا بذات التحية. وهذا واضح من تحاياه على الأقل للملوك والزعماء غير المسلمين الذين أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام، إذ كان يكتفى بقوله: "سلْمٌ أنت" أو "السلام على من اتبع الهدى" أو "السلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله"، ولم يكن يقول: "السلام عليك ورحمة الله" كما يزعم كاتب الرسالة. وهذا من الوضوح بمكان بحيث لا يسع أى مسلم له أدنى اطلاع على السيرة النبوية أن يجهله، فما بالنا بمثل ذلك العالم الجليل المنتسب للدوحة الهاشمية والماتّ بصلة القرابة إلى خلفاء بنى العباس؟
6- كذلك جاء فى رسالة الهاشمى المزعومة الحديثان التاليان منسوبين لرسول الله عليه السلام: "بُعِثْتُ بحُسْن الخلق إلى الناس كافة، ولم أُبعث بالغِلظة والفظاظة" و"محبة القريب ديانة وإيمان". وقد بحثت عن هذين الحديثين فى موسوعة الأحاديث الصحيحة والضعيفة المسماة: "تيسير الوصول إلى أحاديث الرسول" فى إصدارها التاسع المتاح بموقع "الدرر السنية"، فلم أجد لهما أى أثر لا بين الصحاح ولا بين الضعاف. بل لقد زدت فحاولت العثور على كلمة "فظاظة" أو "ديانة" فى أى حديث منسوب للرسول الكريم، صحيحا كان أو ضعيفا، فلم أوفق إلى شىء بالنسبة للكلمة الثانية، أما الأولى فلم أجدها وردت إلا على لسان اليهود فى روايةٍ منقطعةٍ ذَكَرها ابنُ كثير فى تفسيره لقوله تعالى: "من كان عدوّا لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله..."، وهو قولهم لعمر بن الخطاب لا للرسول عليه السلام، الذى لم يكن حاضرا: "إن جبريل مَلَك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب". ولا يعقل أن يكون الرجل من رواة الأحاديث ويجهل أن ذينك الحديثين لا وجود لهما لا بين صحيح الأحاديث النبوية الشريفة ولا ضعيفها. فتأمل أيها القارئ مغزى هذه النتائج!
7- كذلك أجد من الصعوبة الصعيبة أن يقول أى مسلم فى تلك الأيام، بَلْهَ هاشميا من بنى العباس، فضلا عن أن يكون هذا الهاشمى من رواة الأحاديث وخطباء المساجد الكبار: "ويقول الله مؤكدا"، ناسبا التأكيد إلى الله سبحانه، فمثل هذه اللغة غريبة جدا جدا جدا على كتّاب تلك العصور، بل إنى لأحسبها لا تزال حتى فى عصرنا هذا غريبة كما كانت آنذاك. وبالمثل لا أخال مسلما يسمِّى كتب اليهود المعروفة بــ"العهد القديم" بــ"الكتب العتيقة"، أو كتب النصارى المعروفة بــ"العهد الجديد" بــ"الكتب الحديثة"، فضلا عن أن يسمى أى إنجيل بــ"البشارة" كما صنع الهاشمى فيما هو منسوب إليه مَيْنًا وزُورًا، دعك من أن يستخدم كلمة "سَحْق" للدلالة على الانكسار والاتضاع (لا على الشذوذ الجنسى بين النساء مرادفا لــ"السِّحَاق" كما كان يستعملها المسلمون أحيانا فى القديم)، وذلك فى حديثه عن رجال الدين النصارى و"قيامهم فيها (أى فى الأديرة) حفاة على المسوح والرماد باكين بكاءً كثيرًا متواترًا بانهمال دموع من الأعين والجفون منتحبين بسحقٍ عجيب" كما نُسِب إليه، فهذه كلها رطانة كتابية لم يكن يعرفها المسلمون وقتذاك، زيادة على ركاكة الكلام فى قوله: "قيامهم على المسوح والرماد"، إذ المسوح هى الملابس المتقشفة التى كان يليسها بعض الرهبان إعلانا عن زهدهم فى الدنيا، والرماد معروف، وهو التراب المتخلف عن النار، فما معنى أن يقوم إنسان على المسوح والرماد؟ وكيف؟ ذلك كلام غريب لا يُتَصَوَّر صدوره من عربى فى القرن الثانى أو الثالث أو الرابع الهجرى ولا فيما بعد ذلك بعدة قرون، ودعنا من أن الهاشمى لم يكن عربيا عاديًّا لا فى نسبه ولا فى ثقافته. كما أن المسلم لا يقول: "الإنجيل"، وهو يقصد الأناجيل التى كتبها (فيما يقال) متى ومرقص ويوحنا ولوقا، وأعمال الرسل ورسائلهم ورؤيا يوحنا، إذ الإنجيل فى الإسلام هو الكتاب الذى أنزله الله تعالى على عيسى لا الكتب التى كتبها بعض الناس بعد تركه عليه السلام الأرض. ومن المستحيل أن يدور فى ذهن أى مسلم أن أولئك الناس المسَمَّيْن فى العهد الجديد بــ"الرسل" والذين يدور حولهم سفر "أعمال الرسل" هم حواريّو المسيح كما جاء فى رسالة الهاشمى، ذلك أن حوارييى المسيح لا يمكن أن يكونوا كهؤلاء الناس من المثلّثين. وبالمثل لا يمكن أن يقول مسلم عالم ومن الهاشميين عن المسيح وحوارييه إنه "بعثهم إلى الأمم دُعاةً له"، لأن هذا القول يناقض ما جاء فى القرآن مرارا من أن عيسى عليه السلام إنما أُرْسِل لبنى إسرائيل ليس إلا، وهو ما أكده الرسول حين قارن بين نفسه وبين إخوانه السابقين من الرسل والأنبياء بما فيهم طبعا السيد المسيح، فقال إن كل نبى قبله كان يُبْعَث فى قومه خاصة، أما هو فبُعِث إلى الناس كافّة. كذلك من المستحيل أن يُثْنِىَ مسلم على إيمان القساوسة والرهبان من أهل التثليث وعلى عبادتهم ورهبانيتهم وهو يقرأ فى القرآن ويتلو من أحاديث الرسول أنهم كفار وأنهم قد ابتدعوا تلك الرهبانية التى حرمها الله سبحانه وتعالى لمخالفتها سنة الفطرة، بَلْهَ أن يكون المادح عالما من قرابة النبى له وزنه ومكانته، وفى وقت كان المسلمون سادة للعالم لا يحتاجون إلى المواراة والالتواء فى حديثهم إلى أهل ذمتهم.
8- وبالمثل فالمسلم، فضلا عن أن يكون هذا المسلم عالما كبيرا كهذا الهاشمى المنسوبة له الرسالة التى بين أيدينا، لا يتصور أن يكون المراد بالقسيسين والرهبان فى قوله تعالى من سورة "المائدة": "لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85)" هم القساوسة والرهبان المؤمنين بالتثليث والصليب، بل القساوسة والرهبان الذين سمعوا القرآن على عهد النبى فبَكَوْا حتى فاض الدمع من عيونهم وآمنوا بدينه. أى أنهم لم يعودوا نصارى، بل أصبحوا مسلمين موحدين يتبعون دين النبى الكريم، وهذا واضح من آيات سورة "المائدة" المارة آنفا لا مماراة فيه. ومن ثم لا يمكن القبول بأن ذلك الهاشمى قد كتب عن القساوسة والرهبان المثلثين فى عصر النبى هذا الكلام الذى لا يُتَصَوَّر صدوره عن مسلم: "وعرف النبي عليه السلام، بما أُنْزِل عليه من الوحي، صحة ضمائرهم ونياتهم، وأنهم أصحاب المسيح حقًّا السائرون بسيرته الآخذون بسننه، إذ كانوا لا يقبلون القتال ولا يستحلّون المال ولا يغشّون أحدا ولا يريدون بالناس سوءا ولا مكروهًا، وأنهم طالبو السلامة ولا يصرّون على حقدٍ ولا عداوة"، إذ لو كان أولئك القسس والرهبان أصحابا للمسيح وسائرين على سنته حقا كما يُنْسَب القول بذلك للهاشمى لكانوا آمنوا بالرسول محمد عليه السلام. كما أن القرآن لا يثنى فى أى موضع فيه على أى واحد من أهل الكتاب على عهد الرسول عليه السلام إلا إذا كان قد ترك ما هو عليه والتحق بأمة المسلمين. أما سائر الأحبار والرهبان فيكفى أن نعرف من سورة "التوبة" ما قاله القرآن فى حقهم: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)" حتى يتبين لنا استحالة صدور مثل ذلك المديح للقسس والرهبان من عالمٍ مسلمٍ فى تلك العهود! كذلك يستحيل أن يقول المأمون عن النصرانية إنها دين آخرة، إذ معنى هذا أن من يعتنقها ناجٍ يوم القيامة، وهو ما لا يمكن أن يقول به مسلم، لأن الدين عنده هو الإسلام، فهو الدين الوحيد الذى لا يصح الإيمان إلا به، أما أى دين آخر غير الإسلام فلا يصلح، إذ الإسلام يجب ما قبله من الأديان، وبخاصة تلك التى تعرضت للعبث والتحريف واتهم القرآن والحديث أصحابها بالكفر ونَصَّا على أن جهنم هى مصيرهم، بغض النظر عن اعتقاد كل إنسان فى دينه وصحته، وبغض النظر عن احترامنا بدورنا لاعتقاد كل إنسان.
9- وينخرط الهاشمى، طبقا لما ينسبونه إليه، فى فاصل من الاستعراض الثقافى فيذكر قراءاته فى كتب القوم ومناظراته لرؤسائهم. وهو فاصل غير مفهوم، إذ المفروض أن الكندى يعرف كل ذلك عنه من واقع أنهما صديقان، ولا يعقل أن تكون بينهما كل تلك الصداقة التى يتحدث عنها مقدمو الرسالتين ثم يبقيا صامتين لا يتناقشان فى أمور الدين، وفجأة تطلع فى ذهن الهاشمى أن يكتب هذه الرسالة لصديقه يدعوه فيها إلى الإسلام، مما لا يقبله المنطق ولا يتسق مع طبائع الأشياء. بل هل يعقل أن يمضى الهاشمى فيحاضر الكندى فى دينه وكُتُبه وفِرَقه، وكأنه يكلمه فى أمور لا يعرفها هذا الكندى، مع أنها من صميم دينه، ومن ثم فهو يعرفها معرفة مباشرة.
10- ومما تناوله الهاشمى فى رسالته كلامه عن النسطورية، الذين سماهم: "أصحابك"، أى أصحاب الكندى، بما يدل على أن الكندى نسطورى. وقد انطلق فوصفهم  بأنهم "أقرب وأشبه بأقاويل المنصفين من أهل الكلام والنظر وأكثرهم ميلاً إلى قولنا معشر المسلمين، وهم الذين حَمِد نبينا صلى الله عليه وسلم أمْرهم ومَدَحهم وأعطاهم العهود والمواثيق، وجعل لهم من الذمة في عنقه وأعناق أصحابه ما جعل، وكتب لهم في ذلك الكتب، وسجل لهم السجلات، وأكد أمرهم عندما صاروا إليه حين أفضي الأمر إليه واستوثق له، فأتَوْه وتحرّموا بحرمته وذكّروه بمعونتهم إياه على إعلان أمره وإظهار دعوته. وذلك أن الرهبان كانوا يبشرونه ويخبرونه قبل نزول الوحي عليه بما مكّن الله له وصار إليه. فلذلك كان يُكْثِر توادّه لهم وإطالة محادثتهم، ويُرَى كثيرا عندهم مخاطبا لهم في تردّده إلى الشام وغيرها. وكان الرهبان وأصحاب الأديرة يكرمونه ويجلّونه طوعا، ويخبرون أصحابهم بما يريد الله أن يرفع من أمره ويعلن من ذكره، وكانت النصارى تميل إليه وتخبره بمكيدة اليهود ومشركي قريش وما يبتغونه له من الشرّ، مع مودتهم له وإجلالهم إياه وأصحابه".
وهذا كلام كله خبث وشيطنة، إذ متى عامل النبى النساطرة معاملة خاصة وأثنى عليهم؟ ومتى كان النساطرة يوادّونه ويساعدونه على رسالته ويعضدونه؟ وإذا كان هذا صحيحا فلم إذن يتسافه هذا الكندى النسطورى ويجرم فى حقه عليه السلام ويقول فيه الكلام البذىء الذى سوف نطّلع عليه بعد قليل إذا كان ما ينسبونه للهاشمى من أن النساطرة يحبونه عليه السلام ويوادونه ويعضدونه صحيحا؟ يقولون فى الأمثال الشعبية إن الجمل صعد النخلة، فقال أحدهم: هذا الجمل، وهذه النخلة، فأرونا كيف صعد الجمل النخلة. وهو ما نقوله نحن: هذا تاريخ الرسول، وهذا تاريخ النساطرة، فأرونا متى حدث ما ذكرتموه على لسان الهاشمى. إن الذين دعاهم النبى من النصارى إلى الإسلام إما ناس أسلموا، وهؤلاء لا شأن لنا بهم هنا، وإما نصارى بَقُوا على ما كانوا عليه، فدعاهم عليه السلام إلى المباهلة، وهى الدعاء على الكاذب المدلس من الطرفين أن يهلكه الله ويخزيه ويلعنه هو وأهله من نساء وأبناء، لكنهم حاصوا وهربوا من المباهلة وآثروا أن يدفعوا الجزية لمعرفتهم أنه نبى صادق، لكن حظوظ الدنيا غلبتهم على ضمائرهم ومنعتهم من الدخول فى الدين الحق. فمتى كان النساطرة يتمتعون لديه بوضع خاص؟ إن هذا لهو الكذب المبين، لعنة الله على كل كذاب أفاك لئيم! ثم متى كان النبى عليه الصلاة والسلام يكثر من التردد على النساطرة ويحب محادثتهم؟ ترى ماذا كان يقول لهم ويقولون له؟ إن كاتب هذا القَىْءِ يريد اتهام الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه صنيعة نصرانية، إذ كان يستمع إلى ما لدى القساوسة ويتعلم منهم حتى استطاع فى نهاية المطاف أن يصبح رسولا. الله أكبر! أرأيتم إلى هذا اللف والدوران؟ أرأيتم إلى هذا الخبث الحقير والكيد الوضيع وكيف يسندون اتهام الرسول إلى رجل من الهاشميين وعالم من علمائهم، وفوق ذلك تقى متمسك أشد التمسك بدينه؟ إن الكذابين يزعمون أن الرسول عليه السلام كان يتردد على القساوسة كلما ذهب إلى الشام، مع أن كل ما ذكره بعض كتاب السيرة أنه قابل بحيرا مرة واحدة وهو صبى صغير، وأن تلك المقابلة كانت بطلب من بحيرا لا العكس، وأن ذلك الراهب قد حذر عمه أبا طالب من كيد يهود ضد ابن أخيه لأنه سوف يكون نبيا. وهذا كل ما حدث، فلا كلام ولا سماع ولا دياولو، كما أن ذلك لم يتكرر مرة أخرى. وقد دفع مثل هذا الزعم الكاتب الأسكتلندى الشهير توماس كارلايل إلى السخرية من المستشرقين والمبشرين الذين يقولون إن الرسول قد تعلم على يد بحيرا، متسائلا ما الذى يمكن أن يتعلمه صبى فى نحو الرابعة عشرة من راهب كبحيرا أو غيره لا يعرف لغته؟ (انظر كتابه: "الأبطال"/ ترجمة محمد السباعى/ كتاب الهلال/ العدد 326/ فبراير 1978م/ 69). كذلك يقول كاتب الرسالة إن قساوسة النساطرة كانو يجلونه هو وأصحابه، فهل كان للرسول آنذاك أصحاب، وهو لم يكن قد بدأ دعوته بعد، ومن ثم لم يكن له أتباع أصلا؟ وأعجب من ذلك وأبعث على الضحك أن يقال إن الوحى عندئذ قد نزل مثنيا عليهم بآيات سورة "المائدة" الآنفة الذكر والتى بينتُ قبل قليل أنها إنما نزلت فيمن أسلم من قِسِّيسِى النصارى ورهبانهم، رغم أنه لم يكن ثمة وحى بعد، إذ كيف ينزل وحى، والنبى لم يكن قد أصبح نبيا آنذاك، لأن الكلام هو عن رحلاته إلى الشام، ومعروف أنه صلى الله عليه وسلم لم يذهب إلى الشام من قبل بدء الدعوة بزمن؟ إن هذا لا يمكن صدوره من مسلم، فضلا عن عالم كبير من علماء المسلمين!
11- ويقول الهاشمى فيما هو منسوب إليه: "ولقيتُ جماعةً من الرهبان المعروفين بشدة الزهد وكثرة العلم، ودخلتُ كنائسَ وأديرةً كثيرةً وحضرت صلواتِهم تلك الطوال السبع التي يسمّونها: "صلوات الأوقات"، وهي صلاة الليل، وصلاة الغداة، وصلاة الثالثة التي هي صلاة السَحَر، وصلاة نصف النهار، أعني صلاة الظهر، وصلاة التاسعة التي هي قريبة من وقت العصر والعِشاء، وصلاة الشفع وهي صلاة العِشاء المفروضة، وصلاة النوم التي يصلّونها قبل أخذهم مضاجعهم. ورأيت ذلك الاجتهاد العجيب والركوع والسجود بإلصاق الخدود بالأرض وضرب الجبهة والتكتُّف إلى انقضاء صلواتهم، خاصة في ليالي الآحاد وليالي الجُمَع وليالي الأعياد التي يسهرون فيها منتصبي الأرجل بالتسبيح والتقديس والتهليل الليل كله، ويصلّون ذلك بالقيام نهارهم أجمع، ويكثرون في صلواتهم ذكر الآب والابن والروح القدس، وأيام الاعتكاف التي يسمونها أيام البواعيث (صلوات الاستمطار)"، فينبثق التساؤل التالى فى الحال: ماذا كان يصنع هذا الرجل بالضبط فى حياته؟ أوكان رجلا فاضيا بحيث إنه لم يجد ما يشغل به وقته سوى التردد على الكنائس والأديرة بل مواصلة النهار بالليل فيها؟ لكننا نعرف أن الأديرة كانت فى ذلك العصر مرتادا لجماعات من المـــُجّان والسكارى المسلمين الذين يذهبون إلى هناك للتحرش بالرهبان الشبان، وما أدراكم ما الرهبان الشبان والتحرش بهم؟ فكيف شذ صاحبنا عن هذا؟ وإلى القارئ واحدة من القصص التى كانت تتكرر كثيرا فى ذلك العصر، وهى منقولة عن كتاب "الديارات" للأصفهانى: "كان بكر بن خارجة يتعشق غلاماً نصرانياً يقال له:عيسى بن البراء العبادي الصيرفي، وله فيه قصيدة مزدوجة يذكر فيها النصارى وشرائعهم وأعيادهم، ويسمي دياراتهم، ويفضلهم. قال: وحدثني من شهد دعبلاً وقد أنشد قوله في عيسى بن البراء العبادي:
زُنّارهُ في خصره معقودُ         كأنه من كبدي مقدودُ
فقال دِعبل: ما يعلم الله أني حسدتُ أحدًا قط كما حسدت بكرًا على هذين البيتين! وقال بكر بن خارجة في عيسى بن البراء العبادي:
فبالإنجيل تتلوه شيوخٌ* رهابنةٌ بدير الجاثليقِ
وبالقربان والصلبان إلا* رثيت لقلبيَ الدَنِفِ المشُوقِ
أَجِرْني، متُّ قبلك من همومي* وأرشدني إلى نهج الطريق
فقد ضاقت عليّ وجوه أمري* وأنت المستجارُ من المضيقِ
وكان بكر بن خارجة كثير المقام بهذا الدير مشتهراً بالشراب فيه، افتتاناً بهذا الغلام النصراني، وفيه يقول أرجوزة مليحة منها قوله:
من عاشقٍ ناءٍ هواه دانِ* ناطق دمعٍ صامتِ اللسانِ
موثقِ قلبٍ مطلقِ الجثمان* معذَّبٍ بالصدِّ والهجران
من غير ذنب كسبت يداهُ* إلا هوًى نمّت به عيناه
شوقاً إلى رؤية من أشقاه* كأنما عافاه من أبلاه
يا ويحه من عاشق ما يلقى* بأدمع منهلّة ما ترقى
ذاب إلى  أن كاد يخفي عشقا* وعن دقيق الفكر فيه دقّا
لم يبق فيه غير طرفٍ يبكي* بأدمع مثل نظام السلكِ
كأنه قطر السماء يحكي* يخمد نيران الهوى ويذكي
إلى غزالٍ من بني النصارى* عِذارُ خدّيه سَبَى العذارى
يترك ألباب الورى حيارى* في ربقة الحبّ له أسارى
رِيمٍ بدير الروم رام قتلي* بمقلةٍ كحلاء لا من كُحلِ
وطُرَّةٍ بها استطار عقلي* وحُسْن دلٍّ وقبيح فعل
ها أنا ذا من قَدّه مقدودُ* والدمع من خدّي له أُخدود
ما ضرَّ مَنْ قلبي به معمودُ* لو لم يكدِّر صَفْوَه الصدودُ؟
يا ليتني كنت له صليبا* فكنت منه أبدا قريبا
أُبْصِر حسنًا وأشمُّ طيبا* لا واشيًا أخشى ولا رقيبا
أو ليتني كنتُ له قُربانا* ألثم منه الفمَ والبنانا
أو جاثليقًا كنت أو مطرانا*  كيما يرى الطاعة لي إيمانا
أو ليتني كنتُ له زنّارا* يدور بي خصراه حيث دارا
حتى إذا الليل طوى النهارا* صرتُ له تحت الدجى إزارا
يا ليتني في النحر منه عُوذَة * أو خمرة يشربني ملذوذة
أو حلة يلبسني مقدودة* ليست إذا ما أخلقت مقدودة
يا ليتني كنت لعمروٍ مصحفا* أو قَلَمًا يكتب بي ما ألّفا
من حسن أشعارٍ له قد صنّفا* فإن لي من بعض هذا ما كفى
يا للذي بحسنه أضناني* وابتزَّ صبري والضنى كساني
ظبيّ على البعاد والتداني* حلَّ محلَّ الروح من جثماني
واكبدي من خده المضرَّجِ* واحزني من ثغره المفلَّجِ
لا شيء مثل الطرف منه الأدعجِ* أذهب للنسك وللتحرجِ
إليك أشكو يا غزال الأنسِ * يا من هلالي وجهُه وشمسي
ما بي من الوحشة بعد الأنسِ* لا تُقْتل النفسُ بغير النفس
ها أنا في بحر الهوى غريقُ* سكران من حبّك لا أفيقُ
محترقٌ ما مسَّني حريقُ* يرحمني العدوُّ والصديقُ
ويقول فيها:
يا عمرو ناشدتك بالمسيحِ* ألا سمعتَ القول من نصيحِ
يعرِبُ عن قلبٍ له قريحِ* ليس من الحبِّ بمستريحِ؟
يا عمرو بالحق من اللاهوتِ* والروح روح القدس والناسوتِ
ذاك الذي قد خُصَّ بالنعوتِ* النطق في المهد وبالسكوت
بحق من في شامخ الصوامع* من ساجدٍ لربه وراكعِ
يبكي إذا ما نام كلُّ هاجعِ* خوفاً من الله بدمعٍ هامعِ
ثمّ يقسم عليه بكل قسم يعرفه النصارى ويقول:
ألا نظرت يا أميرَ أمري* محتسبًا فيَّ عظيم الأجر؟
كذلك ألم يكن للهاشمى زوجة وأولاد وأهل يستفسرون منه عن سر ذلك التردد الكثير على دور العبادة النصرانية والبقاء الطويل فيها وتركهم دون عائل يقوم بمطالبهم من موبايلات ودروس خصوصية وساندويتشات شاورما وبيتسا وجاتوهات والذى منه؟ وهل من الممكن على من تكتَّف أن يسجد أو أن يضرب نفسه؟ وهل يكون السجود بوضع الخد على الأرض؟ الواقع أن هذا كلام يبرجل الدماغ! ومرة أخرى نحن أمام محاضرة فى العبادات النصرانية، ولا أظن الهاشمى، لو كان شخصية حقيقية، يمكن أن ينخرط فى هذا الدرس الذى لم يطلبه منه الكندى ولا يحتاج له. وعلى الناحية الأخرى نجد الكندى يشرح للهاشمى فى رده على رسالته ألفاظا فى كلامه لم تكن ثمة حاجة إلى شرحها، إلا أن يكون الكندى قد افترض أن صاحبه من العوام فهو يشرحها له، فهو يقول له أثناء حديثه عن جمع القرآن: "فاجتمع أمرهم وجمعوا ما كان حَفِظه الرجال من أجزائه كسورة "التوبة" التي كتبوها عن الأعرابي الذي جاءهم من البادية وغيره من الشاذ والوافد، وما كان مكتوبا على اللِّخاف (وهي حجارة بيض رقاق واحدتها لَخْفة، وهي في حديث زيد بن ثابت جامع القرآن) والعُسُب (وهو جريد النخل) وعلى عظم الكتف ونحو ذلك، ولم يُجمع في مصحف". فهل مما يدخل المخّ أن يكون الهامشى بحاجة إلى من يشرح له معنى "العُسُب" و"اللِّخاف"، وعلى يد من؟ على يد نصرانى! ثم هل من المعقول أن يقضى الهاشمى كل تلك الأوقات فى الكنائس والأديرة مخالطا للقسيسين والرهبان مشاهدا ما يصنعون ويدخل معهم فى مجادلات حول الإسلام والنصرانية ثم لا يهتم بوضع رسائل فى المقارنة بين الديانتين للناس جميعا مسلمين ونصارى ما دامت حماسته للجدال الدينى على النحو الذى تعكسه رسالته للكندى؟ أوتلك الرسالة القصيرة المجملة هى كل ما جادت به قريحته بعد كل تلك التجارب الكنسية والديرية التى خاضها بسلامته طوال ذلك الوقت؟ والمضحك، وكل شىء فى تلك الرسالة مضحك، أن يقول للكندى إنه قد ذكر له كل شىء عن مشاهداته وتجاربه ونقاشاته فى الكنائس والأديرة حتى يعلم كل من يطلع على خطابه إليه أنه كان عالما بالقضية! ترى ما معنى هذه الإشارة إلى من يمكن أن يطلعوا على الخطاب، وهو ليس سوى خطاب شخصى المفروض أنه لن يطلع عليه أحد آخر سوى صاحبه؟ أما إذا كان فى نيته أن يقرأه الآخرون، أفلم يكن الأحرى به أن يضع فى ذلك كتابا يقرؤه الناس جميعا كما قلنا قبل قليل؟ وأخيرا هل يعقل أن ينقضّ ذلك العالم المسلم على أهل دينه بهذه الحماقة وذلك الاحتقار تقربا إلى الكندى كما صنع فى سياق كلامه عن مناظراته مع القساوسة والرهبان: "ناظرتُهم مناظرةً نصفة طالبا للحق، مسقِطا بيني وبينهم اللجاج والمكابرة والصلف بالحسب، وأوْسعتُهم أمنا أن يقوموا بحجّتهم ويتكلموا بجميع ما يريدونه، غير مؤاخذٍ لهم بذلك ولا متعنّت عليهم في شيء كمناظرة الرَّعاع والجهال والسفهاء من أهل ديانتنا، الذين لا أصل لهم ينتهون إليه ولا عقل فيهم يعوّلون عليه، ولا دين ولا أخلاق تحجبهم عن سوء الأدب، وإنما كلامهم العَنَت والمكابرة والمغالبة بسلطان الدولة بغير علم ولا حجة". الحق أن هذا ليس كلام الهاشمى، بل كلام نصرانىٍّ خبيثٍ حقودٍ يهتبل الفرصة لإفراغ ما يَكُظّ قلبه من سمٍّ هارٍ يمزق مصارينه! 
12- وفى الرسالة المنسوبة إلى الهاشمى نقرأ أيضا، فيما نقرأ، قوله لصديقه النصرانى: "فأنا الآن أدعوك بهذه المعرفة كلها مِنّي بدينك الذي أنت عليه إلى هذا الدين الذي ارتضاه الله لي وارتضيته لنفسي، ضامنًا لك به الجنة ضمانًا صحيحًا والأمن من النار". والسؤال هو: أمن الممكن أن يتألَّى مثل هذا الهاشمى على الله ويضمن الجنة لأحد من الخلق؟ فمن هو يا ترى؟ أهو الله؟ أم هو نبى من أنبياء الله تلقى الوحى بذلك من الله؟ لا هذا ولا ذاك، وأى مسلم يعرف أنه لا أحد من البشر يمكنه أن يعرف مصير أحد فى الآخرة: لا مصيره هو ولا مصير سواه. وهذا مفهوم فى الإسلام، ولا مماراة فيه، فكيف يقع فى هذه الغلطة البلقاء مثل ذلك العالم الكبير؟ هذا كلام رجل لا يعرف الإسلام، وهو من الأسباب القوية التى تدفع إلى التشكك الشديد فى الرسالة وفى نسبتها إلى عالم مسلم كهذا الهاشمى، الذى كان فوق ذلك من أهل الحديث وخطيبا لجامع المنصور فى بغداد.
13- وجاء فى كلام الهاشمى أيضا عن الشهادتين: "وهذه الشهادة هي الشهادة التي شهد الله بها قبل أن يخلق الخلائق، إذ كان على العرش مكتوبا: لا إله إلا الله. محمد رسول الله". وقد تقصيت هذا الحديث فى "الدرر السنية" فوجدت الآتى: "عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد عبدي ورسولي، أيدته بعلي بن أبي طالب، وذلك قوله (تعالى) في كتابه: "هو الذي أيدك بنصره و بالمؤمنين" يعني: بعلي". خلاصة الدرجة: كذب موضوع. المحدث: ابن تيمية. المصدر: منهاج السنة". فالحديث إذن موضوع لا أصل له، فهل من الممكن أن يردد عالم كالهاشمى مثل هذا الكلام الذى هو بالعَوَامّ أشبه، فضلا عن أن يذهب مذهب الشيعة الذين لا يَرَوْن فى الدنيا إلا عليًّا كرم الله وجهه ولا يكادون يعترفون لأحد من الصحابة بشىء من الفضل إلا لأفراد قلائل منهم، مع أن ذلك الهاشمى هو من بنى العباس، الذين كانوا يشيعون فى المسلمين أن العم أقرب رحما بالنبى من ابن العم، كما كان شعراؤهم يقولون فى الدعاية لهم وإقناع جماهير المسلمين بأنهم أحق بالخلافة من العلويين؟ ومنه قول أبانٍ اللاحقىّ:
نَشَدْتُ بحق الله من كان مسلما * أَعُمُّ بما قد قلتُه العُجْم والعَرَبْ
أعم رسول الله أقرب زُلْفَةً* لديه أم ابن العم في رتبة النسبْ؟
وأيهما أَوْلَى به وبعهده؟* ومن ذا له حق التراث بما وجبْ؟
فإن كان عباسٌ أحقَّ بتلكمو* وكان عليٌّ بعد ذاك على سببْ
فأبناء عباسٍ همو يرثونه* كما العمُّ لابن العم في الإرث قد حَجَبْ
وقول مروان بن أبى حفصة:
يا بن الذي وَرِث النبيَّ محمدًا* دون الأقارب من ذوي الأرحام
الوحيُ بين بنى البنات وبينكم* قَطَعَ الخصامَ، فلاتَ حين خصامِ
ما للنساء مع الرجال فريضةٌ* نزلت بذلك سورة الأنعام
أَنَّى يكون، وليس ذاك بكائن* لبني البنات وراثة الأعمام؟
ألغى سهامَهم الكتابُ فحاولوا* أن يشرعوا فيها بغير سهام
ظفرتْ بنو ساقي الحجيج بحقهم* وغُرِرْتُمو بتوهُّم الأحلام
وقول منصور النمرى للرشيد:
يا ابنَ الأَئِمَّةِ من بَعْدِ النَّبِى ويا ابْـ*ـــنَ الأَوْصِياء أَقَرَّ الناسُ أَو دَفَعُوا
إِنَّ الخِلاَفَةَ كانَتْ إِرْثَ والدِكُمْ* من دُونِ تَيْمٍ، وعَفْوُ اللهِ مُتَّسِعُ
لَوْلاَ عَدِىٌّ وتَيْمٌ لم تَكَنْ وَصَلَتْ* إِلى أُمَيَّةَ تَمْرِيها وتَرْتضِعُ
وما لآلِ عَلِىٍّ في إِمارَتِكُمْ* وما لهم أَبَدًا في إِرْثِكُمْ طَمَعُ
يا أَيُّها الناسُ لا تَعْزُبْ حُلُومُكُمُ* ولا تُضِفْكُمْ إِلى أَكْنافِها البِدَعُ
العَمُّ أَوْلى مِن ابْنِ العَمَّ، فاسْتَمِعُوا* قَوْلَ النَّصِيحَةِ. إِنَّ الحَقَّ مُسْتَمَعُ
14- ومما لا يقتنع به العقل أبدا ولا يصدّق أن من الممكن صدوره عن عالم مسلم قول الهاشمى يدعو الكندى إلى الدخول فى الإسلام وتأدية الصلاة: "وأدعوك إلى الصلوات الخمس التي مَنْ صلاّها لم يخب ولم يخسر بل يربح ويكون في الدنيا والآخرة من الفائزين، وهي الفرض فيها فرضان: فرضٌ من الله، وفرضٌ من رسوله مثل الوتر. وهي ثلاث ركعات بعد العِشاء الأخيرة، وركعتان في الفجر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب. فمن ترك شيئا من هذه فليس بجائزٍ له، ويجب على من تركها أياما الأدب ويُستتاب منه". فهل يقال فى الإسلام إن الصلاة فرضان: فرض من الله، وفرض من الرسول؟ إن المعروف أن الصلاة نوعان: فرض وسنة، فأما الفرض ففاعله مأجور مثاب، وتاركه يعاقب عليه، وأما السنة فمؤديها مأجور، وتاركها غير آثم، بخلاف ما زعمه الهاشمى من أن لتارك الصلاة بنوعيها، دون تفريق بين فرض وناقلة، عقوبة واستتابة، إذ لا عقاب على تارك النوافل كما هو معلوم للمسلمين كافة. أما القول بأن ثمة عقوبة على من لم يصلّ النوافل فهو هزل لا يليق! ثم هل فرغ الهاشمى من كل شىء مع الكندى، ودخل الكندى الإسلام، ولم يبق إلا أن يفرّق له بين العشاء والعَتَمَة ويعلّمه أن الرسول قد نهى عن تسمية العشاء بــ"العَتَمة": "وقد نهى رسول الله أن يُقال: العَتَمة، وقال: هي عتمة الليل، وإنما سُمِّيَتْ: "عَتَمَة" لتأخّرها في العِشاء وإبطائها"؟ ألا إن هذا لمما يبعث على القهقهة!
15- ويمضى الهاشمى قائلا لصديقه النسطورى: "ثم أدعوك إلى الحج إلى بيت الله الحرام الذي بمكة، والنظر إلى حرم رسول الله وآثاره ومواضعه المباركة وتلك المشاعر العجيبة" بما يدل، كما هو واضح جلىّ، على أن حرم رسول الله هو المسجد الحرام. فهل يسمى المسجد الحرام: "حرم رسول الله"؟ فضلا عن أنه ليس هناك فى كتب الموسوعة الشعرية، وهى بالمئات، عبارة "المشاعر العجيبة". وفى "المياه والأمكنة والجبال" للزمخشرى نقرأ أن "الحرم مكة وما حولها، وحرم رسول الله (ص) المدينة". وفى كتب الأدب العربى القديمة أن الأنصار ذهبوا إلى عمر بن عبد العزيز وكلموه فى رد الأحوص الشاعر إلى "حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أى إلى المدينة. وكذلك جاء على لسان عائشة رضى الله عنها أن عثمان قُتِل وطُلَّ دمه (أى ذهب هَدْرًا) فى "حرم رسول الله"، أى فى المدينة. وجاء على لسان عبد المطلب فى كتب التاريخ والسيرة قوله عن نفسه وقومه، وكذلك قول غيره عنهم، إنهم "أهل حرم الله"، أى مكة. كما يشار كثيرا فى كتب الأدب والتاريخ إلى مكة بأنها "حرم الله"، وإلى المدينة بأنها "حرم رسول الله"، وإلى أهل المدينة بأنهم "أهل حرم رسول الله"، ولا يوجد فى أى كتاب أن المسجد الحرام هو حرم رسول الله.
16- وثمة أخطاء أخرى لا تليق بأن يقع فيها مثل ذلك العالم المبجَّل، منها قوله عن شفاعة النبى يوم القيامة: "ويقول الرحمن للملائكة: إني أستحيي أن أردّ شفاعة صفيي وحبيبي محمد"، فأين هذا الكلام؟ ومن أين أتى به الكاتب؟ هل يعقل أن يقول هذا رجل من رجال الحديث؟ لقد بحثت عنه فى "موسوعة الأحاديث" فى كل من موقع "الدرر السنية" وموقع "بلِّغوا عنى ولو آية"، فلم أجده لا فى الأحاديث الصحيحة ولا فى الضعيفة. ومنها أيضا: "وأما الزكاة فهي ربع العُشر"، مع أن هذه النسبة إنما هى فى أنواع معينة من الأموال فقط، أما فى الأنواع الباقية فالنسبة مختلفة عن ذلك، وهو ما يدل على أن الكاتب لا يعرف الإسلام إلا لماما. ثم إنه يضيف قائلا: "إذا أتى على المال وهو في ملك صاحبه حَوْلٌ كاملٌ، فتَصْرِف ذلك على المساكين من ملّتك والفقراء من أهلك"، وتعليقنا هو أن مستحقى الزكاة أكثر من ذلك، إذ هم ثمانية أصناف من البشر، فأين الباقون؟ مرة أخرى هذا كلام رجل لا يعرف الإسلام إلا لماما. ومن ذلك أيضا قوله إن الله ليحب أن يؤخَذ بعزائمه وتشديداته. فهل إلى هذا الحد يجهل الهاشمى المزعوم حديث رسول الله فى ذلك الموضوع فلا يستطيع أن يورده على الوجه الصحيح الذى يدل على أن الله سبحانه يحب لعباده اليسر لا العسر وأنه إذا كان ثمة رخصة فهو يريد للمسلم الأخذ بها، إذ يقول الرسول الكريم: "إن الله يحب أن تُؤْتَى رُخَصه كما يكره أن تُؤْتَى معصيته"، وفى رواية أخرى: "إن الله يحب أن تُؤْتَى رُخَصه كما يحب أن تُؤْتَى عزائمه"؟ ثم إنه ليس فى الإسلام أية تشديدات، بل جاء نبينا الرحيم برسالة اليسر والتيسير وأعفى الناس مما كان فى دين اليهود من تشديداتٍ مُعْنِتَةٍ كان الله قد عاقبهم بها جراء تمردهم وعصيانهم ومسارعتهم فى كل مناسبة إلى الكفر؟ بل إن لفظ "التشديدات" لا وجود له فى القرآن الكريم ولا فى الحديث الشريف لا بصيغة المفرد ولا بصيغة الجمع بأى حال من الأحوال. ومرة أخرى بحثت عن كلمة "تشديدات" فى "الموسوعة الشعرية" فى كلا القسمين: قسم الشعر الذى يضم كل الشعر العربى تقريبا حتى منتصف القرن الماضى، وقسم المكتبة التى تضم عدة مئات من أشهر كتب التراث، وكذلك فى "المكتبة التراثية" بموقع الوراق، فلم يرتدّ لى من البحث إلا أربعة شواهد كلها من كتب لاحقة للتاريخ الذى ينتمى إليه كاتبا الرسالتين على أبعد تقدير، وهذه الشواهد موجودة فى الكتب المنشورة فى موقع "الوراق" فقط. 
17- وأخيرا فقد ختم الهاشمى رسالته بالعيب على دين الكندى وعقائده وعباداته وشرائعه وعقله، إذ يقول له: "فدع ما أنت فيه من تلك الضلالة وتلك الحمية الشديدة الطويلة المتعبة، وجهد ذلك الصوم الصعب والشقاء الدائم الذي أنت منغمس فيه، الذي لا يجدي عليك نفعا إلا إتعابك بدنك وتعذيبك نفسك، وقولك بذلك التخليط الذي تعرفه ولا تنكره، وهو قولكم بالآب والابن والروح القدس، وعبادة الصليب التي تضر ولا تنفع، فإني أربأ بك عنه وأجلُّ فيه علمك وشرف حسبك عن خساسته، فإني وجدت الله تبارك وتعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ (النساء/ 48)، وقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ* لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ" (المائدة/ 72- 75)... فقد نصحتُ لك يا هذا وأدَّيْتُ إليك حق المودّة وخالص المحبة، إذ أحببتُ أن أخلطك بنفسي، وأن أكون أنا وأنت على رأي واحد وديانة واحدة. فإني وجدت ربي يقول: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ والْمُشرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ* جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ" (البيّنة/ 6- 8)، وقال في موضع آخر: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ" (آل عمران/ 110). وأشفقت عليك أن تكون من أهل النار الذين هم شر البرية، ورجوت أن تكون بتوفيق الله إياك من المؤمنين الذين رَضِيَ الله عنهم ورَضُوا عنه وهم خير البرية، ورجوت أن تكون من هذه الأمة التي هي خير أمة أُخرجت للناس... فَدَعْ ما أنت فيه من تلك الضلالة وتلك الحمية الشديدة الطويلة المتعبة، وجهد ذلك الصوم الصعب والشقاء الدائم الذي أنت منغمس فيه، الذي لا يجدي عليك نفعا إلا إتعابك بدنك وتعذيبك نفسك... فإن أبَيْتَ إلاَّ جهلاً وتماديًا في كفرك وطغيانك الذي أنت فيه..."، وهذا يناقض ما كان قد كاله قبلا من ثناء له وللقساوسة والرهبان، وللنصرانية أيضا فى بعض الأحيان، فكيف ذلك؟
18- وبالمناسبة فقد كان المخطوط الأصلى الذى حققه وطبعه الدكتور تين (Dr. Tien) خاليا من اسمَىْ صاحِبَىِ الرسالتين، وهذا هو نص المقدمة التى كانت فى المخطوط ثم تم حذفه وكُتِبَ مكانه الاسمان: "ذُكِر أنه كان فى زمن عبد الله المأمون رجل من نبلاء الهاشميّين، وأظنّه من ولد العباس قريب القرابة من الخليفة، معروفٌ بالنسك والورع والتمسك بدين الإسلام وشدّة الإغراق فيه والقيام بفرائضه وسننه مشهورٌ بذلك عند الخاصة والعامة. وكان له صديق من الفضلاء ذو أدبٍ وعِلْمٍ كِنْدِىّ الأصل مشهورٌ بالتمسك بدين النصرانية، وكان فى خدمة الخليفة وقريبا منه مكانا، فكانا يتوادّان ويتحابّان ويثق كل منهما بصاحبه وبالإخلاص له. وكان أمير المؤمنين وجماعة أصحابه والمتّصلون به قد عرفوهما بذلك، وكرهنا أن نذكر اسميهما لعلة من العلل. فكتب الهاشمى الى النصرانى كتابا هذه نسخته". وهذا يدل، كما سبق الإيماء، على أن فى الأمر كثيرا من الاضطراب من شأنه أن يلقى الريبة فى الصدور، وبخاصة أننا نقرأ فى مقدمة الطبعة العربية أن ناشريها قد أَجْرَوْا فيها بعض التعديلات والتغييرات حسبما يقول النص التالى: "ويسرنا أن نقدم للقارئ العربي رسالتي الهاشمي والكِنْدي في هذه الطبعة الحديثة التي قدمنا فيها رسالة الهاشمي كما وجدناها، أما رسالة الكندي للهاشمي فقد حذفنا منها المترادفات، والتكرار، والتحيات، ونقلنا الاقتباسات الكتابية من ترجمة بيروت المعروفة بترجمة البستاني. وقد تركنا كلمة "نصارى ونصرانية" كما هي رغم معرفتنا أن المقصود بها هنا هو "المسيحية" وليس فرقة النصارى". كما أن وليام موير حين ترجم الرسالة المنسوبة للكندى لم يترجمها كاملة كما هى، بل اكتفى بترجمة مختارات منها وحذف الباقى كما أخبرنا فى المقدمة (ص 8)، بما يدل على أن النص الأصلى لم يبق على حاله. وهنا أرجو أن يتنبه القراء إلى دلالة اسمَىْ صاحِبَىِ الرسالتين: عبد الله بن إسماعيل، وعبد المسيح بن إسحاق. فــ"عبد المسيح" تقابل "عبد الله"، و"إسحاق" تقابل "إسماعيل"، على اعتبار أن المسلم يتعبد لله، على حين يتعبد النصرانى للمسيح، وينتسب المسلم إلى إسماعيل، أما النصرانى فهو يفضل أن ينتسب إلى إسحاق، على أساس أن إسماعيل هو ابن إبراهيم الذى إليه يعتزى العرب، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم، بينما إسحاق هو ابنه الآخر الذى إليه ينتسب بنو إسرائيل، ومنهم المسيح عليه السلام. لكل ما سبق فإنى أرجح أن الرسالتين مصنوعتان صنعا على يد نصرانى لم يصرح باسمه بل تخفى وراء الاسمين المذكورين.
هذا ما عنّ لنا فيما يخص رسالة الهاشمى، أو بالأحرى: الرسالة المنسوبة إلى الهاشمى، أما بالنسبة إلى رسالة الكندى المزعوم، ذلك الذى لا نعرف عنه شيئا بالمرة، فإلى القارئ العزيز ملاحظاتنا عليها:
1- يلاحظ إسراف الكاتب فى تبجيل الخليفة (الذى من المفترض أنه هو المأمون، والذى رأينا أنه لا يمكن أن يكون المأمون)، فى الوقت الذى يتسافه فى حق رسول الله. ولا أدرى كيف يكون ذلك، وهو ما يدفعنى إلى القول بأن الرسالة لم تكن فى الأصل هكذا رغم أنها (كما قلت) لا تبعث أبدا على الاطمئنان إلى أن مؤلفها هو الكندى، بل دخلها عبث كثير مع هذا. ذلك أن من يحرص على تبجيل الخليفة كل هذا التبجيل وعلى التخاشع أمامه بكل تلك المذلة لا بد أن يحرص، على الأقل، على ألا يمس الرسول الذى يحكم ذلك الخليفة باسمه فلا يصفه بــ"صاحبك الجلف" مثلا، وهو الوصف الذى لو كان قد كتبه الكاتب فعلا إلى أحد المسلمين لكان قد ضربه بما فى قدمه على وجهه وحطم أنفه ومرغه فى الطين، إذ ليس الأمر هنا أمر حرية تفكير وتعبير بل أمر تسافه وتباذؤ على أكبر رمز عند المسلمين، وبالذات فى تلك العصور حيث كانت الدولة تقوم على العقيدة والشريعة اللتين أتى بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الخلفاء العباسيين هم من نفس السلالة التى منها رسول الله تبين لنا كيف كان من المستحيل اجتراء مثل ذلك الكلب الكندى على تناول رسول الله فى رسالة له إلى أحد بنى العباس بما تناوله به! ولست محتاجا إلى الإشارة إلى قلة أدب الكندى المزعوم وسفاهة عقله وعمى قلبه عن أنه لا يصح له قول ما قال فى حق رجل غيّر مسار التاريخ وعلّم البشر من قيم الحضارة والرقىّ الإنسانى والاجتماعى والأخلاقى ما كانت تجهله وما زالت تجهله حتى الآن! لكن ما علينا، فإن الحلاليف من أمثال هذا الوغد لا يمكنها أن تقدر اللآلئ قدرها الحق. ذلك أن قيمة اللآلئ إنما يعرفها خبراء الحلىّ والأحجار الثمينة، أما الحلاليف فهى، راحت أو جاءت، حلاليف لا تفهم إلا فى تشمم الزبالة وغمس فراطيسها فيها بحثا عن الفضلات! وإلى القارئ بعض ما قاله ذلك الكلب الحقير النجس عن الخليفة: "قرأت رسالتك وحمدت الله على ما وُهب لي من رأي سيدي أمير المؤمنين، ودعوت الله الذي لا يخيب داعيه إذا دعاه بنيَّةٍ صادقةٍ أن يطيل بقاء سيدنا أمير المؤمنين في أسبغ النعم برحمته". ومن الواضح أنه يكذب أيضا فى إشارته إلى ما وُهِب له من رأى سيده أمير المؤمنين، إذ ليس فى رسالة الهاشمى أية إشارة من قريب أو من بعيد إلى أنه كان لأمير المؤمنين (أيا ما يكن أمير المؤمنين ذاك) رأى يخص ذلك الكلب الدنس!
2- ومما قاله الكندى المزيف لصديقه المسلم: "مكتوب في التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى النبي، وناجاه بجميع ما فيها وخبَّره أسراره في السفر الأول من أسفارها الخمسة، وهو المعروف بسفر "الخليقة" (التكوين)، أن إبراهيم كان نازلاً مع آبائه بحاران، وأن الله تجلّى له بعد تسعين سنة، فآمن به وحُسِب له ذلك بِرًّا. ولكنه كان قبل ذلك التجلّي يعبد الصنم المسمّى: العُزّى، المتَّخَذ على اسم القمر، لأن أهل حاران كانوا يعبدون هذا الصنم، فكان إبراهيم يعبد الصنم حنيفًا مع آبائه وأجداده وأهل بلده كما أقررتَ أنت أيها الحنيف وشهدتَ بذلك عليه، إلى أن تجلّى الله له فَآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا (تكوين 15:6). فترك الحنيفية التي هي عبادة الأصنام، وصار موحّدًا مؤمنًا، لأننا نجد الحنيفية في كتب الله المنزلة اسمًا لعبادة الأصنام، فورَّث إبراهيم ذلك التوحيد إسحق، الذي هو ابن الموعد، وهو الذي قرَّبه لله ففداه الله بالكبش، لأنه هكذا أمره الله: خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ الَّذِي تُحِبُّهُ إِسْحَاقَ واذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ (تك 22:2)". ولو رجعنا إلى سِفْر "التكوين" (أو سفر "الخليقة" كما سماه الكلب النجس كاتب الرسالة) لتبين لنا أنه كذاب قرارى لا يخجل ولا يستحى على وجهه، إذ ليس فى ذلك السِّفْر ولا فى أى سفر آخر من الكتاب المقدس عنده هو وأمثاله شىء مما زعم: فليس فيه أن إبراهيم كان وثنيا يعبد الأصنام. وليس فيه كلمة "حنيف" ولا "حنيفية". وليس فيه أن الله قد اختار إبراهيم بعد بلوغه التسعين من عمره، بل قبل ذلك بطويل زمن. والسفر المذكور ما زال بحمد الله موجودا فى العهد القديم، فليرجع إليه القارئ بنفسه ليرى مدى الكيد الدنس الذى يتعامل به ذلك المأفون مع خصمه المسلم المزعوم. ومن بجاحته وعراقته فى الكذب أنه يقوّل خصمه المسلم ما لم يقل، لكن الله قد أبى إلا أن يفضح مؤلفهما فجعله يناقض نفسه بنفسه ويكذّب نفسه بنفسه، فهو يقول مثلا للمسلم: "كان إبراهيم يعبد الصنم حنيفًا مع آبائه وأجداده وأهل بلده كما أقررتَ أنت أيها الحنيف وشهدتَ بذلك عليه"، مع أن المسلم لم يقل شيئا من ذلك، أو بالأحرى: أن الذى كتب رسالة المسلم لم يقل على لسان المسلم شيئا من ذلك، لكن إرادة الله اقتضت فضحه وهتك الستر عن سوأته أمام أبصار الناس جميعا!
وفى ص 77 وما بعدها من كتاب "أعاجيب الأكاذيب" لمحمد جواد، وهو متاح على المشباك لمن يطلبه، يطالع القارئ خلاصة تحقيق ذلك العالم لتلك المسألة فى السطور التالية المخزية للكندى الكذاب الذى يجرى على سنة قومه فى الافتراء والتدليس والتزييف دون أن يطرف له جفن. يقول الأستاذ محمد جواد: "قال عبد الله الهاشمي في صحيفة 12 في ذكر إبراهيم النبي عليه السلام: "ملّة أبينا إبراهيم، فإنه كان حنيفًا مسلمًا"، وذكر في صحيفة 6 قول الله تعالى في سورة "آل عمران": "مَا كَانَ إبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ"، فقال عبد المسيح، صحيفة 30، إن إبراهيم إنما كان نازلا بحرّان مع آبائه تسعين سنة، لم يعبد إلاّ الصنم المسمّى بالعزّى. ثم قـال: فكان إبراهـيم يعبد الصنم حنيفًا مع آبائه وأجداده وأهـل بلده، كما أقررت به أنت أيها الحنيف وشـهدت به، إلى أن تجلّى الله له. ثم قال: لأنّا نجد الحنيفيّة في كتب الله المنزلة اسمًا لعبادة الأصنام. فليت شعري من أين ينسب عبادةَ الأصنام لإبراهيم، ولم يجئ لهذا ذكر في توراته ولا كُتُب وحيه؟! وأما قوله إن إبراهيم إنما كان نازلا بحرّان مع آبائه تسعين سنة، لم يعبد إلاّ الصنم المسمّى بالعزّى، فإنه قد اشتمل على أكاذيب عديدة:
(1) إنّ توراتهم تكذّب قوله هذا، فإنها تذكر في أواخر الأصحاح الحادي عشر من سفر التكوين أن إبراهيم كان ساكنًا في أرض ميلاده أور الكلدانيّين فيما بين النهرين وبقي فيها إلى أن تزوّج هو وأخوه الأصغر منه هاران، وولد لهاران ولده لوط، ثم خرج من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتى إلى حاران. فأين نزوله تسعين سنة مع آبائه في حاران؟ وأيضًا في الأصحاح الثاني عشر من التكوين، في العدد الرابع، أن إبراهيم لما خرج من حاران وأتى إلى أرض كنعان كان عمره خمسًا وسبعين سنة، فأين تكون التسعون سنة في حاران؟ وبمقتضى دلالة التوراة وتواريخهم أن إبراهيم لم يسكن في حاران إلاّ سنين قليلة، وتواريخهم المعلّقة على توارتهم تذكر أن خروجه من بلاده أرض الكلدانيّين كان سنة 1923 قبل المسيح، وخروجه من حاران كان سنة 1921 قبل المسيح، فيكون مكثه في حاران سنتين، فأين التسعون سنة؟!
(2) إن إبراهيم لم يكن له آباء وأجداد في حاران.
(3) إن عبد الله الهاشمي لم يعترف ولم يشهد بأن إبراهيم كان عابد وثن، وإنما ذكر من القرآن الكريم أنه "كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين"، فما هذه الأكاذيب المتتابعة؟
وأيضًا أين عبد المسيح عن مقدّسه كتاب العهد الجديد؟ فإنه يذكر في "أعمال الرسل"، في الأصحاح السابع في العدد الثاني، أنّ الله ظهر لإبراهيم وهو فيما بين النهرين قبلما سكن في حاران، وأمره بالخروج إلى الأرض التي يريه الله إيّاها وهي أرض كنعان، فخرج بأمر الله ووحيه. فإبراهيم دخل حاران وسكن فيها وهو نبيٌّ مُوحًى إليه، فأين تكون عبادته للأصنام في حاران؟ هَبْ أن في الكذب للكاذب شرفًا ودينًا، ولكن ما ذنب إبراهيم مع عبد المسيح، الشخصي أو النوعي، حتى يرمي قُدْسه بعبادة الأصنام، ويكذب عليه بهتانًا وزورًا؟ ومن الظرائف قول عبد المسيح: "لأنّا نجد "الحنيفيّة" في كتب الله المنزلة اسمًا لعبادة الأصنام"! وياللعجب! هذه الكتب التي يزعم عبد المسيح وأصحابه أنها منزلة من الله بين أيدينا، ولْيَضُمّوا إليها أيضًا ما رفضته المجامع، وما رفضه البروتستنت من كتبهم، ويُرُونا أين يوجد فيها أن "الحنيفية" اسم لعبادة الأصنام؟ أفلا يعلمون أن في المسلمين من قرأ كتبهم حرفًا حرفًا؟ ولكن ماذا نقول؟
لا تنتهي الأنفسُ عن غيِّها* ما لم يكن منها لها زاجر
أيها القارئ، ما هو حالك في الدهشة والأسف عن الصدق والأمانة والشرف والاستقامة والدين؟ هب أن الناس يتسامحون في الكذب في الأمور الدنيوية ومعاملات المعيشة، ولكن الديانة المطلوب بها الهدى والصلاح والاستقامة كيف يُبْنَى أمرها على الكذب الصريح المتسلسل من رجال الدعوة إلى الدين، ومن الكتب المنسوبة إلى الوحي الإلهي؟ فأين الشرف والأمانة والصلاح؟! وأين الدين والتقوى؟! وما هذه الجرأة على قدس الرسل والأنبياء والصالحين؟ وما هذه الجرأة القبيحة على جلال الله وقدسه؟ وياللعجب المدهش من أناس يدعوننا بمثل ما ذكرناه من الكذب إلى مثل ما ذكرناه من الكذب والجرأة على جلال الله وقدسه! ويا للأسف! وحسبنا الله ونعم الوكيل، وسبحان ربّك ربّ العزّة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين".
هذا ما قاله محمد جواد، ولكى يتابع معنا القارئ ما نقول أرى أن أضع بين يديه ما كتبه مؤلف سِفْر "التكوين" عن إبراهيم عليه السلام فيما يتعلق بتلك الفترة التى يشير إليها ذلك المدلّس، وهو موجود فى الإصحاحين الحادى عشر والثانى عشر: "27وَهذِهِ مَوَالِيدُ تَارَحَ: وَلَدَ تَارَحُ أَبْرَامَ وَنَاحُورَ وَهَارَانَ. وَوَلَدَ هَارَانُ لُوطًا. 28وَمَاتَ هَارَانُ قَبْلَ تَارَحَ أَبِيهِ فِي أَرْضِ مِيلاَدِهِ فِي أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ. 29وَاتَّخَذَ أَبْرَامُ وَنَاحُورُ لأَنْفُسِهِمَا امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ امْرَأَةِ أَبْرَامَ سَارَايُ، وَاسْمُ امْرَأَةِ نَاحُورَ مِلْكَةُ بِنْتُ هَارَانَ، أَبِي مِلْكَةَ وَأَبِي يِسْكَةَ. 30وَكَانَتْ سَارَايُ عَاقِرًا لَيْسَ لَهَا وَلَدٌ. 31وَأَخَذَ تَارَحُ أَبْرَامَ ابْنَهُ، وَلُوطًا بْنَ هَارَانَ، ابْنَ ابْنِهِ، وَسَارَايَ كَنَّتَهُ امْرَأَةَ أَبْرَامَ ابْنِهِ، فَخَرَجُوا مَعًا مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى حَارَانَ وَأَقَامُوا هُنَاكَ. 32وَكَانَتْ أَيَّامُ تَارَحَ مِئَتَيْنِ وَخَمْسَ سِنِينَ. وَمَاتَ تَارَحُ فِي حَارَانَ. 1وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 2فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. 3وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ.وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ». 4فَذَهَبَ أَبْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ وَذَهَبَ مَعَهُ لُوطٌ. وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ. 5فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ امْرَأَتَهُ، وَلُوطًا ابْنَ أَخِيهِ، وَكُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمَا الَّتِي اقْتَنَيَا وَالنُّفُوسَ الَّتِي امْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ". وكما يرى القارئ ليس فى النص أى كلام عن عبادة إبراهيم للأوثان، وليس فيه لفظة "حنيف"، وليس فيه أن إبراهيم ظل فى حاران حتى بلغ التسعين من عمره، وليس فيه أن الله تجلى له وهو ابن تسعين عاما، بل الذى فيه أنه تجلى له وهو ابن خمسة وسبعين. ورغم ذلك يقول مؤلف "أعمال الرسل" (فى الإصحاح السابع منه) إن الله تجلى لإبراهيم قبل ذلك بكثير حين كان لا يزال فى أرض الكلدانيين، وهو ما ينقض ما قرأناه لتوّنا فى سفر "التكوين": "ظَهَرَ إِلهُ الْمَجْدِ لأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، قَبْلَمَا سَكَنَ فِي حَارَانَ 3وَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ، وَهَلُمَّ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 4فَخَرَجَ حِينَئِذٍ مِنْ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ وَسَكَنَ فِي حَارَانَ. وَمِنْ هُنَاكَ نَقَلَهُ، بَعْدَ مَا مَاتَ أَبُوهُ، إِلَى هذِهِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمُ الآنَ سَاكِنُونَ فِيهَا. 5وَلَمْ يُعْطِهِ فِيهَا مِيرَاثًا وَلاَ وَطْأَةَ قَدَمٍ، وَلكِنْ وَعَدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مُلْكًا لَهُ وَلِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ".
3- ويمضى الكذاب قائلا إنه "من نسل إسحق من سارة الحرة خرج المسيح مخلِّص العالم"، ولن أسوق فى الرد على ذلك الهراء ونقضه وتدميره إلا ما قاله الإنجيل المنسوب لمن اسمه متى فى أول فقرة من أول إصحاح منه، وهو يجرى على النحو التالى: "1كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ: 2إِبْراهِيمُ وَلَدَ إِسْحاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ. 3وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارِصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ. وَفَارِصُ وَلَدَ حَصْرُونَ. وَحَصْرُونُ وَلَدَ أَرَامَ. 4وَأَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ. وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ. وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُونَ. 5وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ. وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ. وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى. 6وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ الْمَلِكَ. وَدَاوُدُ الْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتِي لأُورِيَّا. 7وَسُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحَبْعَامَ. وَرَحَبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا. وَأَبِيَّا وَلَدَ آسَا. 8وَآسَا وَلَدَ يَهُوشَافَاطَ. وَيَهُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَامَ. وَيُورَامُ وَلَدَ عُزِّيَّا. 9وَعُزِّيَّا وَلَدَ يُوثَامَ. وَيُوثَامُ وَلَدَ أَحَازَ. وَأَحَازُ وَلَدَ حِزْقِيَّا. 10وَحِزْقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى. وَمَنَسَّى وَلَدَ آمُونَ. وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا. 11وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ. 12وَبَعْدَ سَبْيِ بَابِلَ يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ. وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ. 13وَزَرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُودَ. وَأَبِيهُودُ وَلَدَ أَلِيَاقِيمَ. وَأَلِيَاقِيمُ وَلَدَ عَازُورَ. 14وَعَازُورُ وَلَدَ صَادُوقَ. وَصَادُوقُ وَلَدَ أَخِيمَ. وَأَخِيمُ وَلَدَ أَلِيُودَ. 15وَأَلِيُودُ وَلَدَ أَلِيعَازَرَ. وَأَلِيعَازَرُ وَلَدَ مَتَّانَ. وَمَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. 16وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ. 17فَجَمِيعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً". والآن أرجوك أن تنظر أيها القارئ الكريم إلى آخر سلسلة النسب هذه، ولسوف تلاحظ فى الحال أنه لا صلة البتة بين المسيح وإبراهيم، لأن السلسلة تنتهى، لا بمريم أم المسيح التى جاء منها المسيح، بل بيوسف النجار، الذى لا تربطه علاقة أبوة بالمسيح، اللهم إلا إذا قلنا كما يقول من يكفرون بالله وبالمسيح، ولسنا منهم، إن يوسف النجار هو أبوه، وهى فضيحة نكراء نعوذ بالله منها وممن يقولونها، ومنهم مؤلف إنجيل متى كما هو واضح للأسف. وتقول الأناجيل بكلام صريح مباشر إن يوسف هو أبوه فعلا، وقد جاء هذا الكلام على لسان أمه فيما جاء.
وهو ما يؤكده النص التالى المأخوذ من مطلع إنجيل توما "And a certain Jew when he saw what Jesus did, playing upon the Sabbath day, departed straightway and told his father Joseph: Lo, thy child is at the brook, and he hath taken clay and fashioned twelve little birds, and hath polluted the Sabbath day"، إذ يقول المؤلف إن أحد اليهود الغيارى على الشريعة الموسوية، حين رأى عيسى الصغير يصنع يومَ سبتٍ من الطين طيرًا، ذهب من فوره إلى "أبيه يوسف" وشكا له ما صنع ابنه من الاعتداء على حرمة اليوم المقدس. ومثله قول مؤلف ذلك الإنجيل فى موضع آخر إن عيسى ذهب ذات يوم لزراعة القمح مع "والده" فى حقلهم:"Again, in the time of sowing the young child went forth with his father to sow wheat in their land: and as his father sowed, the young child Jesus sowed also one corn of wheat"...، وغير ذلك من المواضع التى وُصِف فيها يوسف بأنه "أبوه". بل إننا لنقرأ أن يوسف، تعجُّبًا من المعجزات التى كان يعملها عيسى الصغير، قد دعا ربه شاكرا أنْ أعطاه غلاما مثله: " Happy am I for that God hath given me this young child". وفى "يسوع ابن الإنسان" لجبران خليل جبران كلام على لسان يوحنا بن زبدى أحد الحواريين مؤداه أن أباه رجل من البشر: "قد وُلِد يسوع الناصرى ونشأ مثلنا، وكان أبوه وأمه كوالدينا، وكان هو إنسانا مثلنا" (المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران المعرّبة عن الإنجليزية/ دار صادر- دار بيروت/ بيروت/ 1964م/ 236). ولا ننس أيضا أن سلسلة النسب الآنفة تذكر أن عيسى هو ابن داود، ومعروف من هو داود فى العهد القديم! إنه الزانى القتال المجرم الأثيم، المنتسب إلى يهوذا ولوط الزانيين بمحارمهما: الأول بزوجة ابنه، والثانى ببنتيه اللتين حبلتا منه، أستغفر الله وأستلعنه على من كتب هذا الكفر المبين المبير!
وها هى ذى نصوص من العهد الجديد تقول بصريح كلام لا لبس فيه إن عيسى هو ابن يوسف. ونبدأ بما جاء فى لوقا فى الإصحاح الثالث: "23وَلَمَّا ابْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ابْنَ يُوسُفَ، بْنِ هَالِي، 24بْنِ مَتْثَاتَ، بْنِ لاَوِي، بْنِ مَلْكِي، بْنِ يَنَّا، بْنِ يُوسُفَ، 25بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ عَامُوصَ، بْنِ نَاحُومَ، بْنِ حَسْلِي، بْنِ نَجَّايِ، 26بْنِ مَآثَ، بْنِ مَتَّاثِيَا، بْنِ شِمْعِي، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يَهُوذَا، 27بْنِ يُوحَنَّا، بْنِ رِيسَا، بْنِ زَرُبَّابِلَ، بْنِ شَأَلْتِيئِيلَ، بْنِ نِيرِي، 28بْنِ مَلْكِي، بْنِ أَدِّي، بْنِ قُصَمَ، بْنِ أَلْمُودَامَ، بْنِ عِيرِ، 29بْنِ يُوسِي، بْنِ أَلِيعَازَرَ، بْنِ يُورِيمَ، بْنِ مَتْثَاتَ، بْنِ لاَوِي، 30بْنِ شِمْعُونَ، بْنِ يَهُوذَا، بْنِ يُوسُفَ، بْنِ يُونَانَ، بْنِ أَلِيَاقِيمَ، 31بْنِ مَلَيَا، بْنِ مَيْنَانَ، بْنِ مَتَّاثَا، بْنِ نَاثَانَ، بْنِ دَاوُدَ، 32بْنِ يَسَّى، بْنِ عُوبِيدَ، بْنِ بُوعَزَ، بْنِ سَلْمُونَ، بْنِ نَحْشُونَ، 33بْنِ عَمِّينَادَابَ، بْنِ أَرَامَ، بْنِ حَصْرُونَ، بْنِ فَارِصَ، بْنِ يَهُوذَا، 34بْنِ يَعْقُوبَ، بْنِ إِسْحَاقَ، بْنِ إِبْرَاهِيمَ، بْنِ تَارَحَ، بْنِ نَاحُورَ، 35بْنِ سَرُوجَ، بْنِ رَعُو، بْنِ فَالَجَ، بْنِ عَابِرَ، بْنِ شَالَحَ، 36بْنِ قِينَانَ، بْنِ أَرْفَكْشَادَ، بْنِ سَامِ، بْنِ نُوحِ، بْنِ لاَمَكَ، 37بْنِ مَتُوشَالَحَ، بْنِ أَخْنُوخَ، بْنِ يَارِدَ، بْنِ مَهْلَلْئِيلَ، بْنِ قِينَانَ، 38بْنِ أَنُوشَ، بْنِ شِيتِ، بْنِ آدَمَ، ابْنِ الله". ثم نثنّى بما جاء فى الإصحاح الرابع منه: "22وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ، وَيَقُولُونَ: «أَلَيْسَ هذَا ابْنَ يُوسُفَ؟»". ثم نثلّث بما قاله مَنء يقولون إنه يوحنا فى الإصحاح الأول من الإنجيل المنسوب له: "43فِي الْغَدِ أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْجَلِيلِ، فَوَجَدَ فِيلُبُّسَ فَقَالَ لَهُ:«اتْبَعْنِي». 44وَكَانَ فِيلُبُّسُ مِنْ بَيْتِ صَيْدَا، مِنْ مَدِينَةِ أَنْدَرَاوُسَ وَبُطْرُسَ. 45فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ وَقَالَ لَهُ:«وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ». 46فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ:«أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟» قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ:«تَعَالَ وَانْظُرْ»". ثم نربّع بما كتبه مؤلف إنجيل يوحنا فى الإصحاح السادس منه: "41فَكَانَ الْيَهُودُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ قَالَ:«أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ». 42وَقَالُوا: «أَلَيْسَ هذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟» 43فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«لاَ تَتَذَمَّرُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ. 44لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ" (ولنلاحظ أنه عليه السلام لم ينكر عليهم نسبتهم إياه إلى يوسف النجار!). ثم نخمّس الآن بما ورد فى الإصحاح الثانى مما يسمى: إنجيل لوقا: "25وَكَانَ رَجُلٌ فِي أُورُشَلِيمَ اسْمُهُ سِمْعَانُ، وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ بَارًّا تَقِيًّا يَنْتَظِرُ تَعْزِيَةَ إِسْرَائِيلَ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ كَانَ عَلَيْهِ. 26وَكَانَ قَدْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ. 27فَأَتَى بِالرُّوحِ إِلَى الْهَيْكَلِ. وَعِنْدَمَا دَخَلَ بِالصَّبِيِّ يَسُوعَ أَبَوَاهُ، لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ النَّامُوسِ، 28أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَبَارَكَ اللهَ وَقَالَ: 29«الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، 30لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، 31الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. 32نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ»" (ولنلاحظ هنا أيضا وصف سمعان ليسوع بأنه عبد الله لا ابنه سبحانه). ثم نسدّس بهذا النص من نفس الإصحاح حيث تؤكد مريم لابنها أن أباه هو يوسف: "41وَكَانَ أَبَوَاهُ يَذْهَبَانِ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ. 42وَلَمَّا كَانَتْ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ كَعَادَةِ الْعِيدِ. 43وَبَعْدَمَا أَكْمَلُوا الأَيَّامَ بَقِيَ عِنْدَ رُجُوعِهِمَا الصَّبِيُّ يَسُوعُ فِي أُورُشَلِيمَ، وَيُوسُفُ وَأُمُّهُ لَمْ يَعْلَمَا. 44وَإِذْ ظَنَّاهُ بَيْنَ الرُّفْقَةِ، ذَهَبَا مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَكَانَا يَطْلُبَانِهِ بَيْنَ الأَقْرِبَاءِ وَالْمَعَارِفِ. 45وَلَمَّا لَمْ يَجِدَاهُ رَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ يَطْلُبَانِهِ. 46وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ فِي الْهَيْكَلِ، جَالِسًا فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ، يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ. 47وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ. 48فَلَمَّا أَبْصَرَاهُ انْدَهَشَا. وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ:«يَا بُنَيَّ، لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!»". وبطبيعة الحال فنحن المسلمين لا نقول بهذا، بل نؤمن أنه وُلِد دون أب من البشر، لكن هذا لا يجعل منه عليه الصلاة والسلام ابنا لله، إنما هو عبد من عباده سبحانه (كما جاء على لسان سمعان الكاهن)، ونبى من أنبيائه.
4- وفى محاولة من كذابنا الكندى لإثبات صدق التثليث نراه يقول، فى تفسير الكلام التالى الذى كتبه مؤلف سفر "الخروج" فى الإصحاح الثالث منه: "13فَقَالَ مُوسَى ِللهِ: «هَا أَنَا آتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إِلهُ آبَائِكُمْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. فَإِذَا قَالُوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟» 14فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ».15وَقَالَ اللهُ أَيْضًا لِمُوسَى: «هكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ وَهذَا ذِكْرِي إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ"، إن الله هنا قد "جدَّد ذكر التوحيد وأَلْغز عن سرّ الثالوث حيث قال: إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب، فكرر بذلك القول ذكر الثلاثة الأقانيم بعد ذكر التوحيد كما كان قديمًا، فهو واحد ذو ثلاثة أقانيم لا محالة، لأنه أجمل في قوله: "إله آبائكم"، ثم قال مكررًا اسم الجلالة ثلاث مرات. فإن قلنا إنها ثلاثة آلهة أشركنا، وإن قلنا إله واحد مكررًا ثلاث مرات نكون قد دفعنا للكتاب حقه، لأنه قد كان يمكنه أن يقول: إله آبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب". يقصد البكاش صاحب الثلاث ورقات أنه قال أولا: "إله آبائكم"، وهذا توحيد لأنه ذكر كلمة "إله" مرة واحدة، ثم عاد فقال: "إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب" مكرِّرًا كلمة "إله" هنا ثلاث مرات. ولو لم يكن يقصد الثالوث فى العبارة الأخيرة لقال بدلا منها: "إله آبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب" دون تكرير كلمة "إله" فى كل مرة مع اسم كل نبى من الأنبياء الثلاثة. ولاحظ أولا قوله إن الله قد "ألغز عن سر الثالوث"، وكأن الله طارح ألغاز، وكأننا فى سمرٍ شتوى أمام موقد نتدفّأ ونتحاكى الحواديت والفوازير تقصيرا لليل الشتاء الطويل! كذلك من المضحك لجوؤه إلى الزعم بأن عبارة "إله آبائكم" توحيد، على حين أن عبارة "إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب" تعديد، رغم أن هذه هى تلك، وأن أحمد هو الحاج أحمد بقضه وقضيضه لا يزيد ولا ينقص. وإلا فلو قلت عن نفسى مثلا إننى أستاذ محمد، وأستاذ سيد، وأستاذ نبيل، أأكون حينئذ ثلاثة أساتذة أو ثلاثة أقانيم فى أستاذ؟ فماذا لو قلت إننى أستاذ فلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان وفلان... حتى بلغت بالعدد عدة ألوف كما ينبغى أن أقول عن نفسى لأن تلاميذى يعدون فعلا بالألوف، أأكون فى هذه الحالة آلاف الأساتيذ معا أو آلاف الأقانيم فى أستاذ؟ إن هذا الغبى لا يفقه شيئا فى أساليب اللغة، فإن قولنا: "إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب" هو نفسه قولنا: "إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب" لا يزيد ولا ينقص، اللهم إلا أن فى التكرار شيئا من التأكيد، كما أن فى تكرار "لا" فى قولنا مثلا: "لا أحب البطاطس ولا القلقاس" تأكيدا للنفى لا وجود له فى قولنا: "لا أحب البطاطس والقلقاس"، وكما فى تكرار أية عبارة أخرى لتثبيتها فى الذهن أو للتنبيه إلى أهميتها أو خطورتها مثل قول الواحد منا: "أنا أكره الثرثرة. قلت لك: إنى أكره الثرثرة. ألا تفهم؟ أنا أكره الثرثرة. بالله عليك كُفّ عن اللت والعجن، فأنا أكره الثرثرة"، ومثل قول عبد الحليم حافظ: "أَحبِّكْ، أَحبِّكْ، أَحِبِّكْ يا حياة قلبى"، وقول عايدة الشاعر: "أنا أحبَّك، أنا انا احبَّكْ" عدة مرات وترديد الفتيات وراءها هذه الجملة فى كل مرة، وإلا فهل كل من العندليب الأسمر ومطربة الأفراح أقانيم متعددة؟ فهذا كل ما هنالك. أما قول مجادلنا الصغير العقل إن الله لو لم يكن يقصد الثالوث فى العبارة الأخيرة لقال بدلا منها: "إله آبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب" فالرد عليه هو أنه قالها يا كذاب يا مداور فى الآية التى بعد ذلك مباشرة حيث نقرأ ما نصه: "16اِذْهَبْ وَاجْمَعْ شُيُوخَ إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمُ: الرَّبُّ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ"، وقالها أيضا فى الإصحاح الثالث من سفر "الخروج": "16اِذْهَبْ وَاجْمَعْ شُيُوخَ إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمُ: الرَّبُّ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ"، إذ لم يقل: "إله إبراهيم، وإله إسحاق، وإله يعقوب"، بل قال: "إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب"، دون أن يكرر كلمة "إله"! فما القول فى ذلك؟ كذلك أرجو من القارئ العزيز أن يتنبه إلى أن كلمة "إله" فى الكتاب المقدس يمكن أن تُطْلَق على البشر أيضا (حاجة ببلاش كده!)، فالله سبحانه وتعالى يقول لموسى عليه السلام فى أول آية من الإصحاح السابع من سفر "الخروج": "فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «انْظُرْ! أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أَخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ"، وهو ما يدل على أن الكتاب المقدس لا ينبغى أن يؤخذ بكل تلك الجديّة.
ثم إن معنى كلامه هو أن إله إبراهيم كان هو الآب، على حين أن إله إسحاق كان هو الابن، وإله يعقوب هو الروح القدس مثلا. فمن هو يا ترى إله موسى؟ ومن هو إله داود؟ ومن إله سليمان؟ ومن إله زكريا؟ بل من إله كل نبى من الأنبياء؟ ترى أهو إلهٌ قطّاعىّ؟ ولماذا لم يقل يهوه ذلك بوضوح مباشر بدلا من هذا اللف والدوران الذى يليق ببهلوان فى سيرك لا بإله؟ وإذا كان قد فاته هذا هنا فلماذا لم يستدركه بعد ذلك؟ بل لماذا لم يقله منذ آدم وانتظر إلى زمن موسى؟ بل على الأقل لماذا لم يقله منذ إبراهيم المنسوب له هذا الكلام وانتظر حتى كليم الله؟ ولماذا لم يقله موسى إذن بوضوح إذا كان يقصد هذا؟ بل لماذا لم يبشّر موسى بعيسى نفسه؟ ولماذا لم يقل إبراهيم بصريح العبارة إن الله ثالوث فيريح ويستريح؟ إن المسيح ذاته لم يقلها، فكيف نصدق بما يقوله كاتب الرسالة المدلس؟ وبالمناسبة فقد جاء فى النص السابق أن الله سوف يُدْعَى إلى الأبد: "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ"، ثم نراه عقب ذلك يقول إن اسمه "يَهْوَه"، وهو ما يربك العقل، إذ لا يعرف الإنسان أى من الاسمين هو المقصود، وإن كان التاريخ قد أثبت أن هذا وذاك كلام فى الهواء، لأنه ما إن جاء المسيح حتى لم يعد أحد يسميه بهذا الاسم أو ذاك، إذ يقول النصارى إنه هو الآب، ثم جاء محمد فقال وقلنا معه إنه هو "الله"! أما قول صاحبنا المداور المفتئت على الحق: "فأي دليل أوضح من هذا إلا لمن عاند الحق الذي أودعه في كتبه التي أنزلها على أنبيائه، وهي في أيدي أصحاب التوراة؟ إلى هذا الوقت لم يكونوا يفهمونه حتى جاء صاحب السرّ الذي هو المسيح سيدنا وكشفه لنا"، فليس له من معنى إلا أن كل الأنبياء قبل عيسى عاشوا وماتوا دون أن يعرفوا أن الله ثلاثة أقانيم، أى ماتوا جهلاء بالدين الحق! بل إن عيسى نفسه لم يتطرق إلى أى ذكر للتثليث! وأيا ما يكن الأمر فماذا نحن قائلون فى كلام يعقوب التالى، وهو موجود فى الإصاح الثانى والثلاثين من ذات السفر: "9وَقَالَ يَعْقُوبُ: «يَا إِلهَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَإِلهَ أَبِي إِسْحَاقَ، الرَّبَّ الَّذِي قَالَ لِيَ: ارْجعْ إِلَى أَرْضِكَ وَإِلَى عَشِيرَتِكَ فَأُحْسِنَ إِلَيْكَ. 10صَغِيرٌ أَنَا عَنْ جَمِيعِ أَلْطَافِكَ وَجَمِيعِ الأَمَانَةِ الَّتِي صَنَعْتَ إِلَى عَبْدِكَ. فَإِنِّي بِعَصَايَ عَبَرْتُ هذَا الأُرْدُنَّ، وَالآنَ قَدْ صِرْتُ جَيْشَيْنِ. 11نَجِّنِي مِنْ يَدِ أَخِي، مِنْ يَدِ عِيسُوَ، لأَنِّي خَائِفٌ مِنْهُ أَنْ يَأْتِيَ وَيَضْرِبَنِي الأُمَّ مَعَ الْبَنِينَ. 12وَأَنْتَ قَدْ قُلْتَ: إِنِّي أُحْسِنُ إِلَيْكَ وَأَجْعَلُ نَسْلَكَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُعَدُّ لِلْكَثْرَةِ»" حيث قال" إله إبراهيم، وإله إسحاق" فقط، أى أنه كرر كلمة "إله" مرتين لا ثلاثا؟ ترى هل ينبغى أن نفهم من هذا أن الله ثَانُوءٌ لا ثالوث؟ ألا يرى القارئ أننا أمام أمرٍ كلّه هزلٌ لا جِدّ فيه؟
وفى دفاعه عن التثليث يسأل الكندى خصمه وصديقه المسلم قائلا: "ألا تعلم أن الواحد لا يُقال له واحدًا إلا على ثلاثة أوجه: إما في الجنس، وإما في النوع، وإما في العدد. ولستُ أرى أحدًا يدَّعي غير هذا، أو يقدر أن يجد غير هذه الأوجه الثلاثة. فإن قلت إنه واحد في الجنس صار واحدًا عامًّا لأنواع شتى، لأن حكم الواحد في الجنس هو الذي يضمّ أنواعًا كثيرة مختلفة، وذلك مما لا يجوز في الله. وإن قلت إنه واحد في النوع صار ذلك نوعًا عامًّا لأقانيمَ شتَّى، لأن حكم النوع يضم أقانيمَ كثيرةً في العدد. وإن قلت إنه واحد في العدد، كان ذلك نقضًا لكلامك أنه واحد فرد صمد، لأنه لو سألك سائل عن نفسك: كم أنت؟ لا تقدر أن تجيبه أنك واحد فرد. فكيف يقبل عقلك هذه الصفة التي لا تُفضِّل إلهك عن سائر خلقه؟ وليتك مع وصفك إياه بالعدد كنت وصفته أيضًا بالتبعيض والنقصان. ألا تعلم أن الواحد الفرد بعض العدد، لأن كمال العدد ما عمَّ جميع أنواع العدد، فالواحد بعض العدد، وهذا نقضٌ لكلامك. فإن قلت إنه واحد في النوع، فللنوع ذواتٌ شتَّى لا واحدٌ فرد. وإن قلت إنه واحد في الجوهر، نسألك: هل تخالف صفةُ الواحد في النوع عندك صفةَ الواحد في العدد؟ أو هل تعني واحدٌ في النوع واحدًا في العدد لأنه عام؟ فإن قلت: قد تخالف هذه تلك، قلنا لك: حدّ الواحد في النوع عند أهل الحكمة اسم يعمّ أفرادًا شتَّى، وواحد الواحد ما لا يعمّ غير نفسه. فهل تقرّ أن الله واحد في الجوهر يعم أشخاصًا شتى، أو هل هو شخص واحد؟ وإن كان معنى قولك إنه واحد في النوع واحد في العدد، فإنك لم تعرِّف الواحد في النوع ما هو وكيف هو، ورجعت إلى كلامك الأول أنه واحد في العدد، وهذه صفة المخلوقين. وإن قلتَ: هل تقدر أنت أن تصف الله واحدًا في العدد إذا كان كزعمك الواحد في العدد بعضًا وليس بكامل؟ قلنا لك: إننا نصفه واحدًا كاملاً في الجوهر مثلّثًا في العدد، أي في الأقانيم الثلاثة، فقد كملت صفته من الوجهين جميعًا. أما وصفنا إياه واحدًا في الجوهر فلأنه أعلى من جميع خَلْقه، لا يشبهه شيء منها ولا يختلط في غيره، بسيط غير كثيف وروحاني غير جسماني، أب على كل شيء بقوة جوهره من غير امتزاج ولا اختلاط ولا تركيب. وأما في العدد فلأنه عام لجميع أنواع العدد لأن العدد لا يُعَدّ، وإن تكن أنواعه نوعين زوجًا وفردًا، فقد دخل هذان النوعان في هذه الثلاثة. فبأي الأنحاء وصفناه لم نعدل عن صفة الكمال شيئًا كما يليق به. فوَصْفنا الله واحدًا ليس على ما وصفته أنت. وأرجو أن يكون هذا الجواب مقنعًا لك وللناظر في كتابنا هذا، إذا نظر بعين الإنصاف".
ونحن بدورنا نقول فى الرد على ذلك إن هذه سفسطة سخيفة لا طائل من ورائها، وهيهات أن تفتح لصاحبها مسربا يهرب منه  كالثعالب. ذلك أنه لا معنى لقوله إن الواحد قد يقال له: "واحد فى الجنس أو فى النوع"، لأن هذا تحصيل حاصل، إذ الجنس بطبيعته لا يمكن أن يكون اثنين، وإلا ما كان جنسا. وبهذا يتجلى للقارئ ما فى كلام البكاش من سفسطة. وبالنسبة للنوع هناك رتب كثيرة تندرج تحته، وتحت الرتب تندرج أفراد لا حصر لهم. وكل رتبةٍ وكل فردٍ هو كيان مستقل لا علاقة لها أو له بما يسمونه: الأقانيم، أما البكاش فيدوس كل منطق ويقول رغم ذلك إنها أقانيم. وهذه أول مرة نسمع فيها هذا، وهو بفعلته تلك يريد أن يخترع مصطلحات جديدة لمنطق جديد، وهذا المنطق الذى يريد اختراعه هو السفسطة بعينها، والغاية منه هو إيهام القراء بأن حكاية الأقانيم أمر منطقى، ولكن هيهات. وبطبيعة الحال فإن واحدية الله ليست واحدية جنس ولا نوع لأنه ليس جنسا ولا نوعا، وإلا كان هناك أنواع تحت الجنس الإلهى متعددة، وأفراد تحت نوعه متعددة أيضا، والله غير متعدد. ويبقى كلامه عن "الواحد فى العدد" ومحاولته الإجلاب على التوحيد الإسلامى بقوله: "وإن قلت إنه واحد في العدد، كان ذلك نقضًا لكلامك أنه واحد فرد صمد، لأنه لو سألك سائل عن نفسك: كم أنت؟ لا تقدر أن تجيبه أنك واحد فرد. فكيف يقبل عقلك هذه الصفة التي لا تُفضِّل إلهك عن سائر خلقه؟ وليتك مع وصفك إياه بالعدد كنت وصفته أيضًا بالتبعيض والنقصان. ألا تعلم أن الواحد الفرد بعض العدد، لأن كمال العدد ما عمَّ جميع أنواع العدد، فالواحد بعض العدد. وهذا نقضٌ لكلامك". وتفنيد ذلك من أيسر ما يمكن، إذ إن الله سبحانه مطلق لا يُحَدّ ولا ينقسم ولا يتكرر، بخلاف المخلوقات، فإنها تُحَدّ وتنقسم وتتكرر. ومن ثم فقولنا إن الله واحد يختلف اختلافا تاما عن قول الواحد منا عن نفسه إنه واحد، لأن قولنا: الله واحد" معناه أنه لا جنس له يشمل أنواعا متعددة متشابهة، ولا نوع له يشمل أفرادا متعددين متشابهين، بخلاف قولنا إن فلانا واحد، فهو يدل على أنه واحد من آحاد كثيرة متشابهة. وهذا جَلِىٌّ بين، إلا أن صاحبنا يسفسط فى سياق لا يحتمل من السفسطة كثيرا ولا قليلا. إن الله فى الإسلام واحد أحد لأنه، حسبما شرحت الآن، لا يمكن أن يكون هناك شبيه له لا فى قوته المطلقة ولا فى إرادته المطلقة ولا فى علمه المطلق ولا فى وجوده المطلق الذى لا يحده حد ولا بداية له ولا نهاية... إلخ، ومن ثم فهو ليس واحدا فى سلسلة من الآحاد. أى أنه واحد ليس له ثان ولا ثالث ولا رابع ولا خامس...، فضلا عن أن يتجسد فيحتويه المكان والزمان ويخضع للقوانين والضرورات، شأنه شأن كل من يعيش داخل نطاق الزمان والمكان. تعالى الله عن ذلك، فهو سبحانه وتعالى خالق المكان والزمان والقوانين والضرورات، فكيف يمكن أن يخضع لشىء منها؟ أما ما يقوله صاحبنا البكاش فكلام ماسخ لا طعم له! وفى النهاية نسوق هذه الفقرة التى كتبها مؤلفو "دائرة المعارف الكتابية"، وهم مجموعة من كبار رجال اللاهوت النصارى فى مصر، فى مادة "وجد" : "الوجود فى كل مكان أمر مقصور على الله وحده، وهو يعنى أن الله لا يقيده أو يحده مكان أو زمان، إذ هو دائم الوجود فى كل مكان ( مز 139: 7- 10، إرميا 23: 23 و24، أع 17: 27، عب 1: 3... إلخ ). فمن اللازم أن نتجنب، فيما يتعلق بالله، المفاهيم المادية لوجوده حتى لا تختلط الأمور. فالله روح، ووجوده غير المحدود يجب النظر إليه بالمعنى الديناميكى، وليس بالمعنى المادى ، فهو متميز عن كل خليقته، بينما تحيط قوته وحكمته وصلاحه وجوده بكل الخليقة، فهو "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب 1: 3)، وهو الذى "به نحيا ونتحرك ونوجد" (أع 17: 28)، وفى جلاله وعظمته الإلهية هو "أبونا الذى فى السماء" (مت 6: 9)". يعنى: لا تجسيد ولا دياولو! أما أن الله روح أو أى شىء آخر فهذا ما لا نقول فيه إلا أنه "ليس كمثله شىء"، وإلا فإذا كان الله روحا كما يقول كتاب المادة اعتمادا على ما جاء فى إنجيل يوحنا (4/ 24)، فماذا نقول فى "روح الله" الواردة فى تكوين/ 1/2، و41/ 38، وخروج/ 31/ 3، و31/ 35، وعدد/ 21/ 2، وصموئيل 1/ 10/ 10، و11/ 6... ، ومتى/ 3/ 16، و12/ 26 مثلا؟ أنقول إنها "روح الروح"؟ أرأيت كيف أن بعض الناس لا يتنبهون إلى مرامى ما يقولون؟
وعلى ذات الشاكلة من السفسطة يستمر فى مزاعمه مخاطبا الهاشمى المزعوم بقوله: "وأما قولك إنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا ولم يكن له كفؤًا أحد، فإن أنت أنصفتنا أقررتَ لي بأن الذي وصفه بذلك هو الذي شنَّع عليه. وأما نحن فلا نقول إن لله صاحبة، ولا إنه اتخذ ولدًا ولا إنه كان له كفؤًا أحد". ومن الواضح أن الرجل قد فقد عقله! ألا يقولون إن عيسى هو ابن الله؟ ألا ينسبون لله القول بأنه هو ابنه الوحيد؟ ألا يقولون عن مريم إنها أم الإله؟ ألا يؤلهها بعض النصارى؟ ألا يقولون بالآب والابن والروح القدس؟ ثم إن الكاتب نفسه قبل قليل قد أشار إلى عبارة "إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب" ومغزاها. سيقول إن المقصود هو أنها ثلاثة أقانيم لا آلهة، لكنه هو وأهل ملته يتحدثون عن كل منها على أنه ذات مستقلة، وهذا من الوضوح بمكان، فهل الأقانيم ينفصل بعضها عن بعض ويستقل كل منها بوجود متمايز، ويكون أحدها فى السماء، والثانى على الأرض، والثالث ذاهب آيب ما بين السماء والأرض؟ هل يمكن أن يتجه أحد الأقانيم إلى أقنوم آخر فيقول له: أنت أبى أو إلهى ويسجد له ويبتهل ويصرخ طالبا العون، ويؤكد للناس من حوله أنه سوف يعود إليه بعد مماته، وأنه سوف يجلس عن يمينه يوم القيامة ويحاسب الناس معه ويشرب الخمر عنده كما كان عيسى عليه السلام يفعل حسبما كتب مؤلفو الأناجيل؟ وهذا يعنى أنه حتى بعدما يعود الابن إلى أبيه ويجلس عن يمينه سوف يتصرف تصرفات مستقلة لا يتصرفها الآب. الحق أنه ليس أمامنا إن أردنا أن نقبل هذا الذى يقوله ذلك البكاش إلا أن نخلع عقولنا ونرميها فى أقرب مقلب للقمامة! ولكن هيهات!
ومن سفسطته أيضا الجملة التالية التى ينقض ذيلها رأسها، وهى فى الحديث عن الله وصفاته: "فأما صفات ذاته فجوهر ذو كلمة وروح أزلي لم يزل متعاليًا مرتفعًا عن جميع النعوت والأوصاف". ذلك أنه فى الوقت الذى يقر فى بداية الجملة بأن لله تعالى صفات، يعود فى نهايتها فينفى أن تكون له أية صفات، ليعود كرة ثانية عقب ذلك فيتحدث عن صفات الله ويذكر له منها عددا غير قليل: "ونعلم أن الصفات في الله صفتان مختلفتان: صفة طبيعية ذاتية لم يزل متَّصِفًا بها، وصفة اكتسبها هي صفة فعله. فأما الصفات التي اكتسبها من أجل فعله فمثل رحيم وغفور ورؤوف. وأما الصفات المنزلة التي هي الطبيعية الذاتية التي لم يزل جل وعز متَّصِفًا بها فهي الحياة والعلم، فإن الله لم يزل حيًّا عالمًا. فالحياة والعلم إذًا أزليان لا محالة". وسبحان مثبّت العقل والدين! ومُضِيًّا مع السفسطة الماسخة يحاول أن يقنعنا بصحة النتيجة التالية: "فقد صحَّت نتيجة هذه المقدمات أن الله واحد ذو كلمة، وروح في ثلاثة أقانيم قائمة بذاتها يعمّها جوهر اللاهوت الواحد. فهذه هي صفة الواحد المثلث الأقانيم الذي نعبده، وهذه الصفة التي ارتضاها لنفسه ودلّنا على سرِّها في كتبه المنزلة على ألسنة أنبيائه ورسله. فأوَّل ذلك ما ناجى به موسى كليمه، حيث أعلمه كيف خلق آدم، فقال في السِّفْر الأول من كتاب التوراة: في البدء خلق الله (وفي العبرية: الآلهة بصيغة الجمع) السموات والأرض (تكوين 1:1). فبهذا يشير الكتاب المقدس إلى تثليث الأقانيم الإلهية الثلاثة، وبقوله "خَلَق" بضمير المفرد يشير إلى وحدة الطبيعة والجوهر الذي هو للأقانيم الإلهية الثلاثة. وقال أيضًا في هذا السِّفْر إن الله قال عند خلقه آدم: نَعْمَلُ الإنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا (تكوين 1:26)، ولم يقل: أعمل على صورتي وشبهي. وقال في هذا السِّفْر عندما أخطأ آدم: هُوَذَا الإنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ والشَّرَّ (تكوين 3:22)، ولم يقل: مثلي. وقال عزَّ وجل في هذا السفر: هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ (تكوين 11:7)، وذلك لما اجتمعوا ليَبْنوا صرحًا يكون رأسه في السماء، ففرَّق الله ضعف رأيهم وقلة عقولهم في ما فكروا فيه. ولم يقل: أَنْزِل أُبَلْبِل". ووجه السفسطة هنا هو أنه يقر بأن النص العبرى يقول: "آلهة" لا "إله" واحد، أى أننا إزاء شرك سافر، لأن الآلهة شىء، والأقانيم شىء آخر. أما استعمال ضمير الجمع فى حديث المتكلم عن نفسه فليس دليلا على التعدد، وإلا فكل رئيس أو ملك أو سلطان دائما ما يفعل ذلك، ولا يفهم أحد من ذلك أنه ثلاثة ملوك أو ثلاثة رؤساء أو ثلاثة سلاطين، اللهم إلا إذا كان البعيد غبيًّا فَدْمًا أو سوفسطائيا معوج العقل والضمير! أما فيما عدا هذا فكلا ثم كلا! والعجيب أنه يعود فيقر بأن البشر أيضا يستعملون ضمير الجمع فى الحديث عن أنفسهم، لكنه يسارع إلى السفسطة كعادته الرذيلة قائلا: "فإن قلتَ: نعم قد أجازته (أى اللغات البشرية) حيث يقول الرجل الواحد منهم: أَمَرْنا وأَرْسَلْنا وقلنا ولَقِينا وما أشبه ذلك، نقول لك إن ذلك صحيح جائز في المؤلَّف من أشياء مختلفة والمركَّب من أعضاء غير متشابهة، لأن الإنسان واحد كثيرة أجزاؤه، فأول أجزاءٍ من الإنسان النفس والجسد، والجسد مبني من أجزاء كثيرة وأعضاء شتى. فلذلك جاز له أن ينطق بما وصفتَ من: قلنا وأَمَرْنا وأوحينا، إذ هو عدد واحد كما ذكرت. فإن قلت إن ذلك تعظيمٌ لله أن يقول: أرسلنا وأمرنا وأوحينا، قلنا لك: لو لم يقل ذلك من ليس بمستحقٍّ للتعظيم لجاز قولك". وطبعا لا أظن أن هناك من يرافئه على هذا التنطع، وإلا لم يجز لأى بشرى إلا أن يقول دائما: "نحن فعلنا ونمنا وأكلنا وشربنا وسفسطنا"، لأن البشر دائما وأبدا متركبون من أجزاء. أم تراهم يكونون فى بعض الأحيان متركبين من أجزاء، وفى أحيان أخرى كتلة واحدة لا تقبل انقساما، وأنهم لا يستعملون ضمير الجمع إلا حين يكونون متركبين من أجزاء، فإن أصبحوا كتلة واحدة لا تقبل الانقسام عادوا فقال الواحد منهم: "أنا أكلت وشربت ونمت وسفسطت"؟ لكننا نعلم أنه لا أحد منهم يستخدم ضمير الجمع منهم إلا الملوك والرؤساء والسلاطين، كما أن أولئك الملوك والسلاطين والرؤساء لا يفعلون ذلك فى كلامهم مع آبائهم وزوجاتهم وأولادهم وعشيقاتهم مثلا. أم ترى علينا أن نقول إنهم حين يكونون مع الرعية يكونون متركبين من أجزاء، لكن سرعان ما تلتئم هذه الأجزاء وتضحى كتلة واحدة لا تقبل الانقسام حين يخلون إلى أُسَرهم وعشيقاتهم؟ ألا ما أقبح العقول الزنخة!
ويستمر صاحبنا فى السفسطة السخيفة والجدال السمج قائلا: "ولكن الله سبحانه يعلّمنا أنه واحد ذو ثلاثة أقانيم، قد نطق بالصيغتين من "أمرْتُ وأمرْنا، وخلقْتُ وخلقْنا، وأوحيْتُ وأوحيْنا": فإن الأولى دليل على الوحدانية، والثانية على تعدد الأقانيم. وبيان ذلك قول موسى النبي في التوراة ما معناه أن الله تراءى لإبراهيم وهو في بلوطات مورا جالسًا على باب خبائه في وقت حرّ النهار، فرأى ثلاثة رجالٍ وقوفًا بإزائه، فاستقبلهم قائلاً: يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلا تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ (تكوين 18:2، 3). ألا ترى أن المنظور إليه من إبراهيم ثلاثة، ولكن الخطاب لشخص واحد؟ فسمّاهم ربًّا واحدًا، وتضرع إليه سائلاً طالبًا أن ينزل عنده. فاعتباره الثلاثة سرّ الأقانيم الثلاثة، وتسميته إياهم ربًّا واحدًا لا أربابًا سرّ لجوهرٍ واحدٍ، فهي ثلاثة بحق، وواحد بحق كما وصفنا". وتسفيه ذلك هو التنبيه إلى أنه فى الإصحاح 12 من التكوين مثلا ليس هناك فى الحديث عن إبراهيم إلا كلام عن رب واحد: "6وَاجْتَازَ أَبْرَامُ فِي الأَرْضِ إِلَى مَكَانِ شَكِيمَ إِلَى بَلُّوطَةِ مُورَةَ. وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ حِينَئِذٍ فِي الأَرْضِ. 7وَظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ». فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ. 8ثُمَّ نَقَلَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْجَبَلِ شَرْقِيَّ بَيْتِ إِيل وَنَصَبَ خَيْمَتَهُ. وَلَهُ بَيْتُ إِيلَ مِنَ الْمَغْرِبِ وَعَايُ مِنَ الْمَشْرِقِ. فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ". ثم إنه إذا كان هؤلاء الثلاثة هم الله، فهل الله رجال؟ وهل الله يأكل ويشرب ويستريح؟
ومع ذلك فإنى أرجو من القارئ الكريم أن يقرأ القصة كلها لا القطعة التى اقتطعها المأفون منها، ولسوف يفاجأ بأن الأمر كله عراك فى غير معترك، وأن الرجال الثلاثة ليسوا هم الله، إذ سوف ينصرف الثلاثة بعد قليل من المكان، ويبقى إبراهيم رغم هذا واقفا قبالة ربه يحدثه ويرد عليه فى حوار طويل فيه رجاء من جانب إبراهيم أن يسامح الله قوم لوط، وإصرار من جانب الله على عقاب قوم لوط. أى أن الرجال الثلاثة شىء، والله شىء آخر، ولا صلة بين الاثنين حسبما يهرف به كِنْدِيّنا. ولنقرأ: "1وَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَقْتَ حَرِّ النَّهَارِ، 2فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا ثَلاَثَةُ رِجَال وَاقِفُونَ لَدَيْهِ. فَلَمَّا نَظَرَ رَكَضَ لاسْتِقْبَالِهِمْ مِنْ بَابِ الْخَيْمَةِ وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ، 3وَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتُ قَدْ وَجَدْتُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ فَلاَ تَتَجَاوَزْ عَبْدَكَ. 4لِيُؤْخَذْ قَلِيلُ مَاءٍ وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ وَاتَّكِئُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، 5فَآخُذَ كِسْرَةَ خُبْزٍ، فَتُسْنِدُونَ قُلُوبَكُمْ ثُمَّ تَجْتَازُونَ، لأَنَّكُمْ قَدْ مَرَرْتُمْ عَلَى عَبْدِكُمْ». فَقَالُوا: «هكَذَا تَفْعَلُ كَمَا تَكَلَّمْتَ». 6فَأَسْرَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْخَيْمَةِ إِلَى سَارَةَ، وَقَالَ: «أَسْرِعِي بِثَلاَثِ كَيْلاَتٍ دَقِيقًا سَمِيذًا. اعْجِنِي وَاصْنَعِي خُبْزَ مَلَّةٍ». 7ثُمَّ رَكَضَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْبَقَرِ وَأَخَذَ عِجْلاً رَخْصًا وَجَيِّدًا وَأَعْطَاهُ لِلْغُلاَمِ فَأَسْرَعَ لِيَعْمَلَهُ. 8ثُمَّ أَخَذَ زُبْدًا وَلَبَنًا، وَالْعِجْلَ الَّذِي عَمِلَهُ، وَوَضَعَهَا قُدَّامَهُمْ. وَإِذْ كَانَ هُوَ وَاقِفًا لَدَيْهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَكَلُوا. 9وَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ سَارَةُ امْرَأَتُكَ؟» فَقَالَ: «هَا هِيَ فِي الْخَيْمَةِ». 10فَقَالَ: «إِنِّي أَرْجعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ امْرَأَتِكَ ابْنٌ». وَكَانَتْ سَارَةُ سَامِعَةً فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَهُوَ وَرَاءَهُ. 11وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ شَيْخَيْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ فِي الأَيَّامِ، وَقَدِ انْقَطَعَ أَنْ يَكُونَ لِسَارَةَ عَادَةٌ كَالنِّسَاءِ. 12فَضَحِكَتْ سَارَةُ فِي بَاطِنِهَا قَائِلَةً: «أَبَعْدَ فَنَائِي يَكُونُ لِي تَنَعُّمٌ، وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ؟» 13فَقَالَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ: «لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: أَفَبِالْحَقِيقَةِ أَلِدُ وَأَنَا قَدْ شِخْتُ؟ 14هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى الرَّبِّ شَيْءٌ؟ فِي الْمِيعَادِ أَرْجعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ ابْنٌ». 15فَأَنْكَرَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: «لَمْ أَضْحَكْ». لأَنَّهَا خَافَتْ. فَقَالَ: «لاَ! بَلْ ضَحِكْتِ».16ثُمَّ قَامَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَتَطَلَّعُوا نَحْوَ سَدُومَ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ مَاشِيًا مَعَهُمْ لِيُشَيِّعَهُمْ. 17فَقَالَ الرَّبُّ: «هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ، 18وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً، وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ؟ 19لأَنِّي عَرَفْتُهُ لِكَيْ يُوصِيَ بَنِيهِ وَبَيْتَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ يَحْفَظُوا طَرِيقَ الرَّبِّ، لِيَعْمَلُوا بِرًّا وَعَدْلاً، لِكَيْ يَأْتِيَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ». 20وَقَالَ الرَّبُّ: «إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ، وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدًّا. 21أَنْزِلُ وَأَرَى هَلْ فَعَلُوا بِالتَّمَامِ حَسَبَ صُرَاخِهَا الآتِي إِلَيَّ، وَإِلاَّ فَأَعْلَمُ». 22وَانْصَرَفَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَذَهَبُوا نَحْوَ سَدُومَ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ قَائِمًا أَمَامَ الرَّبِّ. 23فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: «أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟ 24عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ. أَفَتُهْلِكُ الْمَكَانَ وَلاَ تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارًّا الَّذِينَ فِيهِ؟ 25حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ. حَاشَا لَكَ! أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلاً؟» 26فَقَالَ الرَّبُّ: «إِنْ وَجَدْتُ فِي سَدُومَ خَمْسِينَ بَارًّا فِي الْمَدِينَةِ، فَإِنِّي أَصْفَحُ عَنِ الْمَكَانِ كُلِّهِ مِنْ أَجْلِهِمْ». 27فَأَجَابَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: «إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ. 28رُبَّمَا نَقَصَ الْخَمْسُونَ بَارًّا خَمْسَةً. أَتُهْلِكُ كُلَّ الْمَدِينَةِ بِالْخَمْسَةِ؟» فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ». 29فَعَادَ يُكَلِّمُهُ أَيْضًا وَقَالَ: «عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ أَرْبَعُونَ». فَقَالَ: «لاَ أَفْعَلُ مِنْ أَجْلِ الأَرْبَعِينَ». 30فَقَالَ: «لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ ثَلاَثُونَ». فَقَالَ: «لاَ أَفْعَلُ إِنْ وَجَدْتُ هُنَاكَ ثَلاَثِينَ». 31فَقَالَ: «إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عِشْرُونَ». فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعِشْرِينَ». 32فَقَالَ: «لاَ يَسْخَطِ الْمَوْلَى فَأَتَكَلَّمَ هذِهِ الْمَرَّةَ فَقَطْ. عَسَى أَنْ يُوجَدَ هُنَاكَ عَشَرَةٌ». فَقَالَ: «لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ». 33وَذَهَبَ الرَّبُّ عِنْدَمَا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَانِهِ". واضح تمام الوضوح، اللهم إلا لمن انطسّ فى نظره وكان "أغلف" بالمعنيين جميعا: أغلف القلب وأغلف شىء آخر، أن الرجال قد انصرفوا وبقى الله مع إبراهيم يتحدثان ويتجادلان، إلى أن جاء الوقت الذى انصرف فيه المولى سبحانه بدوره. فهناك إذن انصرافان: الأول انصراف الرجال الثلاثة، والثانى انصراف الله. أى أن الرجال الثلاثة ليسوا هم الله. واضح هذا أم نقول من جديد؟

Open source productions